مسبك الغوبلين الفصل 73 — الوطن

اقرأ مسبك الغوبلين الفصل 73 — الوطن باللغة العربية على مانجا تايم.

وصل صوت سناكثوث عبر الجوقة، ليبلغ كل خيط في القاعة دفعة واحدة.

"أنا عائِد. عند المدخل."

شعر ماثيو بالارتجاح متحرراً حين عبر صوت سناكثوث في الجوقة، وتلاه بعد نبضة تنهد كل عفريت في القاعة بارتياح معه، فقد كان سناكثوث سالماً. كان فوس يتحرّك بالفعل، بكفّ مسطّحة على التراب حيث استقرّ المدخل مختوماً، مهموساً بشيء أخفت من أن تسمعه سوى الأرض. تحرّك التراب، فانفتح بطء، حبة حبة، حتى عاد المدخل للاتساع. عبر سناكثوث أولاً. عاد فوس فهمس، فانغلق التراب خلفه من جديد، بلا أثر، كأنه لم ينفتح قط.

ثم وضع الشيء العادي كي لا يُعثر على المدخل بسهولة. دخل إلى القاعة الرئيسة وتخلف فوس وراءه، وهنالك رآه الجميع حقاً. غطت آثار العض كلا الذراعين، بعمق جعل الجلد حولهما ينتفخ حمرة. وحملت الساقان مزيجاً من آثار المخالب والعض، مع دماء جافة تحجّرت داكنة على الجروح. وامتد جرح عبر خده الأيسر، وقد انطبقت حوافه يابسة بالفعل. غمرت طاقة الإيقان جسده كله، خضراء باهتة تحت الأوساخ، لا تشفيه، بل تمسك النزيف وحسب، وتبقي كل ما أبدة الرغبة في الانفتاح مغلقاً.

ما زال بحاجة إلى رعاية حقيقية. لم ينطق أحد بحرف في البداية. حدقت القاعة بأكملها وحسب، في ذات الصمت المذهول الذي تبعه في المرج حين هوى السيف العظيم على الأرض للمرة الأولى. تحركت عينا سناكثوث في أرجاء الغرفة، بحثاً، حتى تعثرت نظرته وتسمّرت.

"أين بران؟"

سأل. لم يجب أحد فوراً. تقدم غراك بدلاً من ذلك، ببطء، بتعمد، وبدا في وجهه ما قسا بالفعل قبل أن يفتح فاه.

"لقد مات،"

قال غراك. لم يتغير وجه سناكثوث في البداية. استغرق الأمر لحظة كي تستقر الكلمات في ذهنه.

"مات؟"

سأل.

"مات،"

أعاد غراك، جافاً هذه المرة. تحرك شيء خلف عيني غراك، وانقبضت يداه قبضتين إلى جنبيه.

"لقد استطلعت ذلك الطريق ثلاثة أيام،"

قال غراك.

"ثلاثة أيام. أخبرت الجميع أنه آمن."

"كان آمناً،"

قال سناكثوث.

"إذن كيف تظهر مجموعة من تلك الأشياء في منتصفه هكذا؟"

"لا أعرف،"

قال سناكثوث.

"ظهرت من العدم فحسب. في ثانية لا شيء، وفي الثانية التالية..."

لم يُمهل لينهي كلامه. قطع غراك المسافة بينهما بخطوتين وارتطم به، ليهويا معاً بقوة إلى الأرض الترابية، ومرفق غراك يثبّت على صدره. لم يقاتل سناكثوث. استلقى هناك وحسب، تاركاً الأمر يحدث، ذراعاه مرتخيتان إلى جنبيه كأنه قرر في مكان ما أثناء السقوط أنه يستحق هذا، وأن الخطأ خطؤه، وأنه كان عاجزاً.

"لقد فقدنا بران للتو،"

قال غراك، بصوت منخفض مرتعش، بلا أي حسم أو قطع بقا فيه على الإطلاق.

"وكل ما لديك هو لا أعرف؟"

"غراك..."

بدأ فيكار.

"أخبرتك،"

قال غراك، متجاوزاً إياه، وما زال يثبّت سناكثوث.

"أخبرتك أنت وبيب معاً. احتجنا إلى وقت أطول. رموز أكثر. كنتما تضغطان بلا توقف. الوطن، الوطن، الوطن، كأنه سيختفي إن لم نصل إليه بالسرعة الكافية. امتلكنا كل وقت العالم!"

لم ينطق سناكثوث بشيء.

"هذا ذنبك،"

قال غراك.

"كليكما. ذهب بران لأنكما لم تستطيعا الانتظار."

"مهلاً."

اخترق صوت ماثيو الغرفة، حاداً بما يكفي ليدير رأس غراك حتى.

"توقف. توقف عن هذا فوراً."

عبر القاعة سريعاً ووضع يداً على كتف غراك، ساحباً، فترك غراك نفسه يُسحب، وهو ما بدا أسوء بطريقة ما لو أنه قاوم.

"أنا متأكد أن أياً منهما لم يرد شيئاً من هذا،"

قال ماثيو، متوسِطاً بينهما حين ابتعد غراك.

"أرادا البدء في البناء، وجعل هذا المكان وطناً حقيقياً وتثبيت مرساة التوافق، ومنح الجميع مزيداً من الأمان للمضي قدماً. هذا كل ما في الأمر. الحوادث تقع. لم يرد أحد هذا."

جاء صوت فيكار أهدأ، وأكثر ثباتاً.

"ما حدث، قد حدث،"

قال.

"لا يمكننا محوه بتحديد على من تقع المسؤولية."

تحرك فك غراك للحظة، كأن هناك ما هو أكثر خلف أسنانه يرغب في الخروج.

"ولكن مع ذلك،"

قال. ثم صمت. توقفت القاعة برمتها. أياً ما كان ما يفعله أحدهم قبل قليل، تنظيف جرح، أو الهمس لعفريت آخر، أو الجلوس والركبتان مضمومتان، كل ذلك توقف لحظة بدء الصياح، وبقي متوقفاً الآن في أعقابه. كان بعض العفاريت يبكون، في هداء، يمسحون وجوههم دون محاولة حقيقية لإخفاء قيامهم بذلك. انفصل بوناك وغور وتيب عن الطرف البعيد للقاعة وتحركوا نحو سناكثوث، راكعين لضغط اللعاب على جروحه دون أن يُطلب منهم.

بدأت الجروح تلتئم ببطء تحت أيديهم. وبقيت بيبل في مكانها، حبيسة صدمة أعمق من أن تتبعهم. نظر ماثيو حول الغرفة، إلى كل ما فيها، وأطلق نفساً.

"الجميع منهك،"

قال.

"جسدياً. عاطفياً. برمته."

ونظر نحو المدخل المختوم.

"حشى فوس المدخل بقوة تجعل الحفر فيه عسيراً. ومع وجود الشيء العادي هناك، لا أعظ أن شيئاً في الخارج يمكنه العثور عليه من الأساس."

"أريد من الجميع أن يستريحوا،"

قال ماثيو.

"أن يتعافوا. فقدنا أغلب لحمنا ومؤننا هناك، ولن يعود أي منا إلى الخارج للبحث عن المزيد، ليس وتلك الأشياء تزال تجوب الأرجاء."

"هرب عدد قليل منها،"

أضاف سناكثوث، جَالساً حيث تركه غراك، دون أن يكلف نفسه عناء النهوض بعد.

"لم نقضِ عليها كلها."

"إذن نبقى في الداخل،"

قال ماثيو.

"ببساطة هكذا."

عبر القاعة، بعد أن فرغ بوناك وغور وتيب من العناية بجروح سناكثوث، عادوا لتفقد ما عالجوه مسبقاً، متأكدين من صمود كل شيء.

"لا نملك طعاماً،"

قال ماثيو.

"ليس بالنوع الذي اعتدناه. في الوقت الحالي، على الجميع الاكتفاء بالتراب."

تردد أنين جماعي في أرجاء القاعة، كأنهم لم يمروا بما يكفي ليوم واحد. تبادل مهوسو التراب نظرة، غير واعين تماماً بما يدعو للتأوه. التراب كان جيداً.

"أعلم،"

قال ماثيو.

"أعلم. ليس مثالياً. لكنه ما نملكه."

مشت رين بجانبه حينها، حاملة شيئاً صغيراً بكلتا يديها، ومقدمة إياه.

"الماء لم يعد مشكلة،"

قالت. أخذه ماثيو. نبع بران لا ينضب، لا يزال دافئاً من راحتيها، صغيراً وعادي المظهر لشيء يحمل اسماً الآن. قلبه مرة واحدة، وطفى وصف في ذهنه بالطريقة التي تفعلها البصفات دائماً، إلا أن هذا أوقفه تماماً في مكانه. **نبع بران لا ينضب: ذات يوم، مُنح عفريت يدعى بران جرة. لم يملك شيئاً سواه في الدنيا. مكافأة، قُدّمت بعد أن أدى عملاً جيداً في جمع الندى، لا أكثر من ذلك. احتفظ بها رغم ذلك.

ليس لأنها تستحق الحفظ. بل لأنها تعنى أن أحداً فكر فيه من الأساس. في نهاية أيامه، بلا شيء يمنحه ومحتفظاً برغبته في أن يكون له شأن، أعاد الجرة إلى العفاريت الذين منحوه غاية، أمنية، نُطقت بساطة، بالطريقة التي تفعلها العفاريت عند الموت. ألا يشعر بالعطش أبداً من يحملها. تذكرت الجرة رغبتها في أن تكون ذات شأن. فقررت أن تكون. اشرب منها فتفرغ. ضعها أرضاً فلا تبقي فارغة طويلاً.

لم يقس أحد كم تحتمل، لكونها لم تجف لمرة واحدة. لكن اشرب منها بلا كلمة ثناء أولاً، بلا أدنى لحظة شكر، فتتذكر الجرة شيئاً آخر حمله بران، الوجع الصامت للشعور بأنه عبء. تتذمر. تجف لأيام، عنيدة وصامتة، قبل أن تغفر لمن نسي وتمتلئ من جديد. حدق ماثيو مطولاً قبل أن يجد صوته ثانية. التفت إلى رين، متوقعاً نصف توقع أن يجد على وجهها ذات الإعراب الذي ترتديه دوماً داخل المسبك حين يبرز شيء أمامهم.

لم يكن هناك شيء. كانت تنظر إلى الجرة وحسب، في انتظار أن يقول شيئاً.

"تمتلئ من جديد،"

قال، كأنما يحدث نفسه.

"كلما شُرِب منها. تعاود الامتلاء وحسب. لكنها تحتاج إلى كلمة شكر، قدح مديح، شيء ما وإلا فلن تفعل."

"أمنية بران،"

قالت رين ببساطة.

ثم، بأهدأ، تكاد تخاطب نفسها، "لم أشعر بذلك."

"المسبك؟"

سألت. أومأ ماثيو.

"لم أعلم أنه شعر بكل هذا النقص. ليس حتى اللحظة."

ونظر ملياً إلى الجرة مجدداً.

"ليس الإيقان وحده ما صنع هذا. إنه بران. وما تبقى منه ذهب فيها أيضاً. هذا السبب الوحيد الذي يجعلني أعلم."

وضع ماثيو الجرة بعناية قرب وسط الغرفة، كأنها تستحق مكاناً خاصاً بها الآن.

"ليسترح الجميع،"

قال مجدداً.

"بيبل، تيب، غور، بوناك وغراك أيضاً، إن كنتم قادرين فافعلوا ما بوسعكم لإخراج الناس من الألم كي يتمكنوا من النوم حقاً. لن نحل شيئاً الليلة. ليس هكذا."

لم يعترض أحد.

"الشيء الجيد الوحيد،"

قال ماثيو، بصوت أهدأ الآن، "هو أننا نجحنا. نحن حيث اخترنا أن نكون. غداً نبدأ في مرساة التوافق. الليلة، على الجميع فقط..."

لم ينهِ الجملة. لم يكن بحاجة لذلك. واحدة تلو الأخرى، استقرت القاعة، وتكور العفاريت حيث وُجد مساحة، وبعضهم لا يزال يبكي بخفوت، وأغلبهم أتعبهم الأمر لدرجة العجز حتى عن ذلك. استيقظ ماثيو في الصباح التالي على همس. كانت النبرة منخفضة ومستمرة، وتلك النوعية المُتودّدة التي يستخدمها مهووسو التراب عند العمل مع الأرض معاً. اعتدل جالساً ليجد نصف القاعة قد أعيد تشكيله عما كان عليه الليلة الماضية، الجدران مدفوعة إلى الوراء، مساحات جديدة تفتح حيث لم تكن هناك، بضع حنايا منحوتة بعمد، أراضٍ صُممت بوضوح ليجلس العفاريت فيها معاً ويتحدثوا.

عمل مهووسو التراب بلا انقطاع، والأكف مسطحة، والكلمات تتدحرج بينها، ويتوقف بعضهم بين الحين والآخر لأكل كفوف من التراب المحفور حديثاً. في مكان آخر من القاعة، جلس عفاريت آخرون في مجموعات صغيرة، يتحدثون، ويبدو على بعضهم الفراغ من اليوم السابق لكنهم يتحدثون على أي حال، لأن الجلوس في صمت حمل نوعاً من الثقل لا يود أحد تحمله لفترة أطول مما يجب. وجد ماثيو رين قرب إحدى الحنايا الجديدة وخطا محاذياً لها.

"تلك الجرة،"

قال.

"التقاليد وراءها. حدثيني عنها."

"هكذا نودع أحدهم،"

قالت رين.

"حين يموت عفريت، نصنع شيئاً. أو نجد شيئاً. شيئاً لنذكره به. يحمل أمنيته الأخيرة."

"هذا ليس مجرد تقليد،"

قال ماثيو، مستوعباً بصوت عالٍ.

"تلك هي نية الرنين. مجتمعة مع قليل من النية الكامنة، ربما، بما يكفي لجعل الأثر ثابتاً بدلاً من اضمحلاله."

هزت رين كتفيها، بحركة صغيرة صادقة.

"لا أعرف كيف يعمل الأمر حقاً،"

قالت.

"هذه المرة الأولى التي أقوده فيها. في الدار، كان الشيوخ هم من يفعلون ذلك الجزء دائماً. فعلتُ ما بدا صائباً فحسب."

اكتفى ماثيو بالإيماء ولم يضغط للمزيد. كان ألم فقدان بران لا يزال طازجاً، والسؤال عن الآلية الآن بدا كسؤال من النوع الخاطئ. ربما في مرحلة ما بالمستقبل. ومن مظهر وجه رين، أياً ما حدث، لم تمتلك الإجابة أيضاً. بمنتصف النهار، جمع ماثيو الجميع في أكبر المساحات الجديدة التي حفرها مهووسو التراب، غرفة مُعدّة على مقربة من القاعة الرئيسة، واسعة بالقدر الكافي ليجلس الاستيطان بأكمله كتفاً إلى كتف دون أن يقف أحد في النفق الخارجي مجهداً سمعه للاستماع.

تدفق العفاريت ببطء، والعديد من الجروح قشرت بالفعل، والجميع منهك من ليلة أمضاها أغلبتها في البكاء. وجدت بيب موضعاً قرب المقدمة، والذنب لا يزال راسخاً جلياً على وجهها. وقف غراك قرب الخلف، ذراعاه متصالبتان، ولا يكاد ينظر إلى سناكثوث، الذي اتخذ مكاناً على الجدار المقابل.

"أريد لهذا أن يكون مفتوحاً،"

قال ماثيو، بمجرد أن استقرت الغرفة.

"لا أريد أن أخبر الجميع بما يحدث تالياً. أريد أن أسمعه. ما ترونه جميعاً. كيف نمضي قدماً، معاً، من هنا."

لم ينطق أحد فوراً. نهضت رين ومشت إلى منتصف الغرفة، ضاغطة بأحجار الرنين الأربعة جانباً.

"ماتو، قبل أن نبدأ النقاش، لنبدأ أولاً بمرساة التوافق."

"أجل، كدت أنسى."

نظر ماثيو حوله للجميع.

"مثلما فعلنا أثناء الهرب. آمنوا بأن هذا سيكون بيتنا، وبأننا سنكون آمنين هنا. وألا يصاب أحد بأذى، أو يموت، مثل بران. وبأن هذا المكان يرحب بنا، يستوعبنا. هذا هو الوطن الآن. من الآن فصاعداً."