مرّت خمسون سنة منذ أن صعدت راقصة اللولب إلى السماوات بعد أن أتمّت رقصة الرعد فيها، ومرّت خمس أربعون سنة منذ أن ألغى قاضم السماء العالم في طريقه إلى خارجه، ومرّت عشرون سنة منذ أن تنفّس يوان للمرّة الأولى. عقدان من العرق والكفاح، لينتهي به المطاف مدفوناً في قاع خندق في مكان مجهول. لقد حفر قاتله قبراً له على الأقل، قبل أن يتلو عليه وعلى فريقه صلوات الطقوس الأخيرة.
يا له من عالم عاشوا فيه. كان القتلة يقيمون الجنازات لضحاياهم كي لا يعودوا لمطاردتهم أشباحاً جائعة. أكان يوان يودّ العودة؟ ظلّ هذا السؤال يتردد في ذهنه وهو يواجه الظلام بين الحياة والموت. أراد جزء منه الانتقام لرفاقه الساقطين، والوفاء بلعنته الأخيرة في مطاردة قاتله. إن حشد ما يكفي من قوة الإرادة، فقد يصمد شبحه على الرغم من الصلوات. بمن كان يختلق الأعذار؟ ميتاً كان أم غير ميت، سيظلّ حثالة.
تقبل يوان حدوده في اليوم الذي علم فيه أنه واحد من الكثيرين المولودين بلا إمكانية لتكوين نواة تشي. لم يكن الأمر غريباً. فنصف سكان العالم كانوا حثالة يعملون حتى الهزال في خدمة المزارعين. ومن خدم طائفة جيداً وأرضى شيوخها ربما تلقى حبة روح نقية تسمح له بتكوين نواة. امتلك يوان ذلك الأمل حين كان يعمل لدى جلود الحجارة، قبل أن يدرك مدى ضآلة آماله حقاً. كانت الطائفة تستخدم حبوبها النادرة غالباً لمساعدة تلامذة الدائرة الثانية على الارتقاء إلى الثالثة.
فلمَ يضيعونها على فتى لم يستطع الزراعة من تلقاء نفسه أصلاً؟ لم يكن الشيوخ يرفعون الحثالة إلا عندما تودي هجمات وحوش الروح العرضية أو غارات قطاع الطرق بحياة عدد كبير من التلامذة. وفي المرة الوحيدة التي حدث فيها ذلك لطائفة كان يوان يعمل لديها، اختار شيوخها الأطفال المحليين بدلاً منه. أصبح المزارعون أفضل كلما تدربوا في سن أصغر، وكان يوان يقترب من العشرين. لقد قال الشيوخ إنه أكبر من أن يُدرَّب.
أكبر من اللازم. على الأقل، سمح له البقاء في تلك الطائفة بلقاء مينغشيا وجاو-لونغ. لذا، أصبح ساعياً بدلاً من ذلك. أمضى سنوات وهو ينقل الطرود عبر الأرض الخراب، على أمل جمع ما يكفي من أموال يوماً لشراء حبة أو ليلفت انتباه شيخ ما. حينها كان ليُظهر للعالم طينته الحقيقية. انتهى حلمه كالكثير غيره: بلا تحقيق. أهذه هي اللاهناية؟ تأمل يوان. بالكاد استطاع شعور أطرافه. لقد صمت نبض قلبه، وسكنت ريح رئتيه.
انجرف عقله إلى الأسفل في ظلام دامس. يبدو الأمر هادئاً تقريباً. وصف أولئك الذين عادوا من الموت قبل التقمص اللاهناية بوصفها فراغاً يسقط فيه الموتى حتى يبلغوا ذواتهم الجديدة. وأولئك الذين ارتكبوا خطايا عظيمة عانوا في جلود بالية. لعل يوان ارتكب جريمة في حياة سابقة ليولد حثالة. وكل ما أمله هو أن يتقمص في صورة مزارع. كانت تلك أمنيته الأخلص. لقد سئم من كونه ضعيفاً. وذلك الرجل الملثم...
ماذا كان ليبذل ليردي ذلك اللقيط قتيلاً... كرس يوان نصف حياته لفن الرماية، لينتهي الأمر باستهزاء فنه. لقد التقطه حين بدأت مواقف الدائرتين الأولى والثانية تستنزف أعصابه في طائفة جلود الحجارة، ولا سيما الأولى منها. لم يزعج يوان شيء قدر الفتيان والفتيات الذين يكبرونه بسنوات ويحتقرونه. ظنوا أن افتقاره إلى النواة يعني عجزه عن قتلهم. وكان معظمهم مخطئين أيضاً. لقد قتل يوان قطاع طرق من الدائرتين الأولى والثانية في الماضي.
كانت جلودهم لا تزال طرية في تلك المرحلة، وقليل منهم استطاع تفادي قذيفة من مسافة قريبة. لقد منحت الأسلحة يوان ما اشتاقه دائماً: القوة. قوة ضئيلة، لكنها قوة على أي حال. لو وُجدت رصاصات قادرة على اختراق الخالدين... لو امتلك واحدة، لتعقب يوان ذلك القاطع عبر العالم غير المصنوع بأكمله وغرس ثلاث رصاصات في جمجمته؛ واحدة لجاو-لونغ، وأخرى لمينغشيا، والأخيرة ليوان نفسه. حطّم نبض معدني السكينة.
كان الضوضاء المفاجئ كافياً لإيقاظ يوان من سباته. ركّز على مصدر الصوت المفاجئ، وضبط عقله على تردده. نظر داخل نفسه، إلى قطعة معدنية باردة مغروسة فيه. الرصاصة. استطاع يوان استشعار الرصاصة التي أردته قتيلاً في عمق لحمه. نواة من الرصاص والصلب في غلاف من اللحم والعظم. نبضت كالقلب. بالحياة. ماذا كان يحدث؟ ركّز يوان أكثر على الرصاصة واستشعار إشعاعها للقوة. تدفقت موجة من الطاقة منها.
حملت رائحة البارود اللاذعة، ممزوجة برائحة الزيت المعدنية ورائحة السلاح المطلق المحترقة. أعجب يوان بذلك. أهذه... تشي؟ لم يمارس يوان التشي قط. ولم يستطع أي حثالة استشعارها أبداً. ولم يتذكر أي مزارع ذكر أنها تنبعث برائحة الأسلحة النارية كذلك. ومع ذلك، كان من المفترض أن تأتي بأشكال مختلفة عديدة. أياً كانت تلك الطاقة، شعر يوان بانتشارها في جسده. بدأ يستشعر أطرافه وهي تلبي أفكاره مرة أخرى.
تدفقت موجة دفء في عروقه. تعرّف عليها يوان فوراً. نبض الحياة. اغتنم يوان فرصته وركّز على الرصاصة. وكلما فعل، زاد علمه بها، وقوي نبض حديدها والموجات التي أرسلتها. ملأت لحمه، وقوّته، وعززته. تحركت أصابحه الخدرة قليلاً. رأى ضوءاً في نهاية فوهة. لحق بهذا الإطار العابر بكل ما أوتي من قوة. ثم رأى وحشاً على الجانب الآخر. لمس يوان لمحة عن مسخ بشع من لحم ومعظم مشوه. شابه شكله باهتاً محاكاة مروعة ومشوهة لشكل بشري، دوامة من عظام متفحمة وأوتار مندمجة مع فوهات صلب بارزة من ظهره كأطراف عنكبوت.
وانتهت ذراعاه بمدافع ضخمة تنفث الدخان وأبخرة دميمة. سدّ الطريق المؤدي إلى العودة للضوء. تخلخلت إرادة يوان لفترة وجيزة. أياً كان ذلك الكيان، فقد استطاع شعور قوته الخانقة. لقد قزم خبث قاتل يوان نفسه. لكن بين يقين الموت وإمكانية حياة جديدة، عرف يوان أيّ الطريقين يأخذ. انطلق وراء الضوء بلا خوف، مستعداً للوقوف في وجه ذلك الشطان إن لزم الأمر. فتح المسخ فمه، كاشفاً عن فكين تعجّ أسنانهما بقذائف أسلحة.
قال بصوت عالٍ كدويّ طلقة: "اقتلني إن استطعت".
ترددت طلقة داخل جمجمته، وانطلق يوان غوانغ عائداً إلى الحياة. انفجرت رأسه خارج الخندق الضحل مع معظم صدره، باعثة بالتراب يتطاير في كل اتجاه. لفت رئتاه الهواء، لكنه حين زفر، كانت أنفاسه تفوح برائحة بارود الأسلحة. لمعت حلقة الكوكب بضوء أزرق ساطع في بحر أصفر. لقد صار نهاراً مجدداً. كم لبث نائماً في هذا القبر؟ وكيف نجا أصلاً؟ المخلوق... أين كان ذلك المخلوق؟ لم يستطيع التركيز على أي شيء مع صداعه الفظيع.
تحركت يد يوان غريزياً نحو جبهته، فلم يلمس سوى رقعة معدنية في منتصف جلده. كانت الرصاصة مغروسة في جمجمته، تاجاً من حديد تحيط به عروق من الرصاص. نبضت بقوة أكبر من نبض قلبه. ما... ما معنى هذا؟ أحرّر المزارع الذي هاجمه رصاصته؟ أم عاد يوان شبحاً جائعاً بطريقة ما؟ أخرجه صوت دراجة نارية قادمة من خلفه من أفكاره. استدار يوان غريزياً برأسه، في الوقت المناسب تماماً ليرى سائق دراجة يأتي من خلف خندقه ويتوقف إلى جانبه.
كانت الدراجة من أغرب ما رأى قط؛ عملاقاً ثقيلاً من الصلب بعجلات من نار بلا دخان. ولم يكن راكبها أقل منها رهبة؛ نوع من قطاع الطرق يرتدي عباءة سوداء ثقيلة، وبخاخات، وقفازات سميكة، مع حبل مشنقة محلقاً كوشاح. ارتدى خوذة مصممة على شكل جمجمة بيضاء، وقبعة مستديرة فوقها. لم يستطع يوان رؤية عينيه خلف عدساتها السوداء، مع أنه كان أكثر قلقاً بشأن المسدسات المعلقة على حزام الرجل.
للحظة، خشي يوان أن يكون هذا القادم الجديد أحد قطاع الطرق الذين هاجموه. وبدلاً من إعادته إلى نومه الترابي، خفض الغريب رأسه وأمال قبعته.
قال بصوت عميق مدوٍ: "استيقظ أيها الروح المسلحة. ابن السلاح لا ينتمي إلى خندق".
مد يده إلى يوان الذي حدق بها بشك وحيرة.
سأل الغريب: "من أنت؟"
"مسدس. روح مسلحة مثلك. رجل على طريق السلاح".
لم يكن لكلامه أي معنى، لكن يوان لم يستشعر منه أي عداء.
"كافأ السلاح تفانيك في الانتقام والأسلحة النارية بنصف حياة. اعتزّ بها. فلن تحصل على ثانية".
السلاح؟ أكان يعني ذلك المخلوق الذي رآه يوان في اللاهناية؟ لم تحمل كلمات راكب الدراجة معنى كبيراً، لكن يوان فهم زبدتها على الأقل. لقد أعاده شيء ما من بين الموت.
حدّث يوان نفسه وهو يأخذ يد مسدس: "نصف حياة تظل حياة".
قال مسدس وهو يجره خارج الخندق: "الآن أنت تفهم. مبروك بالمناسبة. لقد شغلت الدائرة الأولى واجتزتها للتو".
"الدائرة الأولى؟"
إما أن الرجل كان مخطئاً أو أن العالم قد جُنّ أثناء نوم يوان.
"لا يمكن أن أكون قد تجاوزت الدائرة الأولى. أنا حثالة، وليس لدي نواة".
"نواة؟"
ضحك مسدس وأشار إلى الرصاصة المغروسة في وجه يوان.
قال راكب الدراجة: "تلك هي نواتك يا صديقي، مصدر كل مشاكلك وحلها".