جَلَسَتْ ميغيلا في خيمة مفتوحة وقد ألقَتْ بطانية من الفرو على كتفيها بينما كانت الشمسَان التوأمان تشقّان طريقهما نحو كبد السماء. كان عناصر فيستيغَار يمؤون المكان كله، ويمشطون كل زاوية وركن بحثاً عن أدلة. بين الحين والآخر، كان عنصر شاب يحرص على التأكد من راحتها لكنه لا يفصح لها بالكثير عما يكتشفونه في المجمع. هذه المرة، أحضر لها الشاب قدحاً من النبيذ المتبل. دفّأت ميغيلا يديها بالقدح الخزفيّ.
كانت ممتنة للدفء الذي يسري في يديها والكحول الذي يهدئ أعصابها. لم تكن ميغيلا دراية بالوقت الذي أمضته جالسَةً في الخيمة وهي تراقِب عناصر فيستيغَار يتراكضون كالنمل، لكن الشاب عاد أخيراً وهو يحمل مقعداً. غادر العنصر دون أن ينطق بكلمة، وبعد لحظات قليلة، تبيّن الغرض من المقعد جلياً حين دخل خيمةً رجل راموني بدين وهو يتهامد. مسح جبينه بمنديل حريريّ قبل أن يجلس.
قال العنصر بلطف: "ميغيلا ديستريلا، أنا العنصر زاك كورفيوس من فيستيغار".
لم تستطع ميغيلا إلا أن تلاحظ غياب لقبها رغم وداعة الرجل الراموني.
قالت ميغيلا: "أتمنى لو أستطيع القول بصدق إنه لسرور يا عنصر زاك، لكن للأسف، كان اليوم كل شيء إلا أن يكون مسارّاً".
ابتسم الراموني لدعابتها.
علق قائلاً: "حقاً. يبدو أنك مررتِ بليلة عصيبة، أقل ما توصف به. سأطرح عليك بعض الأسئلة، ثم سنرى أمر إخراجك من هنا".
وكأنما وُعِد، أقبل العنصر الشاب نفسه حاملاً صندوقاً لأدوات الكتابة للراموني ضخم الجثة، واضطرت ميغيلا إلى كبح دموعها وهي تتذكر كاتسيليا. نظر إليها الراموني بنظرة تفهم وأتاح لها أن تستجمع قواها لبضع لحظات ريثما شغل نفسه بأدوات الكتابة. أخذت ميغيلا أنفاساً عميقة، وحين شعرت بأنها قادرة على الكلام، التقت عيناها بعيني العنصر زاك وأومأت برأسها.
سأل العنصر: "والآن أحتاج إلى البدء من البداية، وأسأل، ما هي واجباتك تحديداً في المجمع؟".
اربك السؤال ميغيلا.
سألت ميغيلا: "انتظر، ألا تعلم؟".
ورد العنصر زاك هازاً رأسه.
شرح العنصر زاك قائلاً: "أتاح الأكاديمية والقنصل لكبير السحرة بيلفي مجالاً واسعاً لإجراء تجاربه. أفاد رئيس الأكاديمية فاول بأن آخر تحديث تلقاه من كبير السحرة بيلفي نصّ على إحراز تقدم كبير في المشروع دون اختراقات حتى الآن. وأكد رئيس المجلس مزاعم رئيس الأكاديمية".
أجابت ميغيلا: "هذا غير ممكن. لقد سجلنا كل شيء. يجب أن يكون هناك آلاف الرقوق التي توضح ما أنجزناه".
سأل الراموني الضخم وهو يحبر قلمه متهئاً لكتابة ردها: "للأسف، بدا أن كبير السحرة بيلفي كان يحرق كل أعمالكم عن آخِرها. هل ترين أنكم نجحتم في مساعيكم؟".
سألت ميغيلا: "ماذا حدث للآخرين؟".
ابتسم العنصر زاك ووضع القلم جانباً.
"لقد استحقبتِ الحق في الحصول على إجابات لأسئلتك. لذا، سأجيب عن أي أسئلة تدور في خلدك بأفضل ما أستطيع. لكن، أرجو أن تضعي في الحسبان أنني لن أستطيع الإجابة عن بعض الأسئلة بسبب التصريح الأمني. بعد أن تشعري بالرضا، ستجيبين أنتِ عن أسئلتي. أتفقنا؟".
أومأت ميغيلا، فتابع العنصر.
"أخشى ألا يكون إجابة سؤالك السابق إجابة إيجابية. فمن المجمع، أنتِ وعمال الإسطبل الوحيدون الناجون. كان بحوزة كبير السحرة بيلفي سلاحان مدمجان، مما سمح له بإطلاق تعاويذ قوية على الأفراد الذين لم يسممهم".
لم تصدق ميغيلا أن كل أصدقائها قد ماتوا وأرادت التفكير في أي شيء سوى مصرعهم، فركزت على التفاصيل الأخرى التي قدمها العنصر. كانت ميغيلا قد استنتجت مسبقاً أن كبير السحرة كان يستعمل أسلحة مدمجة، لكنه بدا أمراً سريالياً أن يتم تأكيد ذلك ليتبين أنه ليس من خيالها.
سألت ميغيلا، ظانةً أنه حريّ بها على الأقل معرفة ما تستطيع عن الرجل الذي دمر حياتها: "من كان كبير السحرة بيلفي؟".
أجاب العنصر زاك: "تلك مسألة لا أستطيع الإجابة عنها تماماً لأن فيستيغار لا يعلم بعد. مع ذلك، نعلم أن كبير السحرة بيلفي كان مستحضراً موهوباً للأموات، وبدرجة أقل مستدعياً موهوباً. بدا وكأنه يريد إحياء استحضار الأموات كفن ممارس، وكان هذا المشروع سيبين أن بإمكاننا استعمال استحضار الأموات لمساعدة المجتمع. لا نعرف لماذا كان مهووساً بأهدافه أو أين درس صنعته. كما لا نعرف كيف ابتكر الأسلحة المدمجة".
"هل كان مرتبطاً بالوباء؟".
أجاب العنصر زاك: "حتى الآن، لا نعتقد أنه كان مرتبطاً مباشرة. نؤمن بوجود مجتمع سري لمستحضري الأموات يتبادلون الأسرار ويعملون معاً من حين لآخر. نعتقد أنه كان مرتبطاً بتلك الحلقة. والأرجح أن أفراداً من ذلك المجتمع يعملون الآن مع الوباء. إذن، من المحتمل جداً أن كبير السحرة بيلفي قد تواصل مع أعضاء من الوباء في مرحلة ما".
سترجح ميغيلا التفكير في آلاف الأسئلة لاحقاً، لكن في الوقت الحالي، كان عقلها خاوياً. التقط العنصر زاك قلمه مجدداً وأعد نفسه للبدء في الكتابة حين ظهر عنصر آخر فجأة. كان العنصر الجديد بدين الجسم أيضاً لكنه كان أرزانياً قصير القامة. كانت بشرته ذات زرقة خفيفة وله لغد جعله يبدو ككلب صيد داجن. وثب العنصر زاك واقفاً لرؤية العنصر الجديد. تفاجأت ميغيلا بالسرعة التي يستطيع رجل بحجمه التحرك بها.
سأل العنصر زاك: "كبير العناصر، ماذا تفعل هنا؟".
رد كبير العناصر بصوت حاد: "أنا هنا للمساعدة في تنظيف هذه الإهانة بحق الممالك الخمس".
قال كبير العناصر إدجين وهو يوجه انتباهه إلى ميغيلا: "بما أن عنصري يبدو أنه نسى أدبه، فاسمحوا لي أن أقدم نفسي. أنا إدجين هيكين، كبير عناصر فيستيغار، ولا بد أنك ميغيلا ديستريلا".
نهضت ميغيلا لتحية كبير العناصر بانحناءة.
أجابت بتوتر: "حقاً يا سيدي".
قال كبير العناصر إدجين طارداً العنصر الراموني دون حتى أن ينظر إليه: "ممتاز. هذا كل شيء يا عنصر زاك. سأتولى الأمر من هنا".
قال العنصر زاك: "لكن، ما زلت بحاجة لإملاء بيانها".
"لا حاجة لذلك. سأحرص على أن يكون كل شيء على ما يرام. هذا كل شيء".
جمع العنصر زاك أدوات الكتابة هذه المرة ووقف واعتذر قبل أن يتهامد مغادراً. انتظر كبير العناصر حتى اختفى العنصر زاك عن الأنظار قبل أن يعيد انتباهه إليها.
قال: "تعالي"، وغادر الخيمة.
اضطرت ميغيلا إلى الإسراع للحاق به، لكنه قادها بعيداً عن المجمع إلى حقل مفتوح حيث كانت سفينة رياح ضخمة تطفو بالقرب من الأرض. كان يقف بجانب ممر الصعود غرانغان متطابقان يرتديان درعين جلديين نقيين وزاندرانيّ مُسِنّ ذو شعر أبيض وكسوة داكنة.
قال كبير العناصر إدجين مخاطباً الزاندرانيّ وهو يقترب من ممر الصعود: "إرنستو، كما اتفقنا".
رد إرنستو: "سيكون اللورد ممتناً للغاية للرونيات أيضاً".
قال كبير العناصر إدجين قبل أن يدير عقبه ويغادر: "أود الحصول على مهر طائر، لكننا لا نملك دائماً ما نتمنى الحصول عليه. عليّ أن أعطي القنصل شيئاً ما، وإن كان اللورد يريدها بشدة، فهو يعرف أين يمكنه إيجادها".
"ميغيلا ديستريلا، اسمي إرنستو، وأنا في خدمة لورد زانديلفي. إنه يعلم بمواهبك العظيمة ويرغب في تقديم عرض لقاء خدماتك. لا تقلقي، فشقيقك بانتظارك في زانديلفي الآن. وكل ما عليك فعله هو المجيء والاستماع إلى العرض. أعتقد أنه سيكون من المستحيل رفضه"، هكذا شرح إرنستو مشيراً برأسه نحو ممر الصعود.
قالت ميغيلا وهي تشعر بالقلق على شقيقها جوري: "لدي أسئلة كثيرة جداً".
أجاب مشيراً مجدداً نحو ممر الصعود: "وأنا أعدك بأنه ستتم الإجابة عنها جميعاً، ليس من قبلي فحسب، سيدتي. إن كان ذلك يرضيك".
سمعت ميغيلا القصص حول لورد زانديلفي وأيقنت أنه إن رفضت الذهاب فهي هلكة، فلم ترَ مناصاً سوى صعود الممر. بمجرد صعودها على متن سفينة رياح، راقبت الطاقم وهو يرفع السفينة عن الأرض. وقفت على السطح، ناظرةً إلى المجمع وهو يتوارى عن الأنظار، ومتسائلةً عما تخبئه لها الأيام القادمة وللممالك الخمس.