إمبراطورة جبل الزهرة الزرقاء الفصل 7

اقرأ إمبراطورة جبل الزهرة الزرقاء الفصل 7 باللغة العربية على مانجا تايم.

مرّت عشرون سنة فصار الناس ينظرون إلينا برهبة وخوف. لم نكَد نتقدم في السن أبداً، بينما تقدّم الجميع في العمر كثيراً. تغلّب الخوف على صواب عزم بعضهم فحاولوا اغتيالنا. لم تكن لهم فرصة نجاح قط بين أجسادنا التي تبدو غير قابلة للتدمير وشبكة معلومات جنّيّاتي. عندما أكمل جين ثلاثين سنة في الحكم، نجحت عائلة الأمير المغضوب عليه في جمع عدد كافٍ من الناس لبدء تمرد. أحسب لهم حساباً واحداً، لقد عرفوا ألا يهاجمونا مباشرة. حاولوا بدلاً من ذلك النيل من قاعدة دعمنا. أشبه شيء بأسلافهم. أخشى أنهم نجحوا في قتل بضع نفر قبل أن نتبين مجريات الأمور. فمجرد امتلاكي للجنّيّات لا يجعلني محيطة بكل شيء وعليمة بكل خافية. إذا لم أعرف بأن مشكلة توشك أن تشتعل، فكيف لي أن أوقفها؟ هذا ما حدث باختصار. يا للضجر. كانت إمبراطوريتهم هذه تزدهر ازدهاراً عظيماً حتى إن الدول الأجنبية كانت تتوسّل لعقد التحالفات. ولأن الإمبراطور أبى الزواج ببناتهم، اضطروا إلى إيجاد سبل أخرى. استسملت لنا قسراً دولتان صغيرتان على الأقل مطالبة إيانا باتخاذهما أقاليم تابعة. كانت تلك إحدى المرات القليلة التي أُخذ فيها جين على حين غرة حقاً. لم يُسمح له بالرفض، فانتهى به الأمر إلى توسيع إمبراطوريته بغض النظر عن رأيه في الأمر. ومع ذلك، وعلى الرغم من رغد العيش الذي نعم به الجميع، ظلّ هناك أناس يرفضوننا. كان شبابنا الأبدي الظاهري كفيلًا بإشعال جذوة الكراهية. الحسد والغيرة الممزوجان بالخوف أمور بالغة السوء. لا عجب إذن في أن ممارسي الفنون الغامضة لا يحبون الحكم. إنه لعناء شاق حقاً. أخمدنا التحرّك المسلّح، لكننا حرصنا على أن يتمّ ذلك على مرأى من الناس جميعاً. كان مهماً أن يدرك القوم لأجيال عديدة ألا يرتكبوا مثل هذه الحماقة مستقبلاً. جُردوا من ألقابهم ووُزعت ثرواتهم على آخرين. أُحرقت منازلهم حتى صارِت رماداً، حتى تلك الواقعة في قلب العاصمة نفسها. أُعدم كل من تورّط في الأمر علناً، بما في ذلك عائلاتهم. كان هناك أمر واحد طلبته من الإمبراطور. أن تُسلمني كل ذراريهم ممن بلغوا الثانية عشرة فما دون. لم يُعجب الإمبراطورَ طلبي هذا، إذ بدا قريباً الشبه بما فعله جده، لكنه سمح به في النهاية. مَثُل كل طفل أمامي. لقد خبت قواي إلى حد ما بعد المكوث طويلاً في جسد بشري، لكنني ما زلت قادرة على استشعار الخير والشر في النفوس. الأطفال الذين بدا جليّاً أنهم أبرياء أو قابلون للإصلاح، أبقيتُهم. أما اولئك الذين تدنسوا حتى انعدم الأمل منهم، فبعتهم رقيقاً عبر الحدود. سواء عاشوا أم ماتوا، آثرت ألا أهتم. لم يكن عدد الأطفال الأشرار كبيراً. ولم يفاجئني أبداً أن أسوأ المذنبين كانوا أحفاد ذلك الأمير الحقير المغضوب عليه قبل كل تلك السنين. لقد كان مذهلاً حقاً كيف استطاع قلبه القبيح أن يُفسد أجيالاً عدة من عائلته. بات لدي الآن أطفال كثر في عهدتي. قياساً بالتمردات، كان التمرد صغيراً نسبياً. لكن الصغير يضمّ مع ذلك مئات الأشخاص. وهذا يعني مئات الأطفال. فما العمل بهم جميعاً؟ الأقل مهارة والبسطاء منهم درّبتهم ليصبحوا خدمًا. وزّعتهم في عائلات كريمة ذات سمعة طيبة. أما الأكثر مهارة فقرنتهم بعائلات نبيلة رفيعة ومنخفضة بصفتهم أبناء وبنات بالتبني. أما الأطفال الأفضل، الأذكى والألطف والأكثر مهارة، فاحتفظتُ بهم لنفسي بأنانية. كانت صديقاتي قد تزوجن منذ زمن بعيد وأنجبن أطفالهن. وأصبح لأطفال أطفالِهن أطفالٌ الآن. كنت الوحيدة التي بلا طفل. كنت أغبطهن. أغبط الضحكات والبكاء وحتى نوبات الغضب. رغم أنني امتلكت كل شيء، لم أمتلك ذلك. وكنت أتوق إليه بشدة. كان هناك ستة أطفال تتراوح أعمارهم بين ثمانية أشهر وسبع سنوات. قيل لهم إن والداتهم قد ماتوا دون توضيح الكيفية، وأنهم باتوا الآن في رعاية الإمبراطورة. أُبلغوا بالخبر وكأنما هو نبأ حسن وأنهم محظوظون للغاية. لكنهم بطبيعة الحال كانوا ضائعين وحائرين وحزينين للغاية. ملّتني جنّيّاتي على مر السنين، فصاروا لا يمرّون إلا لتمرير المعلومات قبل الرحيل. لكن الآن، وقد صار لدي ستة أطفال صغار في القصر، بات لديهم سبب للبقاء. كانت الجنّيّات هنّ ما أعاد البسمة إلى وجوه أولئك الأطفال، لا أنا. لقد حاولت بمفردي، لكنني كنت إمبراطورة. أرتدي مثلها وأتكلم مثلها، وهذا ما جعل مهابتي تُرهب من حولم رغم قصارى جهدي. لكن الجنّيّات كن مرحات وسخيفات ومستعدّات أيضاً لتقديم العزاء في ساعات الليل الهادئة حين لا يكون أحد غيرهن حولهم. تحمّل جين الأطفال. لم يرقْه أنهم يأخذون من وقتي، مما جعله يشعر بالإهمال. ورغم أنه دللني طوال السنين، إلا أنني دللته أيضاً. انظروا أي طفل عاقّ أصبح! لم أكن ملكاً له كقطعة متاع، فلي حياة أيضاً! أجبرت جين على الاختلاط بالأطفال والتعرّف إليهم. كانوا أطفالاً طيبين جميعاً. وكيف لا يكونون كذلك؟ فلم يسبق لحكمي على الطبائع أن خاب. ومع نموهم، لن يقتصر الأمر على جلب استقرار إضافي للبلاد، بل سيكونون أوفياء لجين. إن الاستثمار فيهم ومساعدتهم على النمو يعود علينا بالنفع وحده. بعد بضع سنوات، لان قلبه. بلغ الولد الأكبر الخامسة عشرة فمنحه جين لقب الأمير الثالث. ضجّت البلاط والبلاد حماسة. كانت هذه المرة الأولى التي يكلف فيها إمبراطورهم نفسه عناء التفكير في الورثة المستقبليين. وحتى لو كان الأمر غير مألوف تماماً، ومرتبتاً بالمركز الثالث فقط، فقد بات لديهم الآن اطمئنان بأنه إن حدث شيء للإمبراطور شو، فسيكون هناك أمير لتولّي الزمام. كل طفل من الأطفال، حين يبلغ الخامسة عشرة، يُمنح لقب الأمير الثالث أو الأميرة الثالثة. ويُمنحون قدراً عظيماً من الحرية، على الرغم من كونهم أمراء وأميرات إمبراطوريين. أيّ شيء أرادوا فعله، سُمح لهم بفعله. وحينئذ، حملتُ من جديد. حدث الأمر كل عام تقريباً، لذا لم أعرِ الأمر اهتماماً كبيراً في حينه. لكن هذا الحمل استمر لفترة أطول من سابقاته، فاشتعلت في صدري بصيص أمل. عند علامة الشهر الثالث، شعرت وكأن شيئاً يتسرب مني وأصبحت أشعر بالإפיاع تعبة طوال الوقت. وعلى الرغم من تأكيداتي بأن كل شيء على ما يرام، قلق الجميع. كان يُعظّم أمر الإمبراطور ومثلي على أنهما خالدان في هذه المرحلة، وبدأت فكرة وجود أي نوع من العلل البدنية التي تصيبنا صادمة. كان جين أسوأ القلقين على الإطلاق، لدرجة اضطرني إلى الاختباء عنه حفاظاً على سلامة عقلي. نظرتُ عميقاً في داخلي، نحو هذا الطفل النامي، لأرى ما يحدث. لقد فهمت الحمل المبكر بطريقة لم يفهمها أحد غيري في العالم بأسره في هذه المرحلة. كنت أعلم أن الجنين يستمدّ العناصر الغذائية من جسد الأم وكان ذلك طبيعياً. كان هذا الطفل يفعل ذلك، لكنه كان يفعل شيئاً آخر أيضاً. كان يمتص طاقتي الروحية أيضاً. ولم يكن يمتص النذر اليسير فحسب، بل كان حبة فول جشعة. كان يستهلك كميات هائلة من قوتي كل يوم. لا عجب إذن أنني كنت متعبة! غطيت وجهي وبكيت بمرارة عند إدراك الحقيقة. عرفت الآن سبب موت أطفالي جميعهم. كانت أجسادهم مزيجاً نقياً من شو فو جين ويا شيولان، لكن أرواحهم كانت كأرواح المواليد الموتى. كانت أرواحهم شبيهة بروحي، غير بشرية، وقد أدى انعدام مصدر الطاقة إلى قتلهم فوراً. لقد احتاجوا إلى جسد يستطيع استمداد الطاقة والجبال لإبقائهم، لكنني لم أكن قريبة من الجبال. وكانت أجسادهم بشرية بحتة، مُصممة لأرواح بشرية. أعتقد أن السبب وراء نجاة هذا الطفل هو أنه لم يكن مزيجاً مثالياً بين شو فو جين ويا شيولان. بل كان مزيجاً من جين وشيولان وشويينغ. يمكن القول إن فيه من ينغ أكثر مما فيه من لان، على ما أظن. لقد جعل ذلك جسده البدري شبيهاً ببعض الشّبه بأطفال جنّيّاتي. وبفعله ذلك، سمح له بامتصاص الطاقة مني مباشرة بدلاً من الاستعانة بمصدر جبلي غير موجود. كانت فرصة نجاة هذا الطفل عالية بسبب عيب ولادته، لكن الثمن كان باهظاً. إن استمر بهذا المعدل والسرعة، فسأكون فارغة تماماً تقريباً بحلول وقت ولادته. وإن كنت محظوظة وحذرة، فسأحظى برؤيته يبلغ الرشد قبل أن تفقد روحي قدرتها على البقاء متماسكة. باختصار، سأموت. يمكنني قطع دابر الجنين الآن واستعادة الطاقة الممتصة. كانت روحه بسيطة وعديمة الدفاع، ولن يكون الأمر عسيراً. لكنني... أنا... كيف لي أن أقتل طفلي؟ ضربني السؤال بحزن عارم لدرجة أنه أصابني بالمرض فعلاً. أُصبت بحمى ولم أستطع مغادرة الفراش لأسبوع كامل. أخبرت جين أن المشكلة ليست مرلًا بدنياً، لكنه استدعى الأطباء الإمبراطوريين على أي حال. لم يكونوا أفضل أطباء في الأمة من فراغ، فقد استبانوا فوراً أنني حامل. وحين رأيت الإدراك يومض في أعينهم، أمسكتهم بقبضة حديدية وهززت رأسي. يجب ألا يخبروا جين قبل أن أحسم أمري بشأن الاحتفاظ بهذا الطفل أم لا. بدا جلياً أنهم لم يرضَوا عما طلبت منهم فعله. طلبت من الجميع مغادرة الغرفة سوى الأطباء وتحدثت إليهم. وما إن ذكرت إجهاضاتي السابقة حتى فهموا. إن أخبروا الإمبراطور بأنني حامل، ومات الطفل ككل من سبقوه، فسيكون ذلك سيئاً للغاية. مع ذلك، اعتقدوا أن الطفل هو سبب حمّاي. وبعد بعض النقاش، قرروا معالجة الحمى والحمل، لكنهم كذبوا جهاراً على الإمبراطور في هذا الشأن. وهذا تماماً ما فعلوه، بوجوه جامدة تملؤها الحيرة. أبلغوا الإمبراطور بأنني أجهدت نفسي مؤخراً، مما تسبب في الحمى. وإن أنا استرحت وتناولت الدواء الذي أعطوني إياه، فسأتحسن بالتأكيد. لم يكن الإمبراطور واثقاً من دقة هذا التشخيص، لكنه وافق لعدم وجود بديل أفضل لديه. لن أثق بطبيب أبداً بعد الآن. بمقدورهم الكذب كأبرع المحتالين... بعد أسبوع، حسمت أمري. وما إن اتخذت قراري حتى انكسرت حمّاي. ومع ذلك، أصرّ الأطباء على إرغامي على تناول دوائهم. كان طعمه مقرفاً وما زالوا يجدون خلطات جديدة ليقدموها لي. جدّاً، لا تثقوا بالأطباء. يقولون إنهم يشفونكم، لكن الواضح أنهم يحاولون تسميم الجميع بخلطاتهم المقززة. سأحتفظ بهذا الطفل. لم يكن قد وُلد بعد، لكنني أحببته بالفعل. أحببته أكثر من حياتي. وحتى في غضون أسبوع، نما جسده الصغير وروحه وأصبحا أكثر تعقيداً. ورغم أن لدي أطفالي الجنّيّات، فإن هذا الشعور بالأمومة كان مختلفاً تماماً. لم يكن مجرد جزء ضئيل من جين يجري في عروقه، بل كان هناك جزء مني أنا أيضا، شوي. صُنعت الجنّيّات بيدَي. كان لكل منها غرض وخطة. لكن هذا الطفل كان مزيجاً عشوائياً تماماً من أشياء شتى. حتى في شبهه بي، لم أستطع حتى البدء بتخمين كيف سيكون، فكل يوم يحمل شيئاً جديداً. كان لغز وجوده عجيباً. أكثر ما صادفته إثارة للاهتمام طوال وجودي. إذ استراح ضميري، أخبرت جين أخيراً. ظنّ في البداية أنني أروي مزحة سمجة. أظن أنه، بعد ثلاثين سنة من الزواج، تخلى عن أي فكرة في أن يصبح أباً. لقد رسخ في ذهنه استحالة الأمر لدرجة تعذر معها عليه تخيل أي سبب آخر لقولي تلك الكلمات سوى المزاح. شَعرتُ بشيء من الاستياء فطويت الموضوع. في اليوم التالي، ذهبت إلى الأطباء الإمبراطوريين وأجريت فحصاً شاملاً لنفسي. ثم تحدثت إلى الخصي الأكبر، وأقسمته على كتمان السر، ورتبتُ للأطباء لكي يدخلوا ويعلنوا الخبر أمام البلاط الإمبراطوري بأكمله. أيجترئ جين عندئذ على الإيحاء بأنني أمزح؟ كان من المعجزات ألا يكتشف جين الأمر قبل الإعلان الرسمي. ورغم أن الخصي الأكبر وعد بعدم الإفصاح عن شي، إلا أنه كان طافحاً بالحماس والسعادة. ظل يلمح طوال اليوم لإمبراطور بشأن الأمر. كان البلاط الإمبراطوري مخصصاً للرجال فقط بحسب العرف، لذا لم يكن مسموحاً لي رسمياً بالتواجد هناك. تسللت اليوم بمساعدة بعض المسؤولين الأصغر سناً واختبأت في الزاوية. لم أستطع حضور زفافي، لكنني عزمت عزماً تامّاً على حضور الإعلان الرسمي لطفلي. قبيل أن يهمّ الإمبراطور شو بصرف البلاط لليوم، تقدم الخصي الأكبر خطوة. "ليحيَ جلالة الإمبراطور إلى الأبد!" نطق بها بصوت عالٍ ومجلجل يسمعه الجميع. "يعلن هذا الخادم الحقير وصول الأطباء الإمبراطوريين إلى البلاط الإمبراطوري. أيها الحراس، اذنوا لهم بالدخول!" فوجئ الجميع، بما في ذلك الإمبراطور شو، بالمقاطعة المفاجئة لروتينهم اليومي. فتح الإمبراطور شو فاهه ليسأل عما يدور، لكنه توقف حين استدار الخصي الأكبر مفاجأة وانكبّ على ركبتيه ويديه، محنياً رأسه حتى الأرض باتجاه العرش. "يسترحم هذا الحقير عفو صاحب الجلالة الإمبراطورية. الإمبراطور شو، أرجو أن تنصت جيداً إلى الأطباء الإمبراطوريين. إنهم يحملون إليك أموراً جلل يجب التعامل معها فوراً." وبما أن الخدم الإمبراطوريين لم يكونوا ليتحدثوا أولاً أبداً إلا لعمل أو في حالات الطوارئ، فلم يملك الإمبراطور شو والمسؤولون إلا الاعتقاد بأن الأمر طارئ. بدت التوترات على وجوه الجميع بينما كان الأطباء يدخلون. نادراً ما يرتاد الأطباء البلاط الإمبراطوري، لذا ورغم الأخبار الطيبة التي يحملونها، لم يستطيعوا منع أنفسهم من تبدو عليهم علامات التوتر. وقد جعل هذا المسؤولين والإمبراطور أشد قلقاً بطبيعة الحال. يا ترى كم كانت الأخبار سيئة ليحضروا هكذا؟! في زاويتي، كنت أفعل كل ما في وسعي كي لا أضحك. تستحق ما جرى لك يا جين لعدم تصديقك زوجة ثلاثين سنة حين تحمل لك خبراً ساراً كهذا! وما إن وقفوا أمام الإمبراطور حتى انحنوا بعمق بطبيعة الحال، متمنين له الطول العمر والرفاه. وحيث إن التحدث بغير إذن يُعد سوء أدب، فقد انتظرا منحنيين إذن الإمبراطور. قال الإمبراطور شو مستعجلاً بعض الشيء وبحدة فاقت المعتاد: "تكلّما." تقدم الطبيب الأكثر خبرة خطوة ورأسه لا يزال منحنياً: "يرغب هذا الطبيب الإمبراطوري في إطلاع صاحب الجلالة الإمبراطورية على صحة زوجته." شحب وجه الإمبراطور شو خوفاً. ألم تتحسن إمبراطورته للتو ليفاجأ بهذا الآن؟ وبصوت مرتعش، أمر الإمبراطور شو: "أحسناً كان أم سيئاً، فاعلم أن هذا الإمبراطور لن يعاقبك. إذن قل لهذا الإمبراطور الحقيقة، ولا تترك شاذة ولا فاذة!" "بالتأكيد يا صاحب الجلالة! يودّ هذا الطبيب إعلامكم بأننا أجرينا فحصاً شاملاً لقرينتكم الإمبراطورية بالأمس. ولقد اكتشفنا علة شعورها المستمر بالتعب وحماها الأخيرة. وقد بدأ الأمر، وإن كنا لا نستطيع سوى التخمين، منذ نحو أربعة أشهر." "أ-أربعة أشهر؟" كان قناع الإمبراطور شو يتساقط ليظهر وجه جين الحقيقي. "حسناً، لا تقف هكذا فحسب، أخبرني — هذا الإمبراطور، هل هناك علاج؟" "يؤسف هذا الطبيب إعلامكم بأنه لا يوجد علاج." "ماذا." وقف جين مستقيماً. ومما حسن الحظ أنه لم يكن يرتدي ذلك التاج المربع الأحمق، وإلا لطار عن رأسه فوراً. "ماذا تقصد بعدم وجود علاج؟! لابدّ من وجود علاج! لماذا أدفع لكم أيها القوم إذن إن لم يكن هناك علاج؟! سأطرد آخر فرد منكم إن لم تشفَ زوجتي!!" لاحظ جميع الأطباء التهديد. لقد قال الإمبراطور بوضوح، قبل دقيقتين فحسب، إن قول الحقيقة عواقب له بلا عقاب. وأدركوا الآن ألا يصدقوا حرفاً مما يقول عندما يتعلق الأمر بزوجته. تنحنح الطبيب الإمبراطوري المتكلم وقال ببعض المرح: "معذرة لجرأة هذا الطبيب، لكن الإمبراطور شو، لا يوجد علاج لعدم الحاجة إليه. كل ما تحتاجه هو الوقت فحسب." "أه؟" رمق جين الطبيب بنظرة بلهفاء. "الإمبراطور شو، نودّ نحن الأطباء الإمبراطوريين أن نكون أول من يهنئ صاحب الجلالة الإمبراطورية على أبوته الوشيكة." انحنى الأطباء جميعاً مرة أخرى، قائلين بصوت واحد: "التهاني والتبريكات للإمبراطور ومولوده البكر! ليحيَ الإمبراطور! لتحيَ الإمبراطورة! ليحيَ الطفل الإمبراطوري!" انفجر البلاط الإمبراطوري بأسره في خليط من الهتافات والمحادثات الحماسية. بل إن البعض بكى. لم يتوقع أحد هذا الأمر، لا سيما بعد مرور ثلاثين سنة. وجد الأطباء أنفسهم محاطين ومحاصرين بالأسئلة. وقف جين مكانه منتصباً كالسهم، متوسعة عيناه لدرجة جعلتني أتسااءل عما إذا كانتا ستسقطان. حاول بعض مسؤولي البلاط تهنئته، لكنه كان يتجاهلهم جلياً. أطلقت ضحكة خفيفة مستمتعة بالعرض. وفي اللحظة التي فعلت فيها ذلك، رأيت رأسه يلتف بقوة ناظراً مباشرة إلى الزاوية التي كنت أختبئ فيها. ضاقت عيناه وانطبقت شفتاه في خط مستقيم صارم. يا للهول. لقد أُمرت! أكان يملك أذني كلب أيضاً؟! تراجعت على عجل. سمعت خلفي صيحات مفاجئة فالتفتُّ ورائي. لم يكلف نفسه عناء صرف الحضور رسمياً بل قفز من على منصة العرش، من فوق رؤوس الجميع، مباشرة نحوي. زدت من سرعتي. إن أُمسك بي في البلاط الإمبراطوري فلن أسمع نهاية لهذا الأمر. كون المرء إمبراطورية لا يعني عدم جواز توبيخه، وكان جين بارعاً جداً في التوبيخ للأسف. لو تمكنت من الجري بكامل سرعتي لنجوت. فأنا أقوى منه، أو هكذا كنت، لكن حملي أعاقني بشدة. خرجت من قاعة البلاط إلى الرواق قبل أن تضربني موجة من الإرهاق. تعثرت، وشعرت بدوار مفاجئ، فمددت يدي لأستند إلى الجدار. أمسكني ذراعان من الخلف وثبتاي. "هل أنت بخير؟" "أه، شكراً لك. سأكون بخير بعد قليل. يحدث هذا أحيانًا الآن." تحرك جين إلى جانبي وحملني فجأة بين ذراعيه كالعروس. "يا للهول!" "إذن لم تكن مزحة." "لا يمكنك أن تظن أنني —" "كلا، كلا. الأطباء ليسوا حمقى ليكذبوا كذبة كهذه أمام الجميع." توقف مطولاً، ناظراً إليّ. "كان بإمكانك جعلهما يقابلانني على انفراد..." أبديت تبرماً. "هذا جزاء من لا يصدقني في المرة الأولى." "أنتِ —" نظر إليّ باستهجان للحظة ثم ضحك. "أه، لا بأس. سأعفو عنك اليوم لأن الخبر كان ساراً." "هل أنت سعيد؟" نظرت إليه، بشيء من التوتر لسبب عجزت عن تفسيره. انحنى جين واصطدمت جبهته بجبهتي. "بالتأكيد، أيتها المرأة الحمقاء. كيف لا أكون؟ لقد يئست من الفكرة منذ سنوات. حين أحضرتَ أولئك الأطفال الخونة إلى القصر، ظننت أنكِ استسلمتِ أيضاً." كان يمشي حاملاً إياي بين ذراعيه، وكأن وزني لا يزيد عن وزن قطة. وكان الخدم يختلسون النظر إلينا من طرف عيونهم بحماس. الأخبار تسري بسرعة في القصر. توسدت صدره وهمست: "أنا آسفة." "لأجل ماذا؟ لا يمكنك التخلص من هؤلاء الأطفال الآن، إن كان هذا ما يدور برأسك. لقد تعلقت بهم." "أه أنت." صفعته بلطف. "قصدت تأخري في إنجاب طفل لك." ساد صمت لبرهة ثم تلوى: "أوهل كان ذلك بيديك من الأساس؟" ترددت، غير واثقة من كمية ما يجب عليّ كشفه. إن أخبرته بأن هذا الطفل سيقتلني، فأظن أنه سيكرهني على إجهاضه. وحتى لو عارضت، فسيحقق ذلك بالخداع. كان حبّه لي خطوة واحدة تفصله عن الجنون. إن دفع بالاتجاه الخاطئ، فسيهلكه ويقوده إلى الجنون. تماماً مثل أخي. ما الذي بي يجعل الرجال الذين أحبهم ينجنون ببطء؟ ... لا أستطيع إخباره. أنا آسفة يا جين، أعلم أن هذا قاسٍ. أعلم حقاً، لكنني لا أستطيع قتل طفلي. هناك ملايين البشر، لكن لم يكن هناك سواي أنا وأخي. ستكون هذه المرة الأولى التي يوجد فيها فرد منا آخر في هذا العالم. إنه طفل شي حقاً، لا أستطيع السماح له بالموت. "ليست بيدي حقاً، ليس تماماً." اعترفت أخيراً، شاعرة ببعض الذنب لإطلاق الكذبة. رفعت بصري، موسعة عيناه لأبدو بريئة. "جين، هذا الطفل مميز. إنه... إنه معجزة. أنت تعلم كم مرة أجهضت. حتى أنا ظننت أنني لا أستطيع الإنجاب." "إذن لمَ تعتذرين؟" "..لا أعرف... أظنني شعرت بالسوء فقط لأن الجميع أراد منك أن —" "اسمعيني الآن، بلا حديث فارغ هكذا. إن كان بإمكاني الاختيار بينك أو بين طفل، فسأختارك دائماً. وإن توجّب عليّ الاختيار بينك وبين الأمة، فسأختارك. كل مرة. لذا لا تستمعي لمن يظن أن قيمتك تقتصر على إنجاب الأطفال. أنتِ أغلى بكثير من ذلك. أمفهوم؟" رسمت ابتسامة ضيقة على تطميناته وأومأت برأسي. كانت فكرة عدم إخباره سديدة. لكان حتماً أرغمني على الإجهاض لإنقاذ حياتي. "همم... قلت إنه (ولد)، أأنت متأكدة أنه صبي؟" "أه، أنا متأكدة!" شعرت بقلبي يخف لشيء حقيقي ورائع. "سيكون صبياً صغيراً بالتأكيد، وأنا واثقة أنه سيشبهك." قطب حاجبيه، مبدياً خيبة أمل طفيفة. "لكنني كنت أودّ لو أن فتاة صغيرة تشبهك..." ضحكت، "لا تدع المسؤولين يسمعونك تقول ذلك، ستجعلهم يبكون." لم يكن حملي يسيرًا. صرت أضعف فأضعف مع مرور كل يوم. بذلت قصارى جهدي لإخفاء الأمر، إذ إن جين سيقلق وربما يبدأ في ارتياب شي. ومع ذلك، كنت أنام لفترات أطول وأتعب بسهولة. جعلني جين أزور الأطباء كل أسبوع، كإجراء وقائي وقلق عام وليس لأجل شيء محدد. أكد لي الأطباء أن إجهادي أمر طبيعي. ولو كنت فتاة بشرية عادية لكان كذلك، لكن إجهادي كان ناشئاً عن تعب روحي. بدأت جميع جنّيّاتي بالتوافد عودة إلى القصر. انتشر الخبر بسرعة بينهم أنني حامل. ومع نمو الطفل، لاحظن ما لاحظته في البداية: لقد كان أشبه بهم منه بالبشر. ولاحظن أيضاً أنه كان يمتصني حتى الجفاف. أغضبهم ذلك. دعوت لاجتماع في وقت متأخر من ليلة ما. ليكون جين غارقاً في نومه، وإن رآني أي من الخدم فسأبدو وكأنني أتأمل القمر. ذهبت بعيداً في حدائق القصر، حيث غُرست شجرتي الصغيرة سابقاً ونمت الآن، لتجنب حتى ذلك الاحتمال. تدافعوا نحوي جميعاً في آن واحد، غاضبين لاتخاذي مثل هذا القرار دون استشارتهم. فحياتهم على المحك أيضاً. لو اتخذنا القرار معاً لكان الأمر مختلفاً، لكنني كنت أنانية. "اسمعوا، اسمعوا لي!" ناديت محاولة التحدث وسط لغطهم. "لن تموتوا. أعدكم، لن تموتوا!" جذب هذا انتباههم. "الطفل يمتص قوتي، أليس كذلك؟ لقد كنت أراقب ما يفعله بها. إنه يولّد طاقته الخاصة مستخدماً طاقتي كمحفز. لكن طاقته وطاقتي متشابهتان. يمكنني امتصاص طاقته وإعادتها إليّ إن دعت الحاجة. أترون؟ طاقتنا متوافقة! يمكنني نقلكم إليه." "هاااااااااااااااااااااااااااااااا!!!!!!!!!!!!" صرخة الدهشة كادت تصم الآذان وجعلتني أنتفض. أشرت إلى جنّيّ. كان أول خلقي. ويؤسفني أنه كان أبكم كالصخور بسبب ذلك. كانت شخصيته بسيطة للغاية وشديدة الطاعة. استخدمته كفأر تجارب عارفة أنه لن يعترض. "لم تلاحظوا حتى، لكن ذلك الجنّيّ قد نُقل بالفعل. لم يتغير منه شيء، أصحيف؟" ركزت الجنّيّات جميعاً على سلفهم في آن واحد. فُحص ونُكش وطُرحت عليه أسئلة بلا حدود. بعد أن فحصوه بدقة، اضطروا للاعتراف بأنهم لم يستطيعوا تمييز الفارق. "أرأيتم؟ سأنقل كل واحد منكم إليه، بدءاً بالأكبر سناً. إلا إن كنتم ترغبون في البقاء معي بالطبع. لكن دعوني أحذركم، لم يبقَ لي سوى القليل جداً من الوقت. ما إن يولد هذا الطفل، فعشرين سنة على الأكثر." نظرت إليهم، وقد ملأت الدموع عيني متوسلة بصدق: "أرجوكم ابقوا معه، أوسل إليكم. سيعيش طويلاً، وإن ذهب إلى الجبل فقد يصبح خالداً. لكنه سيظل بشرياً أيضاً. وإن لم يكن له مرشد، فكيف سيتذكر ماضيه؟ كيف سيتذكر أباه وأمه، وهذا البلد؟ حين يتحول هذا العظَّم الإمبراطور إلى تراب، فمن سيكون هناك ليبكي معه؟ إن لم تكونوا هناك بدلي، فقد يقتله الوحدة. سيموت وحيداً وفارغاً. أرجوكم، أرجوكم، لا تدعوه يموت وحيداً!" في جوف الليل، ولم يكن شاهداً عليّ سوى القمر وشجرة مزهرة متألقة، ركعت على العشب البارد المندي. وجبستي تلامس الأرض. أحاطت بي أطفالي الجنّيّات، مادّة أيديهم وأجسادهم الصغيرة لمعانقتي ولمسي. وعدوني بأنهم سيبقون معه. سيبقون، حتى وإن حاول الهرب أو التخلص منهم. وحتى آخر نفس له، سيكونون هناك. دائماً مصدر عزاء، دائماً للتذكير، لمساعدته على الاحتفاظ بإنسانيته وبهجة الحياة. وكل وعد قطعوه كان يعني أنني سأموت وحدي. استطعت أن أشعر بغياب الأول. كمكان فارغ في مؤخرة عقلي كان يجب أن يُملأ. وحين يرحل الجميع، ستتسع الفجوة هائلة، وكنت أعلم ذلك. لكن لا بأس. منذ البداية، خططت لمنح طفلي الصغير كل ما أملك. لن ينقصه شيء، باستثناء وجودي ذاته. وحتى ذلك هين، طالما أنه يستطيع العيش. وإن كان ربما يشعر بشكل مختلف تجاه خياراتي، فلا علم لي. مع قطع الوعود، بدأ النقل البطيء للجنّيّات. حمل كل جنّيّ معه عبئاً من الطاقة. وكلما كان خلقي أكثر ذكاءً وتعقيداً، كان الععبء أثقل. ولهذا السبب قررت البدء بالأكبر سناً أولاً. كان عبئهم خفيفاً. وحين أقترب من الموت، سأمنحه إياهم جميعاً. ومع ذلك، وُضع معظمهم في نوم عميق لمنعهم من استهلاك الكثير من الطاقة. كان لدي الكثير من الجنّيّات، وعشرون عاماً أو نحوها كانت وقتاً ضئيلاً للغاية لنقلهم جميعاً. ولكي يستيقظوا، سيحتاج إلى ضخ مقدار معين من الطاقة لتمكينهم من ذلك. لذا يعود الأمر لابني الذي لم يُولَد بعد في تقرير متى وكيف، إن حدث ذلك أصلاً. أودّ أن أظن أنه سيوقظهم جميعاً في النهاية، لكن من يدري؟ إنه ليس أنا. فإمكانياته وخياراته بلا حدود. إنه ليس مقيداً بالجبل وقدره مثلي. يمكنه التخلي عن طول عمره إن كان ذكياً، ويموت إنساناً فانياً. حسناً، ربما. فروحه تشبه روحي إلى حد بعيد. لا أدرك إلى أين يذهب البشر حين يموتون، لم أرى ذلك قط. أتقبل تلك المكان روحاً كمثله؟ أم تراه مقبولاً من الجبل بدلاً من ذلك؟ كما قلت، إمكانيات بلا حدود. بحلول شهري التاسع، كنت مستعدة لولادة هذا الطفل. وحتى بدون استنزافه لكامل قوتي، شعرت بعدم الراحة طوال الوقت. كنت متورمة، ثقيلة، وكان يضرب بقبضته مستمراً في عمري الفقري. أيها الشقي الصغير! كيف أمكنك إساءة معاملة أحشاء أمك هكذا! حين بدأت آلام المخاض، كنت أبكي ارتياحاً لا ألماً. أخيراً، سينتهي الأمر! ويمكنني استعادة جسدي! كان جين يروح ويجيء أمام الباب. واجه الأطباء والقابلات صعوبة بالغة في إبعاده. لا أعرف لماذا كان عليه أن يكون بالخارج. أطفال الزرق العيون يسمحون لأزواجهم بالدخول... وهو ما ينتهي أحياناً بشكل سيء. غادر زوج واحد على الأقل بأصابع مكسورة. كلا، أتراجع عما قلت. إنها لممارسة حسنة. في هذه اللحظة، ومع اعتصار انقباضة لجسدي، قد أحاول حقاً كسر بعض الأصابع أيضاً. تخبرني القابلات بأن ولادتي، قياساً بالولادات الأولى، كانت سريعة وسهلة نسبياً. أحقاً؟ من حسن الحظ إذن أنني لن أختبر هذا سوى مرّة واحدة، فوووه!