بدا لألسير للوهلة الأولى أن وصف المهارة لم يكن... مفيداً البتّة.
حاول التحقق ممّا إذا كان بإمكان توسيع الإشعار أو توضيحه، لكن لم يُقدَّم له شيء إضافي، ولا حتى ما يُسمى "الترنيمة"
التي أتى الوصف على ذكرها. حسنًا، إنها لا تزال مهارة سلاح. من المفترض أن أتمكن بمجرد إتشاحي بسيف ودخولي في القتال من إدراك كنه فعلها. ولما لم يكن ثمة ما يمكنه جينه من قراءة شاشة الحالة، أنهى ألسير الجلسة مبكراً. أومأت العرافة برأسها. نهضت عن مقعدها برشاقة وغادرت، وبدت غير آبهة بجراحها قط. وتبعها حراسها بجمود، وبدت عليهم جلياً آثار الغضب من ألسير. عمّ صمت محرج حين أطبقا الباب خلفهما، ليتركاه وحيداً مع لينور.
قال: "أعتذر عن هذا، فلم أكن مستعداً لـ... حسنًا، لما حدث".
سألته: "إنه إيقاظ لغز، أليس كذلك؟".
وحين رمقها ألسير بنظرة متسائلة، هزّت كتفيها.
"حدث لي أمر شبيه بهذا من قبل. وبناءً على ردّ فعلِك، أُخمّن أنه مسار العنف؟".
لم يرى طائلاً من الإخفاء. بدت لينور مطلعة على الأمر، وستنسى أي شيء يقوله بحلول الحلقة الزمنية التالية على أي حال.
"منحني لغزي طفرة مهارة".
طرفلت عيناها.
"هذه مكافأة شائعة نسبياً للألغاز ذات الفعالية العالية. أهي لمرحلة الموقظ؟".
تردد لحظة، ثم عزم على الإجابة بصدق.
"الطامح".
اتسعت عيناها قليلاً. وبعد ثوانٍ، أطلقت زفرة يشوبها القليل من الحماس.
"إذن، إنها طفرة من رتبة ملحمية. هذا يدعو للاحتفال. مبارك لك".
قال: "أودّ تجربتها الآن إن أمكن. فوصف المهارة ترك الكثير ممّا يُشتهى".
"يحدث ذلك غالباً وبشكل مفاجئ مع الرتب الأعلى".
فكرت للحظة.
"يملك وزير البلدة غرفة تدريب مدرعة في قصره. يمكننا استعارتها لساعة لنجربها بلا متفرجين أو خطر وقوع أضرار جانبية. سأبارزك".
أثر عرضها في نفسها.
"ألا ترغبين في العودة إلى الحانة للنوم؟".
"إنها ساعة فحسب. وهذا أكثر إثارة".
توقفت برهة.
"إلّا إن كنت ترغب في إبقائها سراً؟ سأتفهم إن لم تشأ أن أراها".
هزّ رأسه نفياً.
"لا، لا باس. لا جدوى تذكر من إخفائها على أي حال".
لقد حلت المهارة الجديدة محل مهارة انضباط السيوف خاصته، لذا فما لم يتخلى عن استخدام السيف كلياً، فلن يكون بمكانه التنكر للقدرة بوصفها شيئاً ثانوياً بمجرد دخوله القتال. كانت لينور مقاتلة من رتبة أستاذ ومن أهل المعرفة الواسعة بالمهارات. وستشكل شريكة مبارزة ممتازة. ولم يكن ليسمح لهذه الفرصة أن تضيع هباءً. بعد لحظات، كانا في غرفة تحصنت جدرانها بالصلب واكتست أرضيتها بالرمل.
وتناثرت على أرجائها آثار الضربات والحروق المتغيرة اللون.
قالت لينور وهي تزن رمحاً طويلاً خاصاً بالتدريب: "هذا المكان مُشَيَّد ليصمد حتى في وجه الفنون والمهارات عالية المستوى. خذ راحتك في إطلاق العنان لنفسك، فسأكون بخير".
"إن أصررتِ".
عبس، وهو يلوح بسيف التدريب عبثاً.
"أنا فقط... أحتاج لحظة؟ أشعر بغرابة".
طمأنته لينور قائلة: "طفرات المهارات عادة ما تكون هكذا. فالتحول المفاجئ في الذاكرة العضلية والذهنية يظل صعب التأقلم دائماً. ويزداد الأمر سوءاً في المستويات العليا أو إن كان الارتقاء في الرتبة كبيراً".
"أرى ذلك".
تردد.
"ذكرت المهارة ترنيمة. وطلبت منّي الإنشاد".
بدت لينور مسرورة.
"تعويذة. تلك إشارة جيدة للغاية. تعني أن لمهارتك جذوراً في السيادة. عليك تجربتها الآن".
أجفل ألسير.
"لا فكرة لدي البتة عن ماهية الترنيمة. فوصف المهارة لم يخبرني بها".
"آه. هذا مؤسف".
انقلب تعبير لينور إلى التدبر.
"لقد سمعت بمثل هذه الحالات من قبل. فاحتمال تلقي أحدهم مهارة عشوائية من نمط التعويذات من عوالم أخرى نادرة جداً. والحل عادة هو السفر إلى العالم الذي نشأت فيه المهارة لمعرفة تاريخها هناك".
"هذا... ليس خياراً متاحاً حقاً في الوقت الحالي".
"نعم، نعم، أعلم. كنت سأصل إلى تلك النقطة. قد يساعد استشارة مكتبة أكاديمية بشأن أسطورة المهارة أو تاريخها. وإلا، فقد يعرف شاعر جوّال يجوب عوالم المائة الكلمات الدقيقة لإطلاق العنان للقوة الكاملة للمهارة".
أجفل متأوهاً. شاعر... رائع حقاً. كان هذا يزداد سوءاً وسوءاً دقيقة بعد دقيقة.
فهو يعرف شاعراً، وفي الواقع، فإن هذا "الشاعر"
ينزل حالياً في حانة لا تبعد سوى أقل من ساعة ويروي حكايات زائفة عن مآثر ألسير. والمشكلة أن مقاربتهم في أمر بهذه الأهمية أمر غير مستحب البتة، بطرق مزعجة وربما قاتلة. أحالفه الحظ السيئ حقاً مع طفرته لينتهي به المطاف بمهارة مشلولة؟
حاول الاستفسار: "أترنيمة مهمة إلى هذا الحد حقاً؟".
أجابت لينور بلا تردد: "نعم. فمهارات الرتب العليا ليست مجرد مهارات كامنة بسيطة. ويقول البعض إنها تُدعى بالرتب 'الملحمية' أو 'الأسطورية' تحديداً لأنها تحمل في طياتها شظية من سيادة حكايات غابرة. لذا فتاريخها مهم لوظيفتها. يمكنها العمل بلا ترنيمتها بالطبع، لكن التعويذة ترتقي بها إلى شيء... أكبر. شيء جدير برتبة 'الملحمي' أو 'الأسطوري'، لا لمجرد قدرة كامنة عادية كالمهارات الواقعة بين الرتب الشائعة، أو غير الشائعة، أو النادرة".
وما إن ظن أن حظه قد تغير، حتى أتاه بركلة أخيرة لتعكر صفو مزاجه. لاحظت لينور إحباطه الصامت فأطلقت ضحكة قصيرة.
"استرخ. فحتى بدون الترنيمة، تظل قوية للغاية. أاستخدمت الطفرة لترقية مهارة انضباط السيوف خاصتك؟".
أومأ.
"بدا الخيار الأفضل".
"وهو كذلك. استناداً إلى قراءة كرة التقييم التي أجريناها لك قبل أسابيع، فهي ليست مهارة مستواك الأعلى فحسب، بل هي مهارة سلاحك الأساسي أيضاً. يجب أن تشهد زيادة هائلة في قدراتك القتالية الآن".
كان ذلك مطمئناً بعض الشيء. تنهد ألسير ثم اعتدل في وقفته.
"لنبدأ".
تحرك، وتولّت ذاكرة عضلية غريبة توجيه جسده نحو وقفة مألوفة. رفعت لينور سلاحها رداً على ذلك. يجب أن أبقي توقعاتي منخفضة. متأكد من أنه لا شيء مميز. فما مدى قوة مهارة مشلولة على أي حال؟ رفع ألسير سيفه واندفع نحو لينور، متوقعاً تماماً خيبة أمل كاملة تجاه مهارته الأحدث.
بعد ثوانٍ، انهار غرف التدريب المعززة عليهما معاً إثر تحطم الجدران المدرعة تماماً بضربة واحدة "مكبحية"
من ألسير.
* * *
"سيكلفني الأمر قدراً لا بأس به من القطع المعدنية، لكن الوزير وافق على الصفح عنا بشأن الأضرار".
كان لدى ألسير من اللياقة ما يجعله يبدو خجلاً على الأقل.
"آسف. سأسدد التكلفة كاملاً، و—"
لوحت لينور بيدها.
"لا بأس. لقد كانت فكرتي".
ونظرت إليه بنظرة مزجت بين الاستشاطة والافتتان.
"مع أنني ما كنت لأوصي باستخدام الغرفة بالطبع لو علمت أنك كنت أستاذًا مسبقاً".
لقد انفضحت السر. سعّل ألسير بحياء.
"في الواقع، لم أظن أن الأمر سيشكل فارقاً كبيراً".
تنهدت لينور.
"هناك فارق شاسع بين مهارة رتبة ملحمية في شريحة النخبة الدُنيا وتلك التي في شريحة الأستاذ الدُنيا يا ألسير. لمستويات المهارة تأثير أكبر بكثير في المستويات العليا. كان يجب أن تعلم ذلك".
"كنت أعلم، لكنني... استخففت بالآثار".
كيف كان له أن يعلم؟ كانت هذه المرة الأولى التي يلوح فيها بمهارة من الرتبة الملحمية، وتلك التي تعززت فوراً إلى المستوى الحادي والستين فوق ذلك. شعر كفلاح جاهل مُنح فجأة القوة الكاملة غير المحرّفة لعاصفة رعدية، وهو أمر، لكي نكون منصفين، لم يكن بعيداً جداً عن الحقيقة. لم تُمحَ غرفة التدريب كلياً، لكن تلك الهجمة المنفردة غير المقيدة بسيف التدريب الخاص بألسير ألحقت بها أضراراً بالغة، فحطمت عارضة السقف ومزقت شقاً عمودياً ضخماً عبر الجدران المدرعة الأربعة للغرفة.
ولم يكن قد استخدم فناً بعد. بل كانت تلك ضربة مفردة من مهارة سيف. إلا أن لينور تبدو بخير تماماً. فقد تحطم رمحها التدريبي، لكنها تمكنت بطريقة ما من صرف القوة المعادلة لعاصفة عاتية بعيداً عنها دون أن ينفرط منها عرق واحد. كان ذلك دليلاً إضافياً على أن ما خفي منها أعظم، لكن ألسير كان مهتماً، وبسخرية القدر، بقواه أكثر من قواها في تلك اللحظة.
اقترحت لينور: "لننتجه إذن إلى الحقول خارج البلدة".
"لن نكون بمعزل عن الأعين، لكننا لن نضطر للقلق بشأن الأضرار المادية هناك على الأقل".
"لا زلت مستعدة لمساعدتي؟ كدت أقتلك".
"لا، لم تفعل".
ابتسمت بخفة، كأنها وجدت قوله محبباً.
"لا تقلق بشأن سلامتي. اليوم الذي تستطيع فيه قتلي أبعد بكثير مما تظن، إن أتى من الأساس".
زفر باهتمام.
"حسناً. سأحاسبك على ذلك. إذن لنتوجه إلى خارج البلدة".
لقد حان الوقت لترى ما يمكن للهارة فعله حقاً.
* * *
لا يمكن تسميتها بمبارزة حقاً. رغم استخدامهما فولاذًا حقيقياً لا أسلحة تدريب، فقد بدا جلياً أنهما كانا يكبحان جماح نفسيهما. كبح ألسير نفسه عن تفعيل فنونه، حتى حين طفق دمه العنيف يترنم ليفعل. وبالمثل، امتنعت لينور عن استخدام كامل مدى قدراتها لتتخذ من نفسها أداة لإبراز الأعماق الخفية لمهارته. تجمعت حشود على الأسوار، وراحت تتابع بدهشة اندماج الأستاذين في قتال على السهول الثلجية خارج البلدة.
وتسابق الحراس، والمرتزقة، وأصحاب المتاجر، والنبلاء الأدنى فيما بينهم للحصول على رؤية أفضل، وذابت العداوات بين الطبقات الاجتماعية أمام روعة ما تجلى أمامهم. تجاهل ألسير المتفرجي، مركزاً بالكامل على القوة الملهمة والغامضة لمهارته الأحدث. لقد كان مخطئاً تماماً: كانت رقصة السيف العاصفة قدرة مذهلة، حتى بلا ترنيمة. في شكلها الأساسي الحالي، كانت مهارة الرتبة الملحمية بمثابة قدرة كامنة تعزز براعته بالسيف، شبيهة في وظيفتها بما يفعله انضباط السيوف.
مع ذلك، بدت المقارنة بين الاثنين كفراً، فالأولى كانت هائلة الشأن لدرجة بدت معها المقارنة كمن يقارن الشمس بشمعة. ما حملت ضرباته وطعناته قط مثل هذه القوة، وما كانت حركة قدميه قط بمثل هذه الرشاقة. وإلى جانب القوة المُعززة، والسرعة، والدقة، تأثرت براعته بالسيف بأيدٍ خفية للمهارة؛ ذاكرة عضلية توجيهه لتنفيذ مناورات وتقنيات لم يحلم بها من قبل قط. لقد كان أسلوب سيف متسامياً بلا منازع.
وتلخص فن المهارة بأفضل شكل في الطريقة التي أجبرته على التحرك. قد يتصدى المبارز أو يحرف الضربات. وقد يعتمد الفارس عوضاً عن ذلك على القوة ووزن الأسلحة الأثقل. وفي كلتا الحالتين، يُفقد شيء ما؛ الدفاع على حساب الهجوم، والمرونة على حساب السرعة، وهكذا دواليك. لم يكن أي منهما أفضل أو أهم بدقة من الآخر، ولهذا سيتقن مبارز بارع أساليب سيوف مختلفة بحيث يحظى بالخيار الأفضل لكل سيناريو.
لكن رقصة السيف العاصفة لم تكن تملك مثل هذا الضعف. في جوهرها، كانت أسلوب سيف لا هوادة فيه بوحشية، بما يليق باسمها. فكل ضربة بدت عنيفة، وقوية، ومفاجئة. وفارت العدوانية تحت كل حركة له، فجعلتها سريعة ومحطمة. ومع ذلك، وحين هاجم ألسير، وهاجم، وهاجم، وجد نفسه بطريقة ما يحرف كل ضربة تقترب منه، وكأن كل تصدٍّ كان أثراً جانبياً لضربته السابقة، أو تمهيداً لهجومه التالي. لقد كان أمراً يحير الألباب.
فقد مُزج الدفاع بسلاسة بالغة في هجوم ساحق لدرجة أن ألسير نفسه، وهو من ينفذ أسلوب السيف، عجز عن رؤية أين يبدأ التصدّي وأين ينتهي الهجوم. ولم تُهدر أي حركة، ولم تُهدر أونسة من القوة دون أن تُعاد توجيهها وتُضاعف مجدداً نحو خصمه. ونفذ بعض أكثر تسلسلات الخداع، والمواجهة، والمبارزة تعقيداً التي رآها قط بجهد يكاد يقارب الشرود. فكان سيفه حاضراً ببساطة أينما ومتى احتاج إليه، وكان دائماً يضرب بحيوية شديدة الشراسة لدرجة أخفقت في منع لينور من التمايل أو الطيران للخف.
وحدها ببراعة أسلوب السيف المتقن، كان ألسير راضياً تماماً عن المهارة بالفعل. لكن في طيات عقله الباطن، ظل جشعه يذكره بأن رقصة السيف العاصفة لم تكتمل بعد. الترنيمة التي تستدعي العاصفة. كم ستكون المهارة أقوى فور إطلاقها؟ كان هذا سؤالاً يتوق للحصول على إجابة، ولكن، واأسفاه.
ففي الوقت الحالي، كان عليه الاكتفاء بمكاسبه "المحدودة".
كانت محاربة لينور تجربة ممتعة. سمحت المرأة لألسير بالهياج ضدها بملء قلبه، دون أن تتراجع قط أو تنحني تحت هجومه الذي لا يلين. وبدا الأمر كأن كل حركة قامت بها صُممت للمساعدة في استخراج القوة المدفونة لمهارته، فكشطت أي غرابة متبقية في وقفته ودفعت به إلى الأداء الأمثل. لقد كان أمراً غريباً. فلم يعرف ق قط شريك مبارزة أكثر... رعاية لرغبات شريكه. فكان ذلك الخضوع الذي لا تردد فيه والتفاني تجاه رغباته حميمياً تقريباً.
بعد ساعة، توقفا أخيراً. وفوجئ ألسير بوجود خيبة أمل تجتاح كيانه.
قالت لينور: "أظن أن هذا يكفي. خذ بعض الوقت لتستوعب ما تعلمته. سنتابع هذا حين نعود إلى المعقل غداً".
"أما زلت مستعدة لقضاء وقتك الثمين لتدريبي؟".
"لا يعدو الأمر كونه إهداراً. فأنت شخص مثير للاهتمام. آمل على الأقل أن أعرف كيف نميت بهذه القوة في فترة وجيزة كهذه. الانتقال من النخبة الدُنيا إلى الأستاذ الدُنيا في غضون شهر... وحين تنتشر أخبار هذا، أظن أنك ستغرق غالباً في الأسئلة، أو محاولات الاغتيال، أو عروض الزواج".
أطلق ألسير ضحكة قصيرة.
"بعض تلك الأمور أجيد التعامل معه أفضل من غيره".
ربما كان عليه إعداد عذر جيد حين يتسلل خارج البئر لاحقاً؛ وإلا، فلن تنتهي الأمور بشكل جيد بالنسبة له.