كنت أنساب هادئاً في أحد التيارات اللينة داخل بحر الأرواح. شعرت وكأنني أطارح الطيران الهوائي، أجرف كغيمة في مجرى ريح، ولا همّ في الدنيا يعكر صَفْوي. مرّ شيء ضخم يسبح في الأعماق أسفل مني، متفوقاً في سرعته على التيار الذي أحمل فيه. تمايل تيار الخاص للحظات في أعقابه، لكن الخلع لم يعرف إلى قلبي سبيلاً. لم يكن ذلك المخلوق الهائل في بحر الأرواح سوى حارس، يجوب الأرجاء بحثاً عما لا ينبغي وجوده هنا، وهو ما يعني ببساطة أي كائن ليس روحاً تنتظر دورها للولادة من جديد.
عجزت عن تقدير المدة التي أمضيتها ميتاً. فهذا شأن بحر الأرواح بكل من يحلّ به. كشعور الاستحمام بماء دافئ، وحين تغمض عينيك بينما تنحدر المياه فوق بشرتك، صانعة جداول وممرات، لتحجب العالم الخارجي تماماً. لحظة راحة قصيرة، تفصل بين حاتين، صُممت لتنخلك وتسكّن روعك لما سيأتي بعدها. قد لا أكون أعلم كم مضى على موتي، لكنني ظللت أتذكر حياتي القديمة. مت صغيراً نسبياً، قبيل انطلاق إلى الجامعة.
الابن الوحيد والأم والوالدين طيبين حانين. لم أعرف الحرمان يوماً وحظيت بالدلال طوال حياتي – أو حياتي السابقة، كما ذكّرت نفسي. لم أفتقد والدي، ومرجع ذلك أنهما كانا برفقتي في السيارة ساعة رحيلي. عزاء صغير، لكننا عبرنا معاً. حتى أننا حظينا ببعض الوقت معاً داخل بحر الأرواح. وقت لنتبادل الوداع. قلة فقط تنال تلك الفرصة وكنت ممتناً لها بعمق. كان والداي المتوفيان قد وُلدا من جديد بالفعل.
أين وكيف؟ فهذه أمور لا يُسمح لنا نحن الأرواح بمعرفتها. لا يمنح بحر الأرواح من أسراره سوى القدر الكافي لتهدئة قاطنيه. كل ما عرفته أنه حين يحين الأوان، سترتفع إلى السطح، وبعد تجاوز البحر، ستجد بيتاً جديداً. لم يكن تجاوز السطح أمراً هيناً. فالخروج من بحر الأرواح يعني أن تُفرك نظيفاً وتُعد من جديد. تُمحى الذكريات كافة، ويُمسح الشخصية بالكامل، كأنما غُسلت الروح بمبيض. حين يحل دوري، سيحدث لي الأمر ذاته.
من وجهة نظر، ربما خفت من ذلك؛ ومن وجهة أخرى، لن أكون واقياً بما حدث أصلاً، فلماذا القلق إذن؟ بغياب والداي اللذين أنسا وحدتي، أُجبرت على البحث عن أرواح أخرى لأحادثها. كثر ماتوا في معارك مروعة على عوالم لم أتخيل وجودها قط، وإن كان معظمهم قد قضى بسبب المرض أو الشيخوخة. بل إن البعض زعم أن عوالمهم تشبه ألعاب تقمص الأدوار التي تذكرتها من الأرض، بمهن وكل ما تمليه. تمنيت سراً أن أُبعث في عالم كهذا.
لكن الموتى لا يُخيرون. على الأقل، حسب علمي. لذا واصلت الانجراف، بلا هموم أو توتر. مرّ أثر الحارس بينما واصل دوريته. في لحظة كنت محاطاً بماء أزرق نقي، أستمتع بوقتي بين الحاتين، وفي اللحظة التالية، راح ظل جديد يعبر فوقي من دون أن يخلف أي اضطراب وراءه. ما كان ينبغي لهذا أن يكون ممكناً. حاولت جاداً الفرار من التيار، غير دائر بما يتربص فوقي، حين أطبقت الظلمة من كل جانب.
استبد بي الذعر حينها، وحاولت السباحة هارباً. لكن لم يكن هناك مفر. أحاط بي الفراغ، أسود أشد قتامة من أغمك ليال. غرست أصابع مخالبة في روحي فصرخت. تخبطت ذهاباً وإياباً بلا صمت، يملكني خوف عارم من أن يكون ما أطبق عليّ يقتلني. ألقيت بنفسي وسط الظلام، وتصاعد الهلع في صدري بينما لم تفعل هجماتي المجردة شيئاً. ذهبت صرخاتي طلباً للمغيث سدى وأنا ألتمس يائساً طريقاً للنجاة من هذا الهول.
واصلت يداي حفر الظلام، وبدت قوتهما الضئيلة مسببة لمتعة الوحش بينما مزقت مخالبه كياني مجدداً. وحين باءت محاولاتي بالفشل المتواصل، توسلت، مسترحماً من أجل حياتي. ذهبت نداءاتي أدراج الرياح، بينما كانت أسنان تقرضني ببرود، متأنية كقط يعبث بفريسته. أدركت ماهيته حينها، حتى قبل أن أسمع قهقهة صوته تتردد في رأسي. شيطان. كنت أُلتهم من قبل شيطان. شيطان تجرأ وتسلل إلى بحر الأرواح.
صار جلياً في تلك اللحظة أنني بلا حظ في النصر. أين الحارس حين أحتاج إليه؟ واصلت التخبط والمقاومة، رافضاً الفناء بلا قتال. ومع ذلك، ذهبت كل جهودي سدى. هزتْنا مفاجأة حركة مفاجئة، ونلت لحظة استراحة حين شعرت بأننا نرتفع. ثم ظهر سطح البحر، ولأول مرة أسمع من مهاجمي أكثر من ضحكة سخرية قاسية. أطلق الشيطان صرخة حادة، وانفتح شعاع من ضوء وسط الظلام. ومع توهج الضوء الحارق، رأيت أن الشيطان قد لفني بجسده، قاطعاً كل سبل الهروب.
أعقب ذلك الإدراك ألم حين لفحني القليل من الضوء المتسرب عبر الشيطان محرقاً ذكرياتي وأفكار حياتي السابقة أيضاً. لكن ليس كلها، إذ لم يمسني سوى جزء ضئيل من الضوء: فقد تحمل الشيطان الجزء الأكبر من الهجمة. ثم اختار الضوء، ولم يبق سوى نبضات خافتة لشيء قريب: طق طق، طق طق، طق طق. حاولت الالتفات، لكنني لم أستطع رؤية شيء ولم أشعر بأقل القليل. هز أنين خافت انتباهي، فأدركت أنني أينما كنت، وأياً ما كنت، لم أكن وحدي.
تغيرت النبرة، لكنني ما زلت أعرف مهاجمي. ظل ذلك الأثر راسخاً. بسطت روحي فاكتشفت أن ما كنا نحل داخله كان بشري الشكل. انتشر الشيطان في نصفه وأنا في النصف الآخر. استعددت للدفاع عن نفسي، متوقعاً هجوماً جديداً، لكن النحيب الصامت قادني إلى استنتاج بسيط واحد. كان الشيطان واهناً. فمهما كان ما فعله سطح بحر الأرواح لتطهير المغادرين لمياهه، فقد تكبد الشيطان أسوأه. هجمت بغضب محموم.
وكيفما عبث بي مستمتعاً بمعاناتي، جاء ردي كوحش ضار، أمزق روحه بغضب بهيمي. لم تكن لدي مخالب لكننا لم نكن كائنات مادية، وبأسناني الميتافيزيقية، مزقت لحمه الروحي إرباً. أطلق الشيطان صرخة مدوية تدوي حولنا وهو يحاول يائساً الاختفاء. لكن لم يكن هناك ملجأ. ولا مفر لي من انتقامي. تناثرت قطع روحه الممزقة حولي كقصاصات ورقية مرعبة، لكني رفضت التوقف حتى لم يبق سوى أشلاء من وجوده.
مع كل مزقة خسرها الشيطان لصالح غضبي، كنت أغوص أعمق وأعمق داخل الشكل البشري الذي نحله. ومع اندماج روحي ببطء في شكل الكيان الحي، اندمجت كذلك شظايا الشيطان الممزقة في روحي. وحين انتهيت، لم يتبق أثر واحد لمعذبي. وكأن توازناً قد تحقق، شعرت بروحي تنكفئ داخل الشكل، مندمجة تماماً مع الجسد الذي وجدته نفسي فيه. رغم أن عيني كانتا مغمضتين، ظهرت كلمات أمامي. أهلاً بك في الدروب العريضة!
تقييم المستخدم الجديد. تَبين أن المستخدم الجديد أصغر من أن يسمح له بالوصول الذاتي إلى الدروب العريضة. جارٍ التحول إلى الوضع الآلي. خطأ. يمتلك المستخدم الجديد إنجازين. يلزم الوصول الذاتي لتحديد نتائج الإنجازات. جارٍ التقييم... جارٍ التقييم... يُظهر المستخدم الجديد وظائف إدراكية مرتفعة مقارنة بعمره (أربعة أشهر تكوين). تحديد القدرة على اتخاذ القرار عبر التحفيز البدني. يجب على المستخدم الركل مرتين لإبداء الفهم.
تبدأ مهلة عشر ثوانٍ الآن. كان الجسد جديداً عليّ لكنني تذكرت كيف أركل. حركت ساقی دقيقتين، راكلاً إياها ذهاباً وإياباً، رغم غرابة الإحساس وصغر ساقي مقارنة بما تذكره روحي. تَبين قدرة المستخدم على اتخاذ القرار. تفعيل تجاوز الدروب العريضة. مُنح الوصول الذاتي إلى واجهة مستخدم الدروب العريضة. يرجى التعرف على ورقة الحالة الأساسية. حدثت لحظة تلاشى فيها النص، ثم ظهرت أضواء وامضة جديدة أمامي.
الاسم - بلا اسم
المهارات (0/3)
الفئة - مقفلة
سمات الجسد
الخصائص الأساسية
نواة الأثير - ضئيلة
القوة - 100
قنوات الأثير - ضعيفة
التحمل - 100
التناسق - 100
التقارب (1/1)
العقل - 100
الظل (قوي) - 100
الأثير - 100
الخصائص المتقدمة (0/2)
المسارات (0/10)
كان أول ما لاحظته أن مسارات العوالم قد قررت أنني بلا اسم. لقد زال اسمي القديم وطُرح جانباً. لكن الأمر ترك مجالاً واضحاً لما سيسميوني به والداي الجديدان، لأن النقاش برمته حول عمري جعلني أدرك تماماً ما يجري. لقد أُعيدت ولادتي. مع أن ذلك لم يكن دقيقاً تماماً لكوني لم أُولد بعد. كنت طفلاً. طفلاً لم يُولد بعد وبحوزته بعض ذكرياته سليمة. كنت مرتبكاً بعض الشيء بشأن خصائصي الأساسية.
بدا مئة رقماً مرتفعاً بشكل رهيب. لم أكن أشعر قط بأنني شخص ذو قوة تعادل المئة، بناءً على الركلات الواهنة التي سددتها للتو للتأكد من أن مسارات العوالم تدعني أتحكم بتطويري بنفسي. لم تكن لدي أي فكرة بعد عن ماهية الخصائص المتقدمة، ولا المسارات أيضاً. كانت المهارات مفهومة نوعاً ما، لكنني لم أمتلك أياً منها كذلك. ثم كانت هناك نواة الأثير والقنوات الخاصة بي. ضئيلة وضعيفة.
بدا الأمر مروعاً بالنسبة لي، لكنه في الوقت ذاته يعني أن هذا العالم ربما يمتلك شكلاً ما من أشكال السحر. يمكنني التعامل مع ما هو مروع. بقليل من الجهد والمثابرة، ربما أستطيع قلب هاتين النقطتين وتحويلهما إلى شيء أكثر فائدة. ثم كان هناك تقاربي مع الظل. لم أكن متأكدًا مما إذا كان امتلاك ذلك شيئاً جيداً أم سيئاً، لكنني راودني ظن خفي بأنني مدين بالفضل لمهاجمي في ذلك. لقد بدا شيطان الظل وكأنه ظل متخفٍ عندما هاجممني.
إلى جانب حالتي، كان هناك رقم وميض خمنت أنه الإنجازات المنتظرة التي تحدثت عنها مسارات العوالم. ركزت انتباهي عليها فانفتح الأول أمامي رغم عمى بصري. تم إحراز الإنجاز! هزيمة أمير شياطين أدنى وأنت جنين. المكافأة: فتح مسار الاستثنائية بالإضافة إلى 20 خطوة تقدم على طول هذا المسار الجديد! تم فتح المسار! مسار الاستثنائية (0/10) لقد طوّرت مرتبة مسارك! مسار الاستثنائية الأول (20/10) المكافأة: فتح خصيصة متقدمة: موهوب تتوفر خانة خصيصة متقدمة فارغة.
هل تريد اختيار موهوب كخصيصة متقدمة؟ ترددت. وأثناء إلقاء نظرة خلفية على حالتي، وجدت أن لدي خانتين فقط للخصائص المتقدمة متاحتين. ماذا لو لم أستطيع تغييرها؟ ماذا لو كنت آخذ خصيصة متقدمة دون المستوى وأدمر فرصي في حياة مباركة؟ رغم أنني، عند إعادة قراءة الإنجاز، بدا ذلك مستبعداً. لم أكن من أُطراة، لكن هزيمة أمير شياطين أدنى بينما ما زلت طفلاً لم يُولد بعد بدا أمراً ملحمياً للغاية، حتى لو كان الوحش قد ضعف من جراء مغادرة محيط الأرواح لدرجة أنه بات لا يفرق بين الأعلى والأسفل.
مع لمحة من عدم اليقين، وافقت ذهنياً على إضافة موهوب كخصيصة متقدمة. ظهرت على ورقتي وبجانبها رقم مئة براق، تماماً مثل بقية خصائسي. ظل ذلك يتركني في حالة ارتباك، لكنني عقدت العزم على تفحصه بعمق لاحقاً، منتقلاً بدلاً من ذلك إلى الإشعار الثاني. تم إحراز الإنجاز! استهلاك روح أخرى وامتصاصها داخل روحك. المكافأة: مسار سرقة الأرواح. فتحت حالتي للمرة الثانية.
الاسم - بلا اسم
المهارات (0/3)
الفئة - مقفلة
سمات الجسد
الخصائص الأساسية
نواة الأثير - ضئيلة
القوة - 100
قنوات الأثير - ضعيفة
التحمل - 100
التناسق - 100
التقارب
العقل - 100
الظل (قوي) - 100
الأثير - 100
الخصائص المتقدمة (1/2)
موهوب - 100
المسارات (2/10)
مسار الاستثنائية الأول (20/100)
مسار سرقة الأرواح (0/10)
لم أستطع منع نفسي من الشروع في حسابات ذهنية لمعرفة سبب بلوغ جميع خصائصي وتوافقي مئة. وبينما فعلت ذلك، وأنا أجري حسابات بسيطة للغاية، ظهر إشعار جديد في زاوية رؤيتي. أوقفت تفكيري لأفتحه. فتح المسار! مسار الحساب الأساسي (10/0) دون أي فرصة لرفضه، ظهر المسار في لوحة حالتي. واختباراً لنظريتي، شرعت في القيام ببعض عمليات العد والرياضيات البسيطة في رأسي. لا شيء أكثر تعقيداً من جمع وطرح بسيطين للغاية.
في البداية، لم يحدث شيء، وظننت أنني ربما ارتكبت خطأ، لكنني واصلت المحاولة، دافعاً نفسي قدماً نحو أرقام أعلى حتى ارتفع الرقم بجانب مسار الحساب الأساسي بمقدار واحد أخيراً. وجدت أنني استطعت التحكم بفمي، سامحاً لابتسامة عريضة بالانفراج على وجهي الذي كان قيد التكون، بلثة الرضع وكل ما يتبعها. السؤال الوحيد الآن، ماذا يحدث حين أبلغ العاشرة؟ هل أحصل على خصائص متقدمة أخرى، أو شيئاً آخر؟
كان علي أن أعرف. بتركيز نابع من الفضول وربما القليل من الأدرينالين، بدأت أمارس الرياضيات في رأسي. تسلل التعب إلي وأحسست بأنني أتلاشى رغم أن الأرقام لم تتحرك سوى إلى أربعة. كان علي قطع ستة أخرى. توجب علي الاستمرار. انتقل إلى خمسة، ثم ستة، لكنني لم أستطع مقاومة جذب الظلام بعد الآن، فهويت في نوم هادئ. لا أعرف المدة التي نمت فيها لكني عندما استيقظت، عدت إلى عدّي. صار الستة سبعة، ثم ثمنية، ثم تسعة، وأخيراً، مع استدعاء النوم لي مجدداً، اخترقت موجة الخمول لأصل إلى عشرة.
ومض إشعار فجأة أمامي. لقد طوّرت رتبة مسارِك! مسار الحساب الأساسي 1 (10/10) المكافأة: +1 للذهن في حالتي، تحول المئة في الذهن إلى مئة وواحد. انتظرت لأرى كيف سأشعر. كيف سيغيرني. لم يستغرق الأمر طويلاً لأدرك أنني لا أجد أي فرق. لكن لا بأس بذلك. كان ذلك يعني فقط أنني بحاجة للمزيد، ويبدو أن لدي خمسة أشهر أخرى دون انقطاع من المثيرات الخارجية لأقضيها في هذا. لم يكن الأمر وكأن لدي مكاناً آخر أكون فيه الآن.
ومع استقرار هذه الفكرة في عقدي بعمق، استسلمت للنوم مرة أخرى. صارت الأيام أسابيع، وصارت الأسابيع شهوراً. كنت أدفع نفسي كل يوم، معتملاً على مسارامي المختلفة. بعد أسبوعين من محاولة البقاء مستيقظاً قسراً لأقضي وقتاً أطول في العمل على تطوري، فتحت مسار التحمل. وعندما تطورت أذناي بشكل أكبر، فتحت مسار التجسس. لم يتقدم أي من المسارين بالسرعة التي تقدم بها مسار الحساب الأساسي واللغويات - الإنجليزية.
كان التحمل يتقدم ببطء كبقرة خارجة إلى المرعى، تأخذ وقتها الكافي لمضغ كل لقمة من العشب. أما التجسس فمضى أسرع قليلاً، لكنه اقتصر على الأوقات التي تتحدث فيها أمي الجديدة إلى شخص ما. كانت تُهمهم أيضاً، لكن ذلك لم يُحتسب على ما يبدو. كنت أمل أن تكون لطيفة كأم حياتي السابقة، لكني كنت سأكتفي بكونها شخصاً لائقا. استطعت تحديد المزيد عن جسدي بينما جربت حركات مختلفة لفتح مسارات إضافية.
كنت كائناً بشرياً بلا شك. لم أستطع الشعور بأذني بعد تماماً، لكن شكل جسدي وحركات ساقي، إلى جانب ملمس جلدي الرطب جعلتني متأكداً من أنني إنسان أو ربما قزم. بالطبع كانت هناك احتمالات أخرى أغرب، نظراً للشيطان الذي امتصصته، لكنني خمنت أنني إنسان. في الغالب. كانت مفاجأة ألا أرى نوعي مدوناً على الحالة، التي كنت أستحضرها يومياً لمراقبة تقدمي. كانت المسارات التي نجحت في فتحها وتحسينها، باستثناء التحمل، مسارات ذهنية كلها.
ما قصدته بذلك أنه مع كل رتبة أكملتها في المسار، كانت خاصيتي الذهنية تزداد بواحدة. كلها عدا اثنتين. عندما أكملت الرتبة التاسعة في مسار الحساب الأساسي ومجدداً حين فعلت المثل للغويات - الإنجليزية حصلت على خاصية غير مخصصة. واختباراً للاست احتمالات، أضفت الاثنتين إلى خاصيتي المتقدمة الوحيدة، الموهوب. إذا كان لهما تأثير، فلست متأكداً مما كان. أحضرت حالتي مجدداً، مستعرضاً تقدمي خلال الأشهر القليلة الماضية.
الاسم - بلا اسم
المهارات (3/0)
الفئة - مقفل
ميزات الجسد
الخصائص الأساسية
جوهر الأثير - صغير
القوة - 100
قنوات الأثير - ضعيفة
التحمل - 102
التناسق - 100
التوافق (1/1)
الذهن - 119
الظل (قوي) - 100
الأثير - 100
الخصائص المتقدمة (2/1)
الموهوب - 102
المسارات (10/6)
مسار الاستثنائية 1 (100/20)
مسار اللغويات - الإنجليزية 9 (10000/8217)
مسار الحساب الأساسي 9 (10000/9992)
مسار التحمل 2 (50/31)
مسار التجسس 3 (100/62)
مسار سرقة الأرواح (10/0)
طوال تلك المدة، لم يطرأ أي تغيير على مساري التفوق أو سرقة الأرواح. بدا الأمر منطقيّاً، إذ أشكّ في أنني فعلت شيئاً يُعدّ استثنائياً أو التهمت المزيد من الأرواح. لا أنني خططت لفعل ذلك، لكن المرء لا يدري أبداً. ربما يظهر شيطان آخر فأحظى بفرصة تجربتها. حتى بغض النظر عن غياب التقدم، لاحظت اختلافاً آخر في طريقة عمل مساراتي على ما يبدو. عندما أكمل مسار التفوق رتبته الأولى، تعينت الثانية عند مئة.
لكن بالنسبة إلى جميع المسارات الأخرى التي اكتسبتها وتقدمت فيها منذ ذلك الحين، تعينت الرتبة الثانية عند خمسدين، والثالثة عند خمسين، ولم تتبدل الرتبة الرابعة وحدها فبقي حدها عند مئة. فسّرت هذا بأن المسارات لم تكن كلها على قدم المساواة. بالطبع، لم يفتر اهتمامي بالسحر. حاولت الوصول إلى سحري، إلى جوهر الأثير خاصتي. كان التقدم في ذلك الجانب أولوية، لكنني لم أحظَ بأي حظ حتى الآن.
لم يُجدِ التأمل نفعاً، ولم يمنحني مساراً جديداً، وإن كنت ربما أؤدي الأمر بالطريقة الخاطئة. ربما بدوت كتمثال بوذا صغير عارٍ، لكنني لم أكن راهباً زاهداً. ومع أنني لم أنغمس في أي من ملذات الدنيا، عجزت حتى عن اتخاذ جلسة اللوتس. الدفع، والوخز، والعصر، لم يثمر أي منها. لحسن الحظ أنني لم أكن قادراً على التبرز بعد وإلا لكان ذلك العصر قد انقلب إلى كارثة حقيقية. لم تكن عندي أي رغبة في تغوّط حيث أقيم ولا في الاستحمام في الفضلات.
نجوت من كارثة محققة. قد يظن المرء أنني عامل شديد الاجتهاد، لكي يتقدم على الأقل بضع من مساراتي إلى هذا الحد في فترة وجيزة. لكن كانت لدي نظرية حول ذلك. المسارات التي كانت تتقدم بسرعة هي تلك التي امتلكت فيها مسبقاً معرفة وخبرة، حتى وإن جاءت من حياتي السابقة. مسار اللسانيات تحديداً، إذ لم أكن أف شيئاً حين كنت أتجسس وأسمع الأصوات التي تصدرها أمي. غياب السياق يعني أنني عجزت حتى عن الشروع في فهمها.
سيُحلّ ذلك قريباً، إذ قدرت أنه لم يبقَ سوى شهر أو نحو ذلك حتى أولد. لكن قبل حدوث ذلك، كان لدي مسار يجب أن أتمه. استقرت في مكاني، وبدأت بحساب الرياضيات في رأسي. لا شيء معقداً للغاية، بصراحة، فأنا لا أذكر شيئاً أبعد من العدّ، والمعاملات الأساسية، وأولوية العمليات الحسابية، وقليلاً من الهندسة البسيطة. إما أن محيط الأرواح قد محا البقية، أو أن شيطاناً انتزعها مني، أو ربما لم أكن مهووساً بالرياضيات.
كان شعوراً غريباً، أن أعرف وجود رياضيات أكثر تعقيداً، لأنني أدرك ذلك حقاً، غير أنني عجزت عن تذكر كنهها. توالت الساعات، وأخذت الأرقام ترتفع. مع كل رقم جديد، كان حماسي يشتد. القفزة من الرتبة التاسعة إلى العاشرة بلغت خمسة آلاف نقطة. يعني ذلك أن الوصول من الرتبة التاسعة إلى العاشرة استغرق وقتاً يضاهي ما استغرقه الوصول من الأولى إلى التاسعة. لا بد أن الرتبة العاشرة ستقدم شيئاً مذهلاً حتماً!
أدركت أنني قد أهيئ نفسي لخيبة أمل محتملة، لكنني لم أستطع كبح نفسي. كانت الأرقام تصعد، وبدا الأمر رائعاً. ومع تسلل الإسهاد وعزم عقلي على النوم، أتممت غايتي أخيراً. لقد أتممت مسارك! مسار الحسابيات الأساسية العاشر (10000/10000) المكافأة: نقطتان غير مخصصتين للخصائص لقد ظفرت بإنجاز! أتمم مساراً أساسياً. المكافأة: مسار المتقن. لقد فككت قفل مسار! مسار المتقن (0/10) من ناحية، شعرْتُ بقدر ضئيل من خيبة الأمل.
ومن ناحية أخرى، أظن أنني ما كان ينبغي أن أرفع سقف توقعاتي كثيراً. كنت أكافأ فعلياً على إجراء حسابات رياضية في رأسمي. حتى الإنجاز نفسه أقر بحقيقته. مسار أساسي. عزز ذلك شكوكِي السابقة في أن المسارات لم تكن كلها متطابقة. والأهم من ذلك، أنه فتح لي مساراً جديداً. مساراً أعرف يقيناً كيفية التقدم فيه. فمسار المتقن يتقدم على الأرجح عبر إتمام المسارات. ألقت نظرة خاطفة على حالتي لأضيف النقطتين غير المخصصتين إلى خانة الموهبة، حين لاحظت أمراً آخر.
لقد ارتفع مسار التفوق خاصتي بمقدار خمس نقاط. تعافى مزاجي المنهار في الحال. لم أكن أعرف ما سيحدث عندما يبلغ الرتبة التالية. كل ما عرفته هو أنه لا بد أن يكون أمراً رائعاً! ظننت أن لدي شهر آخر، وخلال تلك المدة كنت سأكمل مساري الثاني. ورغم حماسي، غرقت في النوم بعد لحظات. انصرم شهر آخر، وابتسمت، وصارت شفتاي الآن تحت سيطرتي التامة إلى جانب أطرافِي. لم يعنِ ذلك أنها كانت قوية.
ما زلت طفلاً وليداً ضعيفاً، أركل وأتخبط بكل قوة شعطوط رخو. لكنني كنت أتحرك! لسوء الحظ، لم يفتح ذلك أي مسارات جديدة. خمنت أن التخبط كالمجنون ليس بالشيء الذي يتطلب مساراً. أو إن كان كذلك، فهو يتطلب على الأرجح تبشيرًا جنونياً بشأن نهاية العالم أو رجال السحالي الذين يتحكمون بالحكومة. احسبوني بعيداً عن جنون البشر. وفي حين أقنعت نفسي بأنني لست مجنوناً، كنت موقناً بحقيقة أخرى أيضاً.
وهي أن اليوم هو الموعود، وأنا أعني اليوم حرفياً. اليوم سأكمل مسار اللسانيات - الإنجليزية، وإن كنت حكماً جيداً على الأمور، فأنا على وشك أن أولد أيضاً. رغماً عني، دفعتني حركات عضلية متنوعة حتى صرت مقلوباً رأساً على عقب، وهو ما تيقنت بأنه يعني استعدادي للخروج برأسي أولاً للقاء أمي الجديدة. كنت متحمسساً. متحمسساً للغاية! لكلتا الحتميتين. لذا، ومع ما تبقى لي من وقت، وبدء عضلات أمي في الانقباض حولي، شرعت في ترديد قصص في رأسي.
لم يستغرق ظهور الإشعارات وقتاً طويلاً. لقد أتممت مسارك! مسار اللسانيات - الإنجليزية العاشر (10000/10000) المكافأة: نقطتان غير مخصصتين للخصائص لقد رقيت رتبة مسارك! مسار المتقن الأول (12/10) المكافأة: 3 نقاط غير مخصصة للخصائص كنت محقّاً. نوعاً ما. لقد ارتفع مسار المتقن بمقدار اثنتي عشرة نقطة بمجرد إتمام مسار واحد. بدا لي غريباً بعض الشيء أنه لم يكن رقماً مستديراً. كما منح مكافأة أفضل من إتمام مسار أساسي، وبفضل الاثنين صار بحوزتي الآن خمس نقاط غير مخصصات.
فكرت فيما إذا كان يجدر بي ضخهن في الأثير، لكني قدرت أن الموهبة جاءت من إنجاز بمثل هذه القوة لدرجة تجعلها ممتازة، حتى إن ظللت خالياً من أي إثبات مؤكد عما تفعله. بإضافة النقاط الخمس غير المخصصة إلى الموهبة، رأيت أن مسار التفوق قد صعد بمقدار خمس نقاط مجدداً. وبلوغه الآن ثلاثين من أصل مئة، لم يكن يلزمني سوى إتمام أربعة عشر مساراً أساسياً آخر. لا مبالغة في الأمر، أعني أن الأمر استغرق مني خمسة أشهر لإنجاز اثنين منها.
خمسة أشهر في سبعة، وكان يجدر بي دفعه إلى الرتبة التالية بحلول الوقت الذي أبلغ فيه الثالثة والنصف. عندما أطرح الأمر بهذه الطريقة، فهو لم يكن سريعاً بالمرة. ومع ذلك، فالتقدم تقدم، ولم أكن على وشك الاستسلام لليأس. كنت أتخبط في الظلام حتى الآن، أحاول اكتشاف الأمور بنفسي، وبصراحة كنت أنام كثيراً. كون المرء رضيعاً أمر مجهد. لكنني سأولد قريباً. وحينها سيكون لدي أشخاص أراقوبهم، وربما بمجرد أن أستطيع الكلام، سيكون بإمكاني طرح كل الأسئلة التي تدور في عقلي الصغير.
أو على الأقل التجسس على الآخرين للتعلم. بمجرد التفكير في الأمر، علمت بوجود مسار للخداع أو ما شابه في مستقبلي. سأكون رضيعاً مخاتلاً. لم تدم بهجتي ونكاتي الباهتة طويلاً إذ اشتد الضغط حولي وشعرت برأسي يُعصر كبطيخة داخل ملزمة. كان شعور تخلخل العظام اللينة في جمجمتي لتستوعب التغير مزعجاً إن لم أقل شيئاً أسوأ، لكنني عجزت عن البكاء. ليس الآن على الأقل. ما إن أخرج من أنبوب الموت هذا، حتى يسمعوا صراخ رئتيّ الصغيرتين.
شهيق زفير. شهيق زفير. لم يكن ذلك تنفسي أنا. بل كانت عضلات حوض أمي المستقبلية تنقبض حولي رأسي. لا عجب في أننا لا نذكر هذه التجربة كأطفال. لقد كان هذا جحيماً! تقدمت ببطء لكن بثبات نحو النور. ثم أخيراً، بدفعة هائلة، ويد شخص تجذب ذراعيّ الصغيرتين المكتنزتين، جُرِدت إلى غرفة باهتة الإضاءة. كان بصري سيئاً للغاية، ورغماً عن إرادتي، وإن نزولاً عند خطتي السابقة، أطلقت عويلاً تذمراً من المحيط الجديد.
لم يطول بكائي، وسألقي اللوم اليوم بأسره على الصدمة. لم يكن البتة لأنني رضيع متذمر. كنت أتوقع أن أُوضَع على صدر أمي حينها. أليس هذا المفترض بهم فعله؟ كان هناك عبث يدور حول سرتي وأدركت أنهم يربطون الحبل السري. أليس وقت الأم بعد ذلك مباشرة؟ لقد شعرت بوحدة شديدة مع أفكاري طوال هذه المدة حتى باتطط أتوق إلى التواصل البشري. بدل ذلك، وُضِعْتُ داخل سلة صغيرة. وكنت أحدث نفسي، وأنا منعم ودافئ وإن يكسوني الإحباط، بأن كل شيء يسير وفق ما رغبت تقريباً.
في تلك اللحظة انحنى أحدهم فوقي. ربما كان بصري فظيعاً، لكنني استطعت تمييز الأشكال المبهمة التي تحوم قريباً جداً من وجهي. كانوا يرتدون جماجم كأقنعة. وهو أمر بدا منطقيّاً، باسترجاع كل ما حدث منذ جُذِبت من محيط الأرواح. بدا أن الهدف من هذا الرضيع لم يكن أنا، بل أمير شلام معين. لم أكن متأقداً، لكنني خمنت أنني ولدت لتوّي داخل طائفة شيطانية. وتأكد ذلك عندما رسم شخص هابط خطاً على جبهتي بشيء لزج ودافئ.
أجل، أنا متأكد تماماً من أنه كان دماً. لم يتبقَ سوى حساب الرياضيات وتحديد مدى تورطي. نتائجي الأولية؟ عميقاً.