إمبراطورة جبل الزهرة الزرقاء الفصل 8 — النهاية

اقرأ إمبراطورة جبل الزهرة الزرقاء الفصل 8 — النهاية باللغة العربية على مانجا تايم.

بني. كنتَ كائناً صغيراً قبيحاً حقاً حين ولدَتْكَ أمّك. لكنّ الأمّ تغفر. لقد رأَتْ من الصغار ما يكفي لتدرك أن جمالك سيزداد مع الزمن. وقد زاد. أسميناه شو لان جينغ. روحاً نقيةً من ضباب الجبل. أو اختصاراً، لان. كان يمكن أن يُعرف بجين، لكنّ هذا هو اسم زوجي. لا يمكن أن يوجد جين واحد فحسب، فأي زيادة ستخلق التباساً! استنزف الصغير لان معظم طاقتي واستخدمها بطريقة ما لمضاعفة طاقته الخاصة. لا أعرف كيف حدث ذلك، فقطاقتي المتضائلة أصبحت تعجز عن السبر العميق للجسد البشري. وربّما لن أفهم الأمر حتى لو استطعت. فهناك أمور لا يعلمها إلا الملوك. مع أنني أخبرت جين أن ابنه طفل معجزة، فلم أكن أتعمد المعنى الحرفيّ. لكنّ الصغير لان كان معجزةً بالمعنى الحرفي للكلمة حقاً. كان مذهلاً قدرته على فعل تلك الأمور بطاقته الفطرية ودون تلقين. فحتى أنا وشقيقي اضطررنا لتعلم توظيف طاقاتنا على مدار دهور طويلة... ومع ذلك فعل ابني أشياء كثيرة دون أن يُؤمر بها. أكان ذلك لأنه بشريّ أيضاً؟ البشر شديدو التأقلم، وأجسادهم بوجه خاص. أهذا ما يحدث حين تمتزج سلالات الجنيّات والبشر حقاً؟ يا للروعة! لم يدرك زوجي أن خطباً جسيماً ألمّ بي إلا بعد أن أتمّ الصغير لان عامه الأول. فقد لاحظ الأطباء أنني لم استردّ عافيتي التي سبقت الحمل. وأخبر أولئك الخونة جين بالأمر بطبيعة الحال. أقبلَ جين نحوي قلقاً منزعجاً. وسألني إن كنت أدرك ما يجري. لم يكن بمقدور الأطباء فعل الكثير من أجلي، فالجزء البشريّ مني هو ما يستطيعون معالجته. أمّا النصف الآخر فكان روحاً. كذبتُ. بكثير من العذوبة، كذبتُ. أخبرته بأن ما أعانيه ليس سوى عرض جانبيّ لتجسدي في هذا الجسد البشري. وسبق أن وضّحت له أن صيرورتي بشريّة قد أضعفتني بصورة ملموسة. فالتقلبات الصحية أمر متوقع. كنتُ واهنةً بدنياً، لكن هذا كل ما في الأمر. وسأكون بخير. لم يكن مسروراً بذلك التفسير. لكنّه في الوقت ذاته، كيف له أن يعرف غير ذلك؟ فعلى الرغم من كل ما بذله في ارتقائه الروحيّ، ظلّ ذلك مقتصراً على البشر. وحين كان يسبر أغواري بطاقته الحيوية، عجز عن إدراك ما يرى. وحتى لو أراد الاعتراض، لما استطاع. لن أُفشِيَ له الحقيقة أبداً. ولا حتى مع أنفاسي الأخيرة. ولن أسمح له أبداً بأن يشعر بالمرارة تجاه ابنه. كل ما استطيع فعله هو محاولة ردعه عن لوم نفسه، إن أمكنني. وستكون تلك هي المهمة الأصعب. في الوقت الحالي، ما زلتُ أقوى من الرجل العاديّ، سوى أنني أعاني إرهاقاً مزمناً. وستمر عشرة أعوام أخرى قبل أن يظهر ذلك النضوب جليّاً وأصير كامرأة عادية. ثم خمسة أعوام أخرى لأرتبط بالفراش. وستكون الأعوام الخمسة الأخيرة أشدها قسوة، إذ سيعجز جسدي عن الحركة تقريباً. وأمّا العام الأخير... حسناً، لنفترض أننا لن نفكر فيه. لقد عشقتُ الأمومة. وكان الصغير لان طفلاً ذكياً حسَن الأدب إلى حدّ مهّد لي الطريق. وربّما مبالغاً في أدبه في البداية، ممّا أثار قلقي. فقد بدا زاهداً في كل ما يستهوي الصبية في سنّه، وتعلّم كل شيء مبكراً. وحين نبتت أسنانه، كان يتحدث بطلاقة البالغين. لم يتصرف بدلال يوماً ولم يتذمر قط. كان أمراً غريباً، كأنّ رجلاً راشداً محبوس في جسد طفل صغير. أكان السبب أن روحه لم تكن بشريّة؟ ابتهج الأطفال الستة الذين آويتهم بقدوم الصغير لان. لقد ربيتُهم بعناية فائقة، حريصةً على ضمان ولاء لي ولزوجي. وحين بلغوا سناً مناسبة، جلستُ إلى كل واحد منهم لأكشف له حقيقة عائلته. وخيّرتهم بين أمرين: تجرّع المرارة ومحاولة الانتقام، أو تقبل ما حدث والاستفادة من أخطاء آبائهم. وكان ذلك اختباري لهم، وقد اجتازوه جميعاً. لم يغبُس أيّ منهم بنية الانتقام، بل غمرهم الخزي حين اكتشفوا انحدارهم من سلالة خونة. مع ذلك، واصل النمّامون افتراءاتهم عليهم بالزعم أنهم قد يحسدون العرش، وأنه حريّ بالإمبراطور ألا يثق بهم! أيمكن لمن حظوا بحب الجنيّات أن يحملوا قلوباً سوداء لهذه الدرجة؟ أيفعل مثل هذا من يسعون بحرارة لنيل رضا زوجي؟ ألم أكن أنا من اختارهم بنفسي ابتداءً؟ لذا فمن المؤكد أنهم لا يحسدون أحداً! بل على العكس، غمرهم الارتياح لتحررهم أخيراً من مصير كهذا. من بين الفتية الأربعة، رفض اثنان تماماً الانخراط في الحكم. كان أحدهما شديد التحليل، ومفضلاً التعامل مع الأرقام على البشر. وأما الثاني فعشق الحيوانات، وخاصة الخيول، وحلم بأن يصبح مربياً وراكباً ذائع الصيت. وسرّ الثالث بكونه باحثاً، مقضياً معظم وقته بأنفه بين طيات الكتب وعقله هائم في الغيوم. وأما الرابع فكان أعلاهم إمكانيات، لكنه كره السياسة ففرّ بدلاً منها إلى الجيش (ليحلى مجده"، كما قال، لكنّ المقربين منه أدركوا أنه فعل ذلك لكسب ثناء جين، الأب بالتبني الذي عبده). ولم تكن الفتاتان لتتزوجا إلا بمن يجلس على العرش. اختارت إحداهما دراسة الفنون القتالية وارتقاء طاقتها، متدربة مباشرة تحت إمرة جين بوصفها تلميذته الوحيدة. أظن أنه كان ثمة احتمال ضئيل لأن تتزوج يوماً، لكنّ ذوقها في الرجال كان... منقوصاً بعض الشيء، في رأيي. فقد فضلت القوة العضلية على العقل، لذا استحال أن تختار شخصاً قادراً على حكم البلاد. أما أن تكون إمبراطورية... فقد بالكاد اجتازت دراستها طفلةً، وكانت أفظ من أن تناسب الطبقات الراقية. والحق أنه لو لم آوِها، فلا أتصور كيف كانت لتنجو بين أفراد عائلتها الأصليين. لقد طالما كنت منفتحة الفكر بطريقة مثيرة للجدل حيال ما تستطيع النساء فعله، لدرجة أنني أثرت حفيظة الكثيرين اجتماعياً. وكانت عائلتها بالغة التقليدية، ولهذا تمردت (ليس فقط على جين، بل أيضاً بسبب كراهيتها لي). ومثل تلك البيئة كانت لتخنق شخصيةً مثل شخصيتها. لقد احتاجت إلى الحرية، وهذا ما عجزوا عن منحه إياها، ناهيك عن كونه أمراً محالاً لمن تصبح إمبراطورية. وأما الفتاة الأخرى فكانت النقيض التام تقريباً، وديعةً ولطيفة كالحلوى. كانت مرهفة الإحساس بمشاعر الآخرين، وحادة الفطنة بشكل غير عادٍّ حيال خبايا نفوس المحيطين بها. وبطرق عديدة، كانت الأكثر ملاءمة للتعامل مع الدسائس السياسية الملازمة لكون المرء فرداً من العائلة المالكة، بيد أن طبيعتها الرؤوم كانت أكبر عقباتها. فمهما بلغت معرفتها بالنوايا الحقيقية للناس، ظلّ جزء منها يصرّ بتفاؤل على منح الآخرين فرصة ثانية وثالثة ورابعة. لذا، ورغم قدرتها على اختيار زوج صالح ليكون الإمبراطور القادم، لتعرضت تحت التأثير الخطأ لاستغلال عميق ووحشية بالغة. كان هناك عدد غير قليل من الذباب — أقصد الرجال — ممن اضطررت لترهيبهم وإبعادهم، لأن طبيعتها المسامحة جعلت منها هدفاً سهلاً بنظرهم. ناهيك عن المرات العديدة التي حاولت فيها نساء النبلاء وبناتهن استغلالها للوصول إلى الإمبراطور أو إهانتي. وبصراحة، كان محبطاً كم كان الناس يرونها ضعفاً، لا روحاً جميلة طيبةً تستحق الحب والإعجاب. يا للهول! ألا تدركون الآن استحالة نجاتها كامرأة إمبراطورية بشخصية كهذه! لَدُسَّت بالأقدام ثم رُميت بعيداً في النهاية! لقد كان من حسن حظي أنها كانت أذكى من أن تجهل نقاط ضعفها، فتنازلت لحكمي، حتى إنها أصرّت على أن أختار لها شريك حياة مناسباً حين بلغت الخامسة عشرة (رغم أنني لم أفرض أموراً كهذه على أي منهم قط). وبطبيعة الحال، حين وُلد الصغير لان، لم يغمرهم الارتياح الشديد فحسب، بل أصرّوا أيضاً على تعليمه كل ما يعرفونه. ولكلّ منهم اختصاصه، فعلّموه بطريقته الخاصة: الرياضيات، الحيوانات، الاستراتيجيات والفنون القتالية، أو ببساطة فن السكون والإنصات. وبدا أن الصغير لان يستوعب كل ما يعلمونه بسهولة تامة، مما زاد تعلقهم به حلواً. (لدرجة أنهم تحولوا إلى إخوة كبار دالّهين يفسدون الأصغر بينهم). أحببتُ مراقبة تفاعلاتهم. فبالنسبة لي، هكذا يجب أن يتصرف الأشقاء: مفعمون بالمودة ولكن بالمشاكسة أيضاً، وحاميون لبعضهم دوماً. حتى أخي كان هكذا في البداية، قبل أن يصيبه الجنون. وسررتُ بأن الصغير لان اختبر عذوبة الحب العائلي بما يتجاوز والديه فحسب، فهما الوحيدان اللذان استطعت منحه إياه من الإخوة. ومع ذلك، دهشتُ قليلاً لمدى الجدية التي يتعامل بها مع كل ما يقولونه. فوجهه الدائري الصغير كان ينصت باهتمام بالغ لكلماتهم. سألته مرة عن سبب حرصه الشديد على الإنصات إليهم. فأجابني بصوته الطفولي: "ألستم أطيب الناس يا أمّي؟ ورغم ابتعادهم عنك قليلاً، فإنك تحبينهم رغم كل شيء. وسأحب كل ما تحبينه". ثم قطب جبينه بظرافة. "لكنّ الأب مزعج. فرغم حبك له، ليس بطيبة إخوتي الإمبراطوريين... وهو متطلب جداً معك... الأمر صعب لكنني سأحاول حبّه أيضاً..." لا أدري لِمَ ظنّ أن جين متطلب، لكنّه صحيح أن طيبة زوجي كانت أقل قليلاً من أطفالي بالتبني. وأخجل من الاعتراف بأنه مع مرور السنين، بدأ جين يهووس بي، مما خلق لطخة سوداء صغيرة على روحه. وعملت جاهدةً للحفاظ على ضآلة تلك الظلمة وتجريدها من قوتها، فكنت أحياناً أستفزه عمداً لتحقيق ذلك. ففي النهاية، رأيت ما تفعله تلك النزعة التملكية إن تُركت بلا رادع في أخي، وكنت بغنية عنها في جين. مع ذلك، كان أمراً ضئيلاً للغاية. وصُدمت لتمكنه من رؤيته حتى. أن يُميِّز تلك الدقائق من الطيبة في البشر... لقد كان في الرابعة فحسب، لكنه استطاع سبر أغوار النفوس أفضل من جنيّات عشن لقرون. ... أظن أن طفلي الصغير قد يكون عبقرياً فضلاً عن كونه طفل معجزة. إنه في العاشرة الآن. يتشاجر مع أبيه مراراً وتكراراً. أليست هذه علامة ظنه أن جين متطلب أكثر من اللزوم؟ أثرتُ الأمر مرةً عقب نوبة صراخ عنيفة، لكنّ الصغير لان نفخ بتهكم وأعلن أن جين عنيد فحسب ويرفض الاستماع للعقل. حقاً... هذا الصبي... ومع سروري برؤيته غير مطيع طاعة عمياء وبات مستعداً تماماً للتعبير عمّا يدور بخلده... أكان عليه فعل ذلك بطريقة تغضب أباه الإمبراطور إلى هذا الحد؟ كانت معاركهم بالغة الإشكال حين شرع جين بتعليمه أسلوب روح التنين الأزرق (الاسم المزركش إلى حدّ ما الذي أطلقه جين على تنويع خاص بتعاليمي). وكان الصغير لان، كعادته في كل شيء، نابغة في الفنون القتالية والارتقاء الروحي. لذا وبدلاً من الاكتفاء بالشجار اللفظي، شرع الأب وابنه في الشجار الجسدي أيضاً. وفي أكثر من مناسبة، خرج قتالهما عن السيطرة واضطر القصر لإجراء إصلاحات. ما الذي دهاهذين الاثنين بحق الجحيم؟ ولماذا يعجزَان عن الوفاق؟ اضطررت لتوبيخ كليهما بانتظام الآن، معتبرة أن سلوكاً كهذا لا يليق بمقامهما (وسيصيبني بالقلق حتى أموت مبكراً). ولو امتلكت القوة، لكِلتُ لهما بعض العقل ضرباً، لكنّ حسن حظهم اقتصر على قدرتي على التأنيب. تعيش أمّي معي الآن. لقد تقدمت في السن كثيراً بحلول هذه النقطة، بعد أن وافته المنية قبل سنوات محزنة. وفي خريف عمرها، أردتُ لها أن تعيش بيسر وراحة، مُلبيّةً كل رغبة تخطر ببالها. وبالطبع أصررتُ على إقامتها في القصر. لذا، وحين تذمرتُ من شجار زوجي وابني، أخبرتني بيقين مطلق أن السبب يعود لتشابههما المفرط. فقد كان أبوها وأحد إخوتها على النحو ذاته، وكانا يتخاصمان مراراً للسبب عينه. لكن في النهاية، ذاك الأخ المشاكس هو من آل إليه أمر العائلة بعد رحيل أبيها. ثم انقلبت عليّ وبدأت بتوبيخي. أنا من بين كل الناس! اتهمتني أمي الحبيبة بالتسيب المفرط وإفساد الصغير لان. فحتى حين كان جدي وخالي يتجادلان، لم يفعلا قط بطريقة تجذب انتباه العامة. وكان هذا الاحترام العلني من ابني انعكاساً سيئاً لمهاراتي التعليمية كأم... هذا، على ما يبدو، ما قيل لي. آه، أمي العزيزة، كيف لي أخذ أي قول لك مأخذ الجد؟ ألم تأتي اليوم، برغم وهناً من الشيخوخة، ومعك علبة كاملة من الحلوى لتهديها شخصياً إلى الصغير لان؟ ألا ترمقين جين بنظرات حارقة كلما تشاجر مع حفيدك، متصرفة وكأن جين هو المحرض الوحيد؟ ألا ترمقيني أنا بنظرات حارقة حين أحاول تقويم الصغير لان كما أصررتِ عليّ أن أفعل؟! ألستِ أنتِ المذنب الأكبر في الإسراف بالدلال سواي؟؟ ... رغم ذلك كله، ربما حريّ بي أن أكون أشد صرامة مع الصغير لان. والحقيقة أنني منحته ذات الحريات التي منحتها لإخوته بالتبني. لكن بخلافهم، كان ولياً للعهد، مما يعني خضوعه لأنظار العامة في كل الأوقات. ليس وكأنني لم أُعلمه السلوك القويم. فقد كان فقهياً يلم بالإيكيت والآداب الإمبراطورية، لكنه نادراً ما طبقها. لقد سبق وأن أثار استياء عدد غير قليل من النبلاء باستخدامه حدسه الجنيّ للإشارة إلى أمور تخصهم كان الأجدر السكوت عنها. وفي إحدى المرات أهان وفداً أجنبياً بأسره لدرجة كادت تتسبب بحادثة دولية. ...نعم، لقد كانت لأمي وجهة نظر. وشرعتُ في توخي الحزم والصرامة الشديدة مع الصغير لان. تلك الشخصية الملكية الإمبراطورية التي أرعبت أطفالي بالتبني دون قصد، وُجّهت عمداً وبكامل قوتها نحو ابني. لكن يؤسفني القول إنها لم تجدِ نفعاً كما أملت. لقد بدأت متأخرة للغاية. كان أذكى من أن تنطلي عليه تمثيليتي ونفذ إلى بصيرتي مباشرة... لقد جاراني متسايراً مع أدائي حين لمّحت إلى أن القلق المضاعف الذي يسببه لي يدمر صحتي المعتلة أصلاً. يا لها من حضيضة في حياتي، أن أضطر لاستخدام الشعور بالذنب مع طفلي الغالي لأجعله ينصت لي! على الأقل أدرك أهمية بالغة عندي لتصرفه كولي عهد مؤدب أمام البلاط والجمهور. فقد عرف أنني أقدر سمعته وأريد له احترام المواطنين وأن يصغي إليه أصحاب النفوذ. ولن يتأتى ذلك إلا إذا تصرف كفرد من العائلة المالكة على حقيقته... أمام أعين الناس على الأقل! لذا أتقن "وجهه الإمبراطوري"، كما أسميه. وغدا ولي العهد المثالي، متواضعاً لكن واثقاً. محترماً للكبار، لكن مستعداً للإفصاح عن رأيه إن سُئل. منتقياً كلماته ومواضيعه بعناية، لكنه قادر على محادثة أدنى طبقات المجتمع شأناً. والأهم من ذلك أنه لم يعد يدمر القصر مجدداً في عراكه مع أبيه الإمبراطور! مثل هذا التحول في المظهر أرضى البلاط والطبقة الستقراطية، مما عزز بدوره سمعته على مستوى البلاد. وتلاشت التذمرَات بشأن تدليل الأمير تدريجياً مع إتقانه لذلك "الوجه الإمبراطوري". ووُريت سلوكيات طفولته المشاكسة النسيان مع مر السنين، معزوةً إلى الحيوية الشبابية لا إلى طباعه. شعرت بقليل من الذنب وأنا أكبته إلى هذا الحد. ليس وكأنني أردت تحويله إلى شخص آخر، بل احتاج لمعرفة الزمان والمكان المناسبين لسلوكه. ولتعويض قسوة التوقعات التي فرضتها عليه، حرصت على مدحه كلما نجح. عناقات وقبلات على قمة رأسه، قصص ما قبل النوم من ماضيّ، نزهات في الحديقة، حلوى سرية... أي شيء خطر ببالي، ولفترة استمتع باهتمامي. ثم ذات يوم، بدأت تلك الأفعال التي دأبت عليها تُرفض واحداً تلو الآخر. وحين شرعت بالعبوس متذمرةً (عبر تجاهله تماماً)، اعترف أخيراً بأن سلوكي بات محرجاً له. لقد صار أكبر سناً على تلقي مظاهر المودة تلك من أمه، سيما بصورة علنية يراها الجميع. ووجب عليّ، على حد تعبيره، "أن أضبط نفسي بما يليق بزوجة إمبراطورية". أيها الشقيّ! لقد أحببت إغداق القبلات والعناقات عليك وتهريب الحلوى لك في منتصف الليل! كان ذلك "الوجه الإمبراطوري" مجرد وجه مزيف، لا أنت الحقيقي! أندم على تعليمك استخدامه، أندم حقاً—! تبّاً! سن المراهقة أمر فظيع! إنه يغير الأطفال. أين ذهب الصغير لان الحلو؟ لقد بلغ الخامسة عشرة الآن. وبات يبدو أشبه بأبيه يوماً بعد يوم. وقد لاحظت الآنسات الشابات وسامته وسلوكه دون أي تحريض من أسرهن. وأصبحت النميمة بين دوائر الشابات المؤهلات تدور برمتها حول ولي العهد شديد الوسامة والعبقري. وبالطبع أتابع مثل هذه الثرثرة، وكذلك ابني، لأرى إن كانت أي من هؤلاء الفتيات صالحة لتكون شريكة مناسبة. همم... أشعر بالحيرة بعض الشيء. فرغم كثرة الفضليات اللواتي يمكن الاختيار من بينهن، لا يبدي اهتماماً بأي منهن. والأدهى أنني، أفضل خاطبة في البلاد، أعجز على ما يبدو عن إيجاد صالحة أيضاً. يصعب عليّ جزم ما إذا كان الأمر مجرد أفول طاقتي أم أنه لا يوجد حقاً شريك يناسبه. آمل ألا يكون الأمر كذلك. فقد تسبب البلاط بما يكفي من المشاكل مع جين، فما بالك بما سيفعلونه لو آل المطاف بلان ليكون عنيداً بذات الدرجة؟ ورغم أنني فرضت الكثير عليه، فلن أفرض زواجاً سياسياً خالياً من الحب. أنا أحبه أكثر من أن أفعل ذلك، ولا أهتم لأمر البلاد بما يكفي للتضحية بسعادته الأشد حميمية. ورغم أن لان يشابه جين كثيراً، يقول زوجي إنه يحمل عينيّ. إنهما بنيّتان، وهو لون نادر في أمة عيونها سوداء. وأخبرني أن عينيّ لان البنيّتين هما ما يمنعانه عن خنق ابنه بنفسه. أوه نعم، ما زالا يتبادلان الضربات رغم كل ذلك التدريب. إلا أنهما لم يعودا يفعلا ذلك علناً. بل غدا شجاراً خفيّاً، لدرجة أنني كنت أعجز أحياناً عن تتبع مجرياته. لمَ يستفز ابني أباه؟ أقسم أنهما يعجزان عن التحدث مع بعضهما دون محاولة إحراج الآخر. وحتى لو عجزت عن سبر أغوارهما بعد الآن، فأنا واثقة أنهما لا يكرهان بعضهما. فلماذا يتصرفان هكذا إذاً؟ ربما كانت أمّي الراحلة محقة: إنهما متشابهان لدرجة تسبب صدامهما. أنا ضعيفة الآن. فقواتي التي امتلكتها كروح جبلية قد تلاشت تقريباً. وعليّ الحذر للحفاظ على ما تبقى. بدنياً، أنا أضعف حتى من معظم النساء. أعجز عن المشي طويلاً وأخلد إلى النوم مبكراً فأبكراً كل يوم. ولم يعد بمقدوري إخفاء الحقيقة عن جين. فهو يعلم أن خطباً فظيعاً قد وقع ويضغط عليّ بحثاً عن إجابات. لكنني لا أزال أعجز عن إخباره أيضاً. فمعرفة أنني سأموت، ومعرفة أنه قرار اتخذته دون استشارته... سيحطم قلبه. لذا حتى حين يتوسل، وحتى حين يصرخ، لا أخبره. أكتفي بالابتسام برفق قائلةً إن هذا جزء طبيعيّ من حياتي. أظن أنه بات يكره تلك الابتسامة اللطيفة الآن. والصغير لان... حسناً، لم يعد صغيراً حقاً... يشعر بذلك أيضاً. لقد استشفه قبل جين، لكنّ غياب أي إطار للمقارنة جعله يجهل القلق حتى أوان متأخر. وخلافاً لأبيه الذي يعجز عن سبر أغواري، يستطيع لان سبر روحي وإدراك الأمر لحد ما. إنه يرى روحي وهي تضمحل. ويدرك أنه بالمعدل الذي أسير به، لم يتبقَ لي الكثير من الوقت. والأمر أسوأ بالنسبة له، لأنه يرى ما يعجز أبوه عن رؤيته. أطفالي من الجنيّات قد رحلوا بمعظمهم، ولم يبقَ سوى الأقوياء. إنهم يرتحلون ولا يأتوني إلا حين يستعدون للحلول داخل لان. لا ألومهم على استمتاعهم بحريتهم طالما سنحت لهم. فما من أحد منا يعلم كم من الوقت سيغرقون في النوم. والمثير للاهتمام أن لان لا يدرك أنهم نائمون في جوفه. فهو لا يحسّ بي وأنا أحشرهم في أعماق روحي، رغم أنني أفعل ذلك اعترافاً في الليل حين يكون نائماً وأقل عرضة للانتباه. ومع ذلك، لكنتُ لاحظت لو أن أحدهم حشر هذا العدد من الجنيّات في روحي. فغيابهم يشعرني بالفراغ أصلاً، أفلا يفترض بوجودهم أن يشعره بالامتلاء؟ ألانني كنت أفعل ذلك منذ ما قبل ولادته؟ ربما يظن أن ذلك الشعور جزء طبيعيّ من وجوده. ولكن حينئذ... لم يكن بشرياً بالكامل، فكيف له أن يدرك ما هو طبيعيّ وما ليس كذلك ما لم أخبره؟ بات جين ولاث قلقين للغاية الآن. لقد تقدّم جين في السن بفعل التوتر وظهرت خطوط حول عينيه وفمه، بل بدأ شعره يغزوه الشيب. ورغم تهديداته للأطباء (عذراً أيها السادة، لا ذنب لكم)، فهم يعجزون عن إصلاح علتي. إنه ليس مرضاً جسدياً. لقد جعلتُ جين ولاث يقسمان معاً على اسميهما وحبهما لي بألا يعاقبا أحداً على فشلهم في شفائي. إن جين مستميت بحثاً عن دواء، وهو دواء لن يجده أبداً. وفي محاولة لتهدئة بحثه المسعور، أخبرته بأنه لن يجد علاجاً. ولم يقتصر الأمر على الصراخ في وجهي، بل صاح بغضب. لم أره قط بمثل هذه الشراسة. لقد غضب لاستسلامي دون محاولة. ولم أردّه، كما ربما فعلت في الماضي، فكيف أغضب وأنا أدرك أنه قلق فحسب؟ لم أرد لما تبقى من أيامي أن تمتلئ بالجدال معه. وكان لان مستميتاً كأبيه، لكنّه لكونه أكثر إلماماً، جرب مقاربة مغايرة. لقد حاول ضخ طاقته فيّ. نظرياً، كان يمكن للأمر أن ينجح. ورغم أن طاقته الروحية أصبحت خالصة له تماماً، ظلّ ثمة تشابه غريب في طاقتنا الحيوية. ربما نبع ذلك من كوني مصدر طاقته رضيعاً، أو ربما كانت طبيعة أرواح الجبال أن تتشابه إلى حد ما. لا أعرف، فلم يعد بمقدوري السبر لأتبين. لقد صار أقوى مني بكثير الآن، منافساً قوتي قبل تقمصي جسداً بشرياً. لا يزال أضعف مما كنت عليه في أوج قوتي، لكنّه افتقر أيضاً للجبال ليقتات منها. أتساءل كم ستكون قوته لو استمد طاقته من الجبال؟ إنه قوي جداً الآن... أسيبلغ قوة أخي؟ أم أقوى؟ آه، تساؤلات كثيرة ولن أنال إجابات عنها على الأرجح... قد يكون أضعف من أوجي لكنه ظل قوياً بصورة فظيعة. والحقيقة أن تلك هي المشكلة. فهو يمتلك كل تلك الطاقة ويستخدمها كمطرقة. لقد كدت أقوت مبكراً أول مرة حاول فيها تمرير طاقته إلي. كان الأمر أشبه بحشر رأسي في الماء. الصبي عبقري في نواحٍ عدة، لكنّه يفتقر تماماً لمهارة الدقة. وإنصافاً له، فقد عشت لدهور، وأعرف كيف أبدي براعة ودقة. وابني لا يفعل. حاولت تعليمه كيف يكون... رقيقاً... لكن ما بدا سهلاً بالنسبة لي كان عسيراً حقاً عليه. كما أنني واهنة جداً الآن، لذا لم يستطع إحساس لمساتي الروحية التي توجّهه... إحساساً حقيقياً. ولو ضربنا الماء مثلاً، لكان الأمر كقطرة في بحر. إنني أتأمل نفسي. وحين شرعت في إطلاعه على ما ينبغي فعله، لم يخطر ببالي أنني قد... أكون... عجوزاً. فالخبرة تعني الكثير، حتى للروح. كل ما فعلته، نسيت أنني لم أكن أجيده ذات يوم. وكل ذلك الوقت أتاح لي صقل قواها حتى الكمال. إن محاولة تعليم شخص آخر شيئاً نسيت أنا شخصياً كيف تعلمته أمر بالغ الصعوبة. ولم أجد متعة في إخباره أنه حين يدرك ما كنت أحاول تعليمه إياه، سيكون الأوان قد فات. شعر لان باحباط شديد جراء موقفي، فصاح في وجهي لعدم بذل جهد أكبر! يا للهول، لقد صرخ في وجهي كل من زوجي وابني في الأسبوع ذاته! إنهما متشابهان حقاً... أنا أحبهما معاً، حباً جماً. حتى حين يصرخان في وجهي. فصراخهما يخبرني أنني على قيد الحياة. سيبلغ لان العشرين قريباً. كنت أمل أن أعيش لفترة أطول قليلاً من هذه، لكن حشر أقوى الجنيّات في لان العام الفائت كان أكثر إرهاقاً مما توقعت. لقد خُزّنوا جميعاً بأمان وهم نيام. إنه ممتلئ روحياً ودون أدنى فكرة. ولسبب ما وجدت تلك الصورة مسلية للغاية. لم أعد أنهض. لقد لزمت الفراش لعام كامل الآن. أنام معظم النهار. لقد عفا الزمن على حنيني لمغادرة القصر، فجل ما أحن إليه الآن هو مجرد مغادرة غرفتي. أنا مرهقة طوال الوقت. مهما نمت، لا يكفي أبداً. مرهقة جداً... مرهقة جداً... أواني قد اقترب. أشعر به كلما غفوت. وتتوق روحي للتحرر من هذا الجسد، لترتاح حقاً. لكنني سأبتssل طالما استطعت. أعلم أن ثمة أناساً سيفتقدونني. جين. لان. وآخرين كثر. وحتى أخي الذي تقطعت السبل بيننا. كل ما كتبته هو من أجل ابني العزيز، شو لان جينغ. لكن ذلك الشقي، أتصدقون أنه نسي أصولي برمتها؟ لم أكن متأكدة في البداية، لكنه حين أتم الثامنة عشرة أتى عرضاً على قصص ما قبل النوم التي سردتها عليه طفلاً، متحدثاً بمودة عن إعجابه بـ"حكاياتي الخرافية". لقد استشطت غضباً. فقد ظن أنني كنت أسرد عليه حكايات خيالية عن أماكن نائية لتسليته! كان الأمر خطيراً! فمن أكون هو من يكون... إن عجز عن تقبل ماضيّ، فكيف سيتقبل مستقبله؟ وماذا عن أولئك الجنيّات النائمات؟! إن كان لا يؤمن بوجودهن من الأصل، فكيف سيوظفهن! شرعتُ فوراً في تصحيح مفهومه. وكلما زارني، إذ كنت طريحة الفراش معظم الوقت بحلول تلك المرحلة، أثرت الموضوع. في البداية استمع وظننت أنني ربما أفلحت في إيصال الفكرة. لكن بعد ما يقارب عاماً من حديثي، أخبرني بحزم أنه أكبر من أن يصدق تلك الأكاذيب التي سردتها عليه طفلاً. وبأنه قادراً على مواجهة واقع العالم دون حكاياتي الخرافية لتساعده. ... أيها الصبي، لقد غرقْتَ حتى أذنيك في الجنيّات وأنت طفل! أتظن أن كل ذلك كان تخيلاً طفولياً أحلامياً؟ لقد حدث حقاً! والآن أنت ممتلئ حتى حافتك بالجنيّات في الداخل! لذا لا تحدثني عن الحكايات الخرافية، فأنت حكاية خرافية — بساقين! سأنال ثأري في النهاية! لقد عُدت وأضفت التفاصيل اللذيذة من علاقتي بجين لأجعله يشعر بالحرج. هه! اعتلِ أيها الصبي! اعتلِ! ستطالع أشياء كنت تتمنى لو أنك لم تعرفها قط! حاولت تجنيد جين في مسعاي لتصحيح سوء فهم ابني. لقد خبا غضبه حيال استسلامي وحل محله خوف متنامٍ من صدق توقّعاتي. وصار يراعي مشاعري الآن، مقضياً معظم وقته هامساً بكلمات العغو في أذني ومُلبياً أي طلب أطرحه عليه. وحين شرح جين لان أنني لم أكن أسرد حكايات خرافية، تحول الأمر بطريقة ما إلى شجار بينهما. كان حريّ بي توقع ذلك. وبحسب ما نُقل لي، إذ لم أكن حاضرة، ظن لان أن أباه قد جُنّ من هول الحزن على الحتمية القادمة لدرجة تصديقه أوهامي كحقيقة قائمة. وإن كان جين سيتمادى إلى هذا الحد، فمن الأفضل له التقاعد، وترك ابنه يتولى الزمام، وقضاء الوقت معي خلال أيامي الأخيرة. يا لها من قسوة تُقال في وجه أبيه. متى صار لان بارداً إلى هذا الحد؟ بدا أن الوجه الإمبراطوري الذي أتقنه طفلاً قد غدا وجهه الحقيقي الآن. لو علمتُ أن هذه ستكون النتيجة... ...لقد فات أوان الندم. لا أستطيع إصلاح ما اقترفت. لم يبقَ لدي وقت ولا طاقة. ورغم ذلك، أعجز عن منع نفسي عن الشعور بالأسى لذاتي، ولجنيّاتي، ولابني. يا لها من غلطة غبية ارتكبتُها، مع علمي التام بمدى تشربه للعالم المحيط به. لان... لان الصغير... أنا آسفة لفرضي عليك أن تشبه الآخرين. أتسامحني؟ وحين تعيش زمناً طويلاً جداً، أستتذكر أمّك بمودة رغم الأخطاء التي ارتكبتها في تربيتك؟ ... الأمس كان عيد ميلاد لان العشرين. وطاقتي المتبقية، سخرتها لأقف وأتحدث وأكون حاضرة في حفله. وقلق كل من الزوج والابن، لكنني تصرفت بطبيعية تامة. وكأني لم أكن مريضة لبرهة فقط. لكن اليوم هو اليوم الأخير. لان، ابني الحبيب. ولدي الصغير. عبقريّ الأحمق. ليتني لم أضطر لمفارقتك، لكنني أفضّل مفارقتك على ألا لو كنت وُجِدت من الأساس. ذكّر أباك بأنني أحببته حتى النهاية. وألا يُطيل الحداد عليّ. يمكنه الزواج مجدداً إن شاء. أو لا يفعل. أياً كان ما سيجلبه السعادة. فقط لا تدع تلك الهوة السوداء في قلبه تتسع أكثر مما تفعل أثناء مرضي. وماذا لو ابتلعته، وذهب إلى حيث يذهب الرجال الأشرار بعد موتهم؟ لا أحتمل مجرد التفكير! احمِ أباك قدر المستطاع، يا لان. فهو ليس محطماً رغم هيئته أثناء الجدال معك. فموتي سيحطمه. كُن هناك للمساعدة في إعادة تلملمه. فأنت كل ما يمتلك، فابذل قصارى جهدك. إن تجاهل مساعيك، فلن ألومك. البشر ممتعون لأنهم قد يكونون نوراً أو ظلاماً. أمل ألا يهوي جين في الظلام... لكن إن انعدم الخيار، فلن يكون هو نفسه. لكن إياك أن تخبر أباك بهذه الرسالة، أو المذكرات، أو أياً ما ترغب في تسميتها. ليس قبل أن يتخطى مرحلة لوم نفسه، حيث يكفّ عن لومك. حيث يستطيع الحزن بلا مرارة أو غضب. حينئذ فحسب، يُسمح له بقراءتها. يجب أن يكون جلياً في هذه المرحلة، يا لان، أن لوم نفسك على موتي أمر محظور تماماً. لا أعرف إلى أين تذهب الجنيّات، وإلى أين أذهب أنا عند الموت. لكنني واثقة من أنني إن شهدت لومك لنفسك، فسيبلغني الأمر بطريقة ما لأجهش بالبكاء. ألا تحب ألا ترغب في رؤية روح أمّك تبكي فوقك؟ لذا إياك ولوم نفسك! ابتهج بأنك على قيد الحياة، يا معججتي، ويا صغيري لان. لم أندم على أي جزء من حياتي، حتى الأخطاء. ليس حتى النهاية. فكوني مع جين، أباك، وكوني معك... كان كله ممتعاً، وشائقاً للغاية. لقد عشت حياة طيبة. لان، حتى لو لم تصدق أي شيء آخر مما خطبته، فصدق هذا: لدي شقيق في أقصى الشرق يعيش في الجبال الزرقاء. ولا تظهر الخرائط في هذا الطرف من العالم مواقعها. لكنها أكبر سلسلة جبال في القارة، ولا يمكن أن تخطئها. ارتحل شرقاً، وزر أخي. أبلغه أنني أحبه. وأخبره أنني لست غاضبة منه. فكل ما حدث، من جانبي، مغفور. ولو لم يطردني، لما التقيت بجين قط ولا رُزقت بلاني العزيز الظريف، ولا التقيت بكل أولئك الرائعين أو خضت كل تلك المغامرات. كيف لي أن أبقى حاقدة؟ وسأكون ممتنة، إن قصدت الجبال الزرقاء، لو نسخت هذه ووضعتها في كهف المسافر لحفظها. فتاريخي المكتوب بأسره هناك، وسيكون الأمر بالغ الإحباط لو خلت من الخاتمة. فكيف لأي متجول ضال احتمال قصة بلا نهاية؟ لم يبقَ ما يقال، سوى هذا: أحبك.