هنا توجد تنانين: بداية التطور الفصل 103 — لهب صدئ، روح مدنسة

اقرأ هنا توجد تنانين: بداية التطور الفصل 103 — لهب صدئ، روح مدنسة باللغة العربية على مانجا تايم.

"ما زال يسبب الحكة."

تذمرت سيليستي ونفضت أشواكها وهي تحاول إزاحة سماعة الأذن التي ثبتها برايس عليها. لم تكن تسقط على الأقل، بخلاف المحاولات السابقة. كان جهاز الاستقبال الكريستالي أداة بسيطة وصغيرة نسبياً، لذا لم يكن تثبيته على رأس تنين بالأمر العسير، حتى وإن بدا غريباً بعض الشيء. تكمن المشكلة في عجزه عن معرفة طريقة تثبيت السماعة بالقرب من أشواكها الغشائية من دون إزعاجها. ربط السماعة في النهاية تحت حزام، بحيث تقترب من الأشواك الحساسة من دون أن تلمسها.

سأل برايس: "ما رأيك هكذا؟"

هزت سيليستي رأسها يميناً ويساراً وهي تختبر الوضع.

"غريب، لكنه مقبول. يمكنني سماع السفينة بهذا، أليس كذلك؟"

"هذا صحيح."

أجرى برايس تعديلاً آخر.

"وماذا عن هذا؟"

"أفضل. هل أطير الآن؟"

"نعم، أشر إليّ إن استطعت سماعي عبر السماعة."

لم يُدخل برايس أي تعديلات على أجهزة الاستقبال نفسها، لكن الاختبارات الميدانية وُضعت لسبب ما. بعد نصف ساعة، تحولت سيليستي إلى نقطة باهتة على شكل تنين في السماء. قد تمر في هذه المسافة كطير غريب لو لم يكن يعلم أنها تنين.

قال فاثوم بعدما رأى إشارتها: "هذا أقصى ارتفاع يمكنها بلوغه".

تحدث برايس في الميكروفون: "أختبر، أختبر، واحد، اثنان، ثلاث. رفرفي بجناحيك إن كنتِ تسمعينني"، فومضت النقطة في السماء.

قال فاثوم بعد عدة تكرارات أخرى: "إنه يعمل. ماذا تفعل؟"

وسأله حين رأى برايس يخرج السدس الفلكي.

عقد برايس حاجبیه وقال: "أعرف طولها الحقيقي، لذا يمكنني حساب ارتفاعها إن قست طولها بالدرجات فحسب. أو بالأحرى، يستحيل عليّ فعل ذلك والسفينة تتحرك هكذا. لا يمكنني الحصول على قراءة دقيقة".

همهم فاثوم لبرهة وأمال رأسه بتفكر.

"هل القميص الذي ترتديه ثمين للغاية؟"

سأل برايس، محتاراً من هذا الكلام غير المتسق: "ماذا؟"

ونظر إلى قميصه قصير الأكمام البالي.

"حسناً، لا، إنه قميص عادي جداً. لماذا تسـ..."

كاد برايس يعجز عن كتم صرخة خافتة حين عضّ فاثوم مؤخرة ياقته ورفعها متراً كاملاً عن الأرض.

قال فاثوم بصوت مكتوم إلى حد ما بسبب انطباق فكيه شبه التام، بينما ظلت كلماته واضحة تماماً: "يمكنك استخدام السدس الفلكي الآن".

مازحت شريكتها وهي تصدر صهيلاً مستمساً: «يا له من فرخ غريب تملكه».

كتم برايس احتجاجاً حين أدرك ما يرمي إليه فاثوم؛ فقد كان رأس التنين (وبالتالي جسد برايس) يرتفع وينخفض لموازنة حركات السفينة الدقيقة، مما ثبته تماماً.

تذمر وهو يرفع السدس: "كان يمكنك تحذيري".

رد فاثوم بلا أدنى شعور بالندم: "لما يكن ذلك ممتعاً. ......أنهيت أمورك بعد؟ لا يمكنني رؤية ما تفعله وأنا هكذا".

(رسم راكيرا) تجاهل دلي تدلي ساقيه بغراقة وهو يهتف: "أعطني دقيقة، قميصي يشد ذراعيّ...... 0.17 درجة، أو نحو 5 كيلومترات في الأعلى".

سأل فاثوم بنبرة تبدو معجبة بعض الشيء وهو ينزل برايس: "هل حسبت ذلك في ذهنك؟"

أجاب برايس وهو يحمل الحسابات المخطوطة على دفتر ملاحظات: "لا، حسبتها مسبقاً. لو كانت على ارتفاع 4 كيلومترات، لشغلت سيليستي 0.215 درجة من السماء. 0.172 درجة تعني 5 كيلومترات، و0.143 درجة تعني 6 كيلومترات. يمكنك النزول الآن يا سيليستي"، قالها متحدثاً في الميكروفون.

دخل التنين في السماء غوصاً على الفور، وانفرجت جناحيها ولم يتبقَ بينها وبين المحيط سوى أقل من كيلومتر. لقد أحسنت توقيت هبوطها، وما إن وصلت إلى السفينة حتى تخلصت من الزخم الكافي للهبوط على السطح — وإن كان ذلك بعد أداء دورة هوائية أنيقة.

تذمرت ديفوشن: "استعراضية".

لاحظت سيليستي متجاهلة التنين الأكبر: "من الغريب جداً سماع أصوات حين لا يوجد أحد بالقرب".

وقالت ما إن ألحّ عليها برايس بشأن جودة الصوت: "استطعت فهمك جيداً. لاحظت أن الصوت كان أقوى حين كنت أنظر نحو سفينتك".

"نعم، الهوائي الموجود على رأسك يشير إلى الأمام، لذا يمكنه السماع بشكل أفضل حين تنظرين إلى مصدر موجات الراديو. ستتمكنين من العثور على سفينة الإنقاذ لمجرد النظر حولك والطيران في الاتجاه الذي يكون فيه الإشارة هي الأقوى."

همهمت سيليستي: "همم... هذا منطقي. الهوائي مثل العيون."

أومأ برايس: "بالضبط".

ونظر إلى الكرونومتر: العاشرة تماماً.

"تتبقى نصف ساعة حتى وصولنا. أو على الأقل حتى نصبح قريبين جداً".

استحيل عليه معرفة خط عرضها من دون النجوم، لذا لم يستطع برايس الاستعجال مهما اشتد رغبته في ذلك. لا يزال هناك وقت وافر قبل الانقلاب الشنوي، وكل يوم نُوفّره هو يوم إضافي يمكننا قضاؤه في البحث عن كالين.

"لنراجع الخطة مرة أخرى. طيري بعيداً وعالياً قدر الإمكان. استمعي إلى الراديو، ولا تنسي تفقد المعالم بحثاً عن رسائلـ..."

علق فاثوم: "نسيت تعليمها قراءة الإنجليزية".

اعترف برايس: "...نعم. ظننت أن الرسالة ستُكتب على شيء يمكنهم حمله معك، لكن قد يكون ذلك مستحيلاً".

هز فاثوم كتفيه ثقة منه بلا مبرر بذاكرة ابنته، وقال: "عليك فقط تعليمها الأبجدية، لتستطيع حفظ الرسالة".

أمضيا ربع ساعة في استعراض الأبجدية، وربع ساعة أخرى في تهجئة الكلمات المرتبطة بالاتجاه والمسافة. أبدى التنانان استياءهما من احتمال صدور أصوات متعددة من الحرف الواحد، لكن ذلك لم يمنعهما من حفظها على أي حال.

قال برايس وهو يطفئ المحركات: "حسناً، ينبغي أن نكون قريبين جداً من وجهتنا. سيتجه أحدكما شمالاً بينما يتجه الآخر جنوباً، وعندما تعودان سأنقل السفينة إلى موقعها الأخير ليلاً".

قال فاثوم وهو يمد جناحه جزئياً لاستشعار تيارات الهواء: "أقرب معلم يقع شمالنا؛ إنه كومة صخور تدعى التنين النائم. أستطيع القراءة بأفضل شكل، لذا سأتجه شمالاً حيث يرجح وجود الرسالة".

توقف للحظة ثم أضاف لابنته: "لا تنسي تفقد البيضة؛ لقد تجاوزناها منذ أقل من ساعة".

قالت سيليستي بذهول: "نعم، نعم. الشجرة الملتوية تستحق الزيارة أيضاً، لقربها الشديد من البيضة".

أمالت رأسها وكأنها أدركت شيئاً ما.

"كيف ترين أن كالين تركت رسالة؟ عمَّ ينبغي أن أبحث؟"

خمن برايس: "ربما حاولت ترك رسالة مكتوبة على أوراق الشجر. لا ينبغي أن تكون مخفية للغاية، إذ لا يستطيع التنانان قراءتها على أي حال".

حذرت ديفوشن: "لا تنسي تجنب التنانان الآخرين. خصوصاً أنتِ يا سيليستي. قد يرون جهاز الاستقبال الخاص بك، وسيصعب عليك اللحاق بهم إن كانوا ذكوراً".

أقرت سيليستي وإن كان ذلك على مضض: "...هذا... منطقي. لكن ما العمل إن لاحظوا جهاز الاستقبال؟ لا يمكنني منعهم من تتبعي إلى هنا".

اقترحت ديفوشن: "يمكنك استدراجهم بعيداً. سنعرف أنك التقيت بغيرك إن لم تعودي بحلول الغوب".

سألت سيليستي: "ماذا لو أخفيت جهاز الاستقبال؟"

استغرق الأمر أكثر من دقيقة من العبث بحزام الفيلكرو، لكنها استطاعت أخيراً إخفاء الجهاز داخل كفها.

سأل برايس بشك: "أيمكنك إعادته بنفسك؟"

أثبتت دقائق أخرى أنها قادرة على ذلك، رغم وضع السماعة الخاطئ تماماً. أظهرت الاختبارات قدرتها على سماع الصوت المنقول، وإن لم يكن بالدقة المطلوبة.

قال برايس: "حاولا عدم فعل ذلك إلا للضرورة. ولا تنسي، ربما رآك المتطفل، لذا سيتعرف عليك حتى لو أخفيت الجهاز".

تذمرت سيليستي: "مم... مشكلة مزعجة".

اقترح برايس اقتراحاً قوبل بنظرات مذهولة: "ربما من الأفضل... إخباره بكل شيء؟ أدرك سخافة الأمر، لكن إن تمكنا من جعله ينضم إلينا فلن يشكل تهديداً. أأنا مخطئ؟"

هخر فاثوم: "لا يمكنك دعوته هكذا. تنين يتسلل مثله لا يؤتمن جانبه".

فاجأتهم ديفوشن بالقول: "...برايس ليس مخطئاً. من الغريب دعوة عدو، لكن الأمر يبدو منطقياً بعض الشيء".

سُرَّ برايس بهذا الدعم غير المتوقع، إلى أن أضافت: «يسهل هذا أيضاً التعامل مع المتطفل إن أخفقنا في إقناعه بالكلمات».

قال برايس تلقي الترجمة المقلقة من فاثوم: "لنأمل ألا نضطر إلى ذلك".

بدا التنين متردداً في ترجمة عبارة "التعامل مع"، لذا شك في أن يبشر هذا الاقتراح بالخير لصحة التنين الأخضر.

تذمرت سيليستي: "يبدو قتال مثله خاطئاً ونحن أربعة".

وافقها فاثوم: "حقيقي. أفضل قتاله بالشكل المناسب".

هخرت ديفوشن وهزت رأسها.

"لن يفعل ذلك إلا إن كان غبياً جداً. لا تعتمدوا على ارتكاب العدو للأخطاء، فلن ينتهي الأمر خيراً قط"، وبّخت بحزم.

قاطعت فورتيتود مهدئة: "سيصبح القتال والكلام أسهل إن دعوناه. لكن يستبعد أن يجده أي منكم، لذا أرى من الأفضل التخطيط لأمور أخرى".

أقر برايس: "معك حق. سيتجه فاثوم شمالاً وتتجه سيليستي جنوباً، أترغبين في فعل شيء اليوم يا ديفوشن؟"

أجابت ديفوشن: "أرغب في الذهاب إلى الهضبة. لكن الوقت متأخر اليوم. لن أستطيع العودة بحلول الغروب، لذا سأذهب غداً. سأحاول اليوم العثور على تنانين يرغبون في التحالف معكم".

قال برايس متحمساً لاحتمال لقاء تنانين أخرى: "كنت بانتظار طرحك لهذا الأمر. أقررتم من يمكننا الوثوق به؟"

حذرت ديفوشن: "نعم، بعضهم، لكنني لا أعلم كم سأجد. ربما لا يتواجد بعضهم في منازلهم".

أوضحت فورتيتود: "لدينا تنانين عدة نرغب في إيجادها. أولهما كارنو وهيلشا. كان الأول جارنا قديماً، وتربطه علاقات جيدة بتنانين كثيرة. سيساعد في إقناع الجميع بالوثوق بالبشر".

أضافت ديفوشن — وهي مجاملة فاترة، لكن برايس شك في كونها من نوع من يسهل إطرائه بسهولة: "وهي ليست سيئة القتال أيضاً".

"يبدو خياراً رائعاً، لكن لماذا لم نحاول العثور عليها مبكراً طالما تعرفانها جيداً؟"

هخرت ديفوشن بما يشبه الخليط بين التسلية والازدراء.

"تحب الثرثرة كثيراً. سيكون كتمان أمرك عذاباً لها".

آه. ثرثارة.

"معك حق. ماذا عن التنين الثاني؟"

استهلت فورتيتود حديثها بالقول: "يعد هيلشا نقيضاً لكارنو بطريقة ما. كلاهما عجوز وقوي، لكنه يفضل العيش بمفرده. نود انضمامه لأنه التنين الوحيد العارف بصنع... الدواء؟ القادر على تقوية أنماطنا".

حسناً، بدا ذلك مثيراً للاهتمام. عدا عن استخدام الأعشاب، لم يسمع بالكثير من ذكر التنانين لصنع الدواء من قبل.

أكد برايس، مدركاً لنواياهم: "الدواء هو الكلمة الصحيحة".

أرادوا حشد حلفاء يتمتعون بسلطة التأثير على الآخرين، فضلاً عن قوتهم الكافية لردع أي معارضة يواجهونها. حين فكر في الأمر، ربما كانت القوة شرطاً أساسياً لاكتساب النفوذ في المقام الأول. فالسر يفقد قيمته إن أمكن انتزاع بالقوة على أي حال.

كانت استراتيجية جيدة، و أدرك كيف تجلب معرفة صنع مثل هذا "الدواء"

لهيلشا مكانة مرموقة بين مخلوقات شديدة التفاخر كالتنانان. رغم ذلك، أقلقت تفصيلة معينة بالذات أكثر من سواها.

"أمن الآمن محاولة دعوته إن كان يبغض التعامل مع بقية التنانان؟"

أمالت ديفوشن رأسها، مقرة بقلقه.

قالت قبل أن تصرح بصراحة: "يؤذي هيلشا المتحدين بقسوة بالغة، لكنه يتمتع بشرف عظيم ونادراً ما يبادر بقتال. أنت ضعيف جداً، لذا لن يؤذيك".

أسهبت سيليستي في الشرح: "يكراه قتال من هم أضعف منه أكثر من أي شيء آخر. يكرهه لدرجة يرفض معها الصيد، معتقداً أن الفريسة بالغة الضعف".

حدق برايس، متشككاً في صحة ما سمع.

"لا يصيد؟ بما يتغذى إذن؟"

سأل باستنكار.

أجاب فاثوم باختصار: "النباتات، والفواكه، والمكسرات، والفطر. هذا ما يقوله على الأقل. لا أظن أن أحداً يستطيع البقاء على قيد الحياة بلا لحم"، قالها بزمجرة تشكيكية.

لم يتوقع برايس أبداً وجود تنين نباتي، لكنه بدا شخصية مثيرة للاهتمام — وإن شاب سلوكه بعض التناقض.

قالت فورتيتود، محتسبة صمته شكاً على ما يبدو: "هناك آخرون نود التحدث إليهم. يمكنني إخبارك عنهم لاحقاً بعد رحيل البقية".

قالت ديفوشن وهي تنشر جناحيها: "هذا كل ما أردنا الحديث عنه. سأعود قبل الغروب"، وما إن انتهت حتى قفزت نحو السماء، مما أجبر برايس على التماسك لئلا تطوح به هبات الرياح العاتية.

اعتدل في جلسته حين غادرت وأشار لفاثوم بالاقتراب.

"لنجتهزك بجهاز الاستقبال، ثم يمكن لكليكما الانطلاق".

تململت سيليستي بنفاد صبر بينما كان برايس يعمل، وما إن فرغ حتى أفصحت: "يبدو أنك آخر المغادرين"، وألقت بنفسها فجأة في السماء.

صرخ فاثوم لافتاً فوراً رغم احتجاجه: "لم نكن في سباق!"

قال برايس لفورتيتود: "يبدو أننا وحدنا. أستخبرني عن التنانان الآخرين الآن؟"

أمالت فورتيتود رأسها بدلال: "ربما؟ الكلام شاق للغاية. قد أميل لإخبارك عنهم، إن أطلعتني على المزيد من أغراض البشر".

"لمَ لم تريِني هذا من قبل؟!"

صاحت فورتيتود بينما ظلّت عيناها مسمرتين على المرآة.

قال برايس بجفاف: "كانت لديّ أمور مهمّة لأفكر فيها، مثل التنانين المعادية".

"لا أرى كيف يكون ذلك أهمّ من هذا".

تحدثت وفمها مفتوح وهي تتفحص صفوف الأسنان التي لم ترها بوضوح من قبل. وعند التفكير في الأمر، كيف كانت كل أسنانها بحالة ممتازة؟ لا يمكن أن تكون بقدَمِ عمرها نفسه، وهذا يعني...

"انتظري دقيقة، هل تنمو أسنان التنانين من جديد؟"

توقفت فورتيتود عن تفحصها.

سألت وهي تلقي نظرة على انعكاسه: "ماذا؟"

"إن فقدتِ سِنّاً، هل تنمو مجدداً؟"

حدقت فيه ببلادة: "...ألا تفعل أسنانكم ذلك؟"

"لا. يستبدل الأطفال البشريون أسنانهم مرة واحدة، لكنها بعد ذلك تزول للأبد".

"إذن كيف تأكلون؟"

سالت فورتيتود بتشكك وقد استدار رأسها فجأة لتحدق به لا بانعكاسه.

"هل تعاني من أي أسنان مفقودة؟"

قال وهو يفتح فمه لترى: "نحن نصنع أسناناً مزيفة من معادن مثل الذهب، ولا، أنا محظوظ؛ لم أفقد أياً منها بعد".

وقليلون في سنّه يستطيعون قول إنهم يملكون طقماً كاملاً من الأسنان، وكان ذلك شيئاً يشكر عليه دائماً.

تأففت فورتيتود وهي تعيد اهتمامها إلى المرآة: "أجسام البشر غبية. هل تمرض كثيراً؟"

"يعتمد ذلك على مقصودك بعبارة 'كثيراً'. سيصاب معظم الناس بمرض خفيف عدة مرات في السنة".

قالت فورتيتود وبدت غير متأكدة تماماً: "نعم. يقول صديقك إنك تستطيع شفاء الالتهابات".

"إن كان النوع المناسب من الالتهابات، نعم".

أمالت فورتيتود رأسها وبتألق شكاك في عينيها: "أيمكنك إثبات ذلك؟"

"لقد شفيت فاثوم. أليس هذا كافياً؟"

"قد يكون ذلك محض حظ".

قال برايس وهو يجلس ليستند بذقنه إلى قبضة يده: "صحيح، صحيح. أعتقد أنني لا أستطيع إثباته لك حقاً، ليس من دون مجموعة مرضى ملقين حولنا".

خفضت التنين العجوز رأسها وثبتت عليه نظرة متأملة.

"غريب. تعتقد أنك قادر على فعل هذا، لكن ألا تشعر بالإهانة لأنني أظن أنك لا تستطيع؟"

"ليس حقاً. تعتقد التنانين أن الالتهاب ينسب إلى... الأشياء الميتة، أليس كذلك؟"

أومأت فورتيتود ببطء.

"من الممنطقي أن تجعل الأشياء الميتة الكائنات الحية مريضة. إنه لـ... لأمر ممل الاعتقاد بأن المرض ينجم عن مخلوقات صغيرة كثيرة".

هز برايس كتفيه: "ربما. لكن هذا يذكرني، أردت أن أسأل إن كان بإمكانك إخباري بكل ما تعرفينه عن تنين معين".

"قلتَ مسبقاً إنك تريد معرفة أمر التنانين التي نريد دعوتها".

هز برايس رأسه: "ليس أولئك. تنين مختلف. أخبرك فاثوم عن التنين الذي أسميه باثوجين، أحيح؟ أردت أن أسأل عنه".

سألت بقسوة مفاجئة: "أوه، هو. لماذاب لا تفكر في دعوته، أأنت كذلك؟"

هز برايس رأسه بحسم: "لا، بالطبع لا. لا يبدو أن فاثوم يعرف لمَ يريد باثوجين موته، لذلك أردت معرفة إن كان بإمكانك مساعدتي في تبين ذلك".

تنخرت فورتيتود: "لا أرى لمَ هذا مهم. الذي تدعوه باثوجين ليس مجرد جبان، إنه..."

توقفات وكأنها تحاول إيجاد كلمة.

"ألديك كلمة لوصف شخص يتسبب في حدوث أمور سيئة؟"

قطب برايس جبينه غير متأكد من كيفية الإجابة عن ذلك الوصف الغامض والمزعج.

"أتقصدين... شخصاً يرتفع بأفعال سيئة؟ سيجعله ذلك شخصاً سيئاً، أو شريراً".

"لا، أعني شخصاً يتسبب في حدوث أمور سيئة".

قال برايس ببطء: "أقرب كلمة ستكون... ملعوناً".

قالت فورتيتود وهي تحصي كل خطيئة بمخلب مرفوع: "إنه ضعيف، وجبان، وفرد ملعون يمرض الآخرين. أفرص إن كنت محقاً فإنه قذر فحسب، لكن لمَ تريد التعلم عن شخص كهذا؟"

تنهد برايس وهو يمرر أصابعه خلال شعره: "الأمر فقط... عندما أتيت إلى هذه الجزيرة لأول مرة، كان بإمكاني مقابلة أي شخص. ماذا لو أصبحت صديقاً لباثوجين؟ ماذا لو وثقت به دون التعرف على فاثوم؟ ماذا لو سمحت له بقتل فاثوم، أو الأسوأ، مساعدته؟"

تمتمت فورتيتود: "هرن... أعتقد أنني أستفهم قليلاً، لكن ماذا ستفعل إن قررت أن باثوجين لا يستحق الموت؟ حتى لو استطعت إقناع صديقك، فلن تستطيع إقناع باثوجين".

"لقد... فكرت في ذلك. أعرف أنه ليس هناك ما يمكنني فعله. ربما أكون غبياً فحسب، لكني ما زلت أريد أن أعرف".

رفع برايس نظره ليرى التنين العجوز تراقبه بتعبير يستحيل قراءته.

قالت فورتيتود وهي تنقر بمخلب على السطح بملامح حاسمة: "حسناً إذن، سأخبرك عن باثوجين؛ أنا فضولية لرؤية أي قرار ستتخذه".

جلست العجوز على مؤخرتيها وأمالت رأسها بينما تنظم أفكارها.

"وُلد باثوجين قبل أربعة وسبعين عاماً. كان أمه وأبوه قويين — بقوة ديفوشن تقريباً — لكنه كان ضعيفاً ومخيباً للآمال. عندما كان صغيراً، تحدى تنانين أقوياء كُثراً، وخسر دائماً تقريباً. تحدى صديقك قبل ستة عشر عاماً — أنت تعرف ما حدث بعد ذلك، أليس كذلك؟"

أومأ برايس: "أعرف. خسِرتْ رفيقتُه معركتهما، وماتت بسبب الالتهاب".

"نعم. بعد ذلك، لم يكد باثوجين يتحدى سوى فاثوم طوال الستة عشر عاماً الماضية. لم يفز في معركة واحدة قط طوال ذلك الوقت".

شخرت بازدراء: "أنا مندهشة لأن صديقك لم يقتله مبكراً".

قال برايس مرتبكاً: "لكن فاثوم قال إن باثوجين لن يوافق على معركة موت. ألم أظن أن التنانين التي تقتل خارج معركة الموت تُقتل؟"

صححت العجوز: "فقط إن كان من يقتلونه... ممن يتصرفون صواباً. باثوجين ملعون لأنه قتل أحداً بتمرضه. يكاد ذلك يكون بسوء قتله بنفسه — إنه لا يستحق هذا الاحترام".

قطب برايس جبينه بينما بدأت القطع تتبوأ أماكنها.

"إذن... لو أراد فاثوم، لكان باستطاعته قتله دون أن يُعاقب على ذلك؟"

قالت فورتيتود وهي تحرك جناحها رافضة: "لا، بالطبع لا. ألا تستمع؟ لا أحد سيبالي إن مات شخص مثله".

هبط إيغنار برفق على النتوء المألوف. طفت ذكريات قديمة عزيزة على سطح ذهنه وهو يوقع عينيه على الشيخ الماثل أمامه. كانت حراشف التنين تفتح لونها مع التقدم في السن، لكن الجناحين كانا خاليين من أي حماية كهذه، ولهذا ظل لونهما بمنأى عن تأثير مرور الزمن. لهذا السبب لم يكن ليتسنى العثور على تدرج ثنائي اللون إلا لدى التنينات التي عاشت مئتين وخمسين عاماً أو أكثر — وكلما تقدم التنين في العمر، زاد التباين صاعقة بين الجسد والجناح.

أما هذا التنين... فقد غطت جلده الأرجواني العميق حراشف لامعة بيضاء بسبب الشيخوخة. ونثرت جسده ندوب معارك تعود لقرون خلت، وبدت الجروح القديمة خفيفة وشاحبة حتى أمام حراشفه المتجمدة. رمق التنين العجوز إيغنار بنظرة صلبة، وكانت عيناه الرماديتان حادتين وناقدتين. قال أنزاث بصوت هادر: — لقد مضى وقت طويل أيها الفرخ الملعون. ولم يخفِ نبرة الازدراء البتة في صوته. أحنى إيغنار رأسه وقال: — يا أبي، جئت حاملًا أخباراً.

قال أنزاث بنبرة باردة ورافضة بوضوح: — إن كان الأمر يخص البشري، فقد تأخرت كثيراً. سمعت الأخبار من خارنو-ǂ بالأمس. كان مثل هذا الرد هو ما توقع إيغنار تماماً، ومع ذلك لم يكن أقل إيلاماً عندما سمعه. قال وشيء يبعث بصيصاً خافتاً من الاتمام في عيني أبيه: — أنا أعلم شيئاً لا يعلمه خارنو-ǂ. هدر أنزاث قائلاً: — ...تفضل بالحديث. غير أن عينيه لم تفقدا شيئاً من شكوكهما. بدأ إيغنار يقول: — لاحظ شارنها أن هورومح يطير مع غوراه-ǂ وابنته.

ضيّق أبوه عينيه عند ذكر التنين الأخضر البغيض، لكنه لم يبدِ أي اعتراضات خلاف ذلك.

— تتبعه، ووجدت قوقعة حديدية ضخمة أطول بأربع مرات من كامل طول جسده وبعرضه نفسه — لا بد أن هذا البشري استخدمها لعبور المحيط.

أخرج أبوه صخرة بازدراء.

— وأنت تصدقه؟

تنين مثل شارنها؟ غضب إيغنار محتدماً: — لقد كان لديه دليل بالطبع. كسر قطعة معدنية من هذه القوقعة الكبيرة، ولم تكن تشبه أي شيء رأيته قط. لم يخلق أي تنين قط شيئاً بهذه السلاسة والانعكاس، لقد كانت كالمعدن بملامح بحيرة ساكنة. نفخ أنزاث بوضوح مشككاً في مثل هذا الادعاء.

— وأفترض أن شارنها قد احتفظ بهذه القطعة المعدنية بكل سلاسة؟

زمجر إيغنار: — نجل، لقد رفض التخلي عنها. قادني إلى حيث وجد القوقعة المعدنية الكبيرة، لكنها كانت قد اختفت بحلول وقت وصولنا، ومعها كل شيء ذي قيمة في منطقة هورومح. وقف التنينان في صمت، وأطال أنزاث النظر إلى إيغنار بنظرتها الثاقبة تلك التي كانت تشعره دائماً بأنه شفاف تماماً أمام أبيه. هدر ببطء وتعمّد: — أنا... أرى... بافتراض أن هذا صحيح، فإن الأربعة منهم — بما فيهم جورال — قد...

تحالفوا مع هذه الكائنات، إلى حد ما على الأقل. توقف، وضيّق عينيه أكثر.

— عندما اكتُشف كناورو مع البشري، ألعله وذاك البشري الوحيد قد انفصلا عن مجموعتهما فقط؟

لا، لا. أخفض رأسه مفكراً.

— لم يكن لدى كل من كناورو أو هورومح أي عمل للتعامل مع غوراه وجورال — إلا إذا كان الأخير يزور ابْنَته؟

هذا يعني أنه من بين الاثنين، فإن الأول الذي اكتشف ذلك البشري يُرجح أن يكون صائد الغيوم* كناورو، لكن هذا لا يفسر سبب عثور خورحوك عليه بعيداً جداً عن منطقة هورومح، ما لم —

"من المتوقع وجود أكثر من واحد من هذه المخلوقات، وقد عثر كُناورو على واحد تماماً كما فعل هوروب."

قال أبوه دافعاً الفكرة جانباً: "محتمل، لكنه ليس مرجحاً للغاية. أظن أن كُناورو وذلك البشري كانا يجمعان الحلفاء بهدوء حين أُلقي القبض عليه. هذا يفسر وجود هوروب معهما، إذ يرجح أن ابنته دعته للانضمام إلى مجموعتهم. يجب أن أذهب للقاء غورّاه—"

قال إيغناهْر: "لن يكون ذلك ممكناً. لقد غادر الشيخان أراضيهما، ورأيت ذلك بنفسي—"

صاح أنزاث لدرجة جعلت إيغناهْر ينتفض مذهولاً: "ماذا؟! كلاهما؟ أمتأكد أنت؟"

تلعثم إيغناهْر متفاجئاً من شدة انفعال أبيه: "ن-نعم. لقد أُزيلت معظم ممتلكاته القيمة، مع أن بعضها تُرك خلفه. لم أُخذ شيئاً بالطبع."

وأضاف متمماً: حتى إن شارنها رفض العبث بمقتنياتها، وإذا رأى تنين انتهازي مثله أن المخاطرة أعظم من أن تُحتمل، فلن تكون إذن جديرة بالإقدام بالتأكيد.

بصق أنزاث من شدة غيظه وأجنحته ترتجف: "كان عليك أن تبدأ بهذا! لقد احتل هذان الاثنان أرضهما طوال المائتي عام الماضية. ما الذي يمكن أن يدفعهما للمغادرة تحت الشمس؟"

تمتم بذلك قبل أن يلتف فجأة نحو ابنه آمرأً: "ماذا تعرف أيضاً؟"

قال إيغناهْر بإجابة جافة وموزونة: "لا شيء. لقد اختفيا، وعجزنا عن تحديد وجهتهما."

أصابت الدهشة شارنها لدرجة لا تُصدق حين وجد أن شيئاً ضخماً كهذا يمكن أن يختفي ولا يترك خلفه سوى بقعة رمل مضطربة بغرابة على الشاطئ.

أطلق أنزاث زفيراً وخار تعبه بخيبة أمل: "أرى. هذا يزيد الأمر تعقيداً. يجب أن أحدث أمك في هذا الشأن."

قال إيغناهْر وهو يحني رأسه قبل أن يستدير للمغادرة: "نعم، بالطبع. وداعاً يا أبتي."

قال أنزاث تماماً حين فرد إيغناهْر أجنحته: "...انتظر. لنتحدث قليلاً بعد. لم جئت لرؤيتي؟"

توقف إيغناهْر، إذ لم يتوقع أن يُستوقف.

"...ظننت أنك ستود معرفة الأخبار التي حملتها."

نفخ أنزاث بتهكم: "أرجوك. نعلم كتلانا أن هذه ليست الحقيقة الكاملة. ثمة شيء آخر أردت إخباري به أليس كذلك؟"

طوى إيغناهْر أجنحته ببطء، لكنه عجز تماماً عن مواجهة أبيه. حتى إن حلقه رفض العمل، كأنما عصره طوق من العار.

تابع أنزاث حين لاحظ عدم تلقيه رداً: "إن كان الأمر يخص هوروب، فلدي نصيحة لك: انسحب."

تجمد إيغناهْر، وسقط فك التنين الأحمر منثوراً.

"أنسحب... ماذا بالضبط؟"

قال أنزاث وهو ينفض جفنيه الثالثين بازدراء: "أنت تعلم ما أعنيه. أعلم أنني علمتك ألا تنسحب أبداً، لكن ثمة ما يجب قوله. لقد عشت سبعاً وسبعين سنة الآن، فماذا حققت حقاً؟ دعك من البيض، فأنت عاجز حتى عن الانتظار على متقاعد مكسور الجناح!"

لوّح أبوه بمخلب أمامي منفرج في وجه إيغناهْر، فلم يسع الأخير إلا أن يشعر فجأة بحالة الرثاثة التي يعاني منها.

"وانظر إلى حالك: جلدك بالكاد أحمر وقشورك فوضى عارمة. كيف طاوعك نفسك أن تتدنى إلى هذه الحالة المخزية؟"

دفع إيغناهْر عن نفسه بضعف: "...لقد كنت مشغولاً بالتدريب."

صاح أنزاث منقضاً على النقطة: "بالضبط! أنت تتدرب وتتدرب، لكن بوسع أي شخص أن يرى أنك لن تفوز أبداً، فلماذا تقاتل إذن؟"

ربما كان السبب الأحداث الأخيرة، أو ربما مجرد النسيم الذي أسقط الشجرة، لكن إيغناهْر انكسر في تلك اللحظة.

زأر، معتصراً عقوداً من الإحباط والغضب في كل كلمة: "كيف لك أن تفهم، وكل ما فعلته هو الانتظار الفوز؟! أتدري كيف يكون الأمر حين يدرك كل شخص التقيه كم أنا مخيب للآامال؟ أتدري كيف يُدمر حياتك النصر الحقيقي الأول الذي تختبره منذ أكثر من عقد؟ لا يمكنك، أليس كذلك؟"

راح إيغناهْر يهذي وصدره يعلو ويهبط مع كل جملة.

قال أنزاث كأن إيغناهْر لم يزأر في وجهه: "...لا علاقة لفهمي بخياراتك. أجب عن سؤالي: لماذا تقاتل؟"

لم يرد التنين الأحمر الصدئ فوراً، إذ لم يمتلك إجابة. لبرهة من الزمن اكتفى باللهاث بينما صفير الرياح يدوي في جانب الجبل.

أجاب عن السؤال بأبسط ما يمكن: "أريد أن أفوز."

حدق أنزاث فحسب، ولم يبدِ أي إشارة تدل على رضاه أو عدم رضاه عن هذه الإجابة.

"وكيف ستفعل ذلك؟ لم تفوز قط."

"في آخر قتال خضناه، كسر هوروب جناحه. لا أعرف مكانه، لكنني متأكد من أنه سيكون عند الهضبة. سأتحداه هناك في قتال مميت سيقبله حتماً. وبوجود مئات الشهود، لن يستطيع أحد التشكيك بقوتي."

رفع إيغناهْر مخبلاً أمامياً مستقراً بنظره على أطراف مخالبه: "شخص ملعون مثلي لن ينال احترام الآخرين أبداً... لقد عرفت ذلك منذ زمن طويل. ورغم ذلك، يجب أن أعل فعل هذا. بغض النظر عن أي شيء آخر، يجب أن أفوز على من لم استطع هزيمته قط."

قال أنزاث، وأسرع مما استطاع إيغناهْر تفاديه، لطمه في وجهه. أطلق إيغناهْر فحيحاً متألماً من الضربة، رغم أنها لم تخلف إصابة حقيقية.

"هس... ماذا تفعل...؟"

نفخ أنزاث باحتقار: "مثير للشفقة. أن يفكر ابن لي بالقدوم لتوديعي قبل تحدي خصم ضعيف مرتين."

توقف أبوه برهة، ثم سحب جفنيه الثالثين فوق عينيه.

وأمر: "قاتلني."

تلعثم إيغناهْر ولا يزال عقله يتعافى من الصدمة: "ماذا؟ لكن لعنتي—"

هز أبوه منخره: "لن تهم طالما أننا لا نسفك الدماء. علاوة على ذلك، أنا أقوى من هوروب. إن كانت لعنتك عاجزة عن قتله، فلن تستطيع قتلي. لا تقلق. لن أتركك بإصابات تعجز عن الشفاء في الأيام الستة التي تسبق الانقلاب الصيفي."

تردد إيغناهْر. لم يلمس أي جدوى من مباراة النزال هذه، لكن النظرة في عيني أبيه أخبرته بأنه لن يقبل الرفض. أومأ برأسه.

"أهذا أفضل ما لديك؟"

زأر أنزاث بينما تراجع إيغناهر مترنحاً.

"ما بال تدريبك كله؟ كيف تأمل أن تهزم أحداً بهذه الحال؟"

هز إيغناهر رأسه ونفض عنه الألم. استعاد ارتفاعه المفقود ببضع ضربات جناح متعبة ليواجه أباه من جديد. كانا قد تبادلا الضربات ثلاث مرات بالفعل، وخرج إيغناهر خاسراً في كل مرة بلا استثناء. لم يستعمل أي منهما مخالبه أو أسنانه، لكن الضربة تظل ضربة، وأدرك أن الأمر سيتطلب أيّاماً لتندمل الكدمات التي تراكمت لديه. هجم أبوه عليه مرة أخرى، مخادعاً من جديد — لكن إيغناهر كان مستعداً هذه المرة، ونجح في الرد بضربة من عنده بينما تصدى للتي تلقاها.

"جيد!"

نبح أنزاث، حتى وهو يُقذف بعيداً.

"مرة أخرى! قاتل كأن الهزيمة تعني الموت!"

أتما تبادلاً آخر، وجاءت نتيجته مطابقة للثلاثة الأولى.

"أرى لما لا تنتصر أبداً،"

زأر أنزاث فوق الرياح.

"تنتفض من أدنى احتمال للألم! في المعركة، يقود تردد كهذا إلى الهزيمة! أعلم أنني علمتك هذا من قبل، فلماذا تفعل ذلك الآن؟ ممَّ تخاف إلى هذا الحد؟"

أطلق إيغناهر زمجرة، واشتعل الغضب في جوهره. خاطر في التبادل التالي، لاوياً جسده بينما تجاوز مداه، ونجح في تسديد ضربة قوية في أبيه. لكن ذلك لم يكن بلا ثمن — أمسك أنزاث بمخالبه الأمامية ودار. في طرفة عين قلب إيغناهر بطريقة ما وغرس مخالبه في عنقه.

"أنت خاسر،"

قال أنزاث، ولم يملك إيغناهر إلا أن يغمغم موافقاً قبل أن يضطر للافتراق، مخافة أن يسقطا بعيداً جداً من السماء.

"يبدو أن كل تلك الهزائم قد غيّرتك؛ لم تكن بهذه الخفة في المرة الأخيرة التي تدربنا فيها،"

صرّح أنزاث وهما يعودان إلى الأرض.

"حين سددت ضربة إليّ، ماذا فعلت بشكل مختلف؟ بماذا شعرت؟"

عقد إيغناهر حاجبيه، مربوكاً بسؤال أبيه الغريب.

اعترف قائلاً: "كنت... غاضباً".

"في المرة الأخيرة التي قاتلت فيها هوروم، قلت إنك كدت تنتصر. لماذا؟"

أجاب إيغناهر بثقة: "كنت أكثر عدوانية من ذي قبل".

كان قد تأمل ذلك السؤال بنفسه لأيام عديدة أثناء تعافيه، وتأكد من أن تلك هي الإجابة.

"نعم، كنت عدوانياً لأنك غضبت، أليس كذلك؟ يجعلك الغضب متهوراً وغير متوقع، ولكنه يجعلك مهملاً أيضاً — وسهل الصد،"

قال، مشيراً بوضوح إلى المخالب التي وضعت لتوها على عنق ابنه.

استدار ليواجه ابنه بتعبير حاد وقال: "لم أكن قوياً هكذا طوال الوقت. إما أن تتغلب على خوفك أو تسيطر على غضبك. إن استطعت فعل ذلك، فقد تتمكن من الانتصار".

"ما الذي...؟"

"اسمع جيداً أيها الغلام: ثمة طرق كثيرة للانتصار، لكن إتقان النفس هو ما يفصل الأقوياء عن الضعفاء — وهو أمر لم تتعلمه بوضوح بعد".

توقف أبوه، كأنه غير متأكد مما سيقوله بعد ذلك.

"إيغناهر. إن كنت ترغب حقاً في الانتصار، فلن أمنعك، لكن اسأل نفسك هذا؛ ممَّ تخاف إلى هذا الحد؟"

لم يملك إيغناهر إلا أن يراقب بينما طار أنزاث مبتعداً، وسؤال أبيه الأخير يتردد صدى في عقله. نظر إلى مخلبه الأمامي المرفوع، مقبوضاً بإحكام لئلا يُرى وهو يرتجف.

"أنت رقيق جداً،"

وبخت إيغansa بينما هبط أنزاث على سفح الجبل.

"لم عذبت نفسك مع ذلك بالأصل؟"

"رغم أنه مثير للشفقة، فإنه ما زال يسعى للانتصار،"

أوضح أنزاث وهو يطوي جناحيه على ظهره.

"لا يمكنني إنكار مثابرته، وسواء أخفق أم لا، فهو لا يزال ابناً لنا".

"يا للأسف،"

أطلقت إيغansa خواراً وهي تهز رأسها.

"إن كنت تريد مساعدته حقاً لما كان عليك أن تلين معه — الدلال لم يساعد أحداً قط على بسط جناحيه".

أصدر أنزاث صوتاً عميقاً وهو يميل رأسه، فانبسطت أشواكه.

اعترف قائلاً: "إنه لأمر مدهش، لكنني... بالكاد كففت نفسي".

"ماذا؟ لابد أنك تمازحني!"

صاحت إيغansa.

"أمامه طريق طويل لتقطعه قبل أن يستطيع هزيمتي بالطبع،"

قال أنزاث، مسختاً بافتخار.

"لكنه كان أقوى بكثير مما توقعت. لابد أنه نما طوال السنين أثناء قتاله لهوروم، حتى وإن لم يدرك ذلك".

عقدت إيغansa حاجبيهها بينما أوضح شريكها موقفها.

"إن كنت تقول ذلك... فكيف كانت ردة فعلك عندما أخبرته بذلك؟"

"لم أعلِق. إن لم يستطع إيجاد عزيمته دون موافقتي فلا ينبغي له خوض معارك حتى الموت من الأساس،"

تنهد أنزاث، ونظر إلى النقطة المتلاشية التي كانت ابنه.

"لقد فعلت ما بوسعي. وسواء انتصر أو خسر الآن فالأمر يعود إليه وحده تماماً".

"حسناً، على الأقل أنت محق بشأن أمر ما،"

قالت إيغansa بمرح.

"كنت قلقة من أنك فقدت بريقك لبرهة".

"نعم، مضحك للغاية،"

خوار أنزاث.

"بالمناسبة، لم يأتي لطلب المساعدة كما ظننت".

"أحقاً؟"

سالت إيغansa، رامشة بدهشة.

"لا، بل جلب لنا معلومات ممتعة للغاية — قد أضطر لإخبار فوساي-ǂ بهذا..."