ما ان تلىء رسميا امبراطورا حتى جاءني جين. لا اعرف كيف، لكنه كان يعرف مكاني دائما بحلول هذه اللحظة. ظننت في البداية انني اصبحت سهلة التنبؤ، فصرت اختبئ عمدا في اماكن يستحيل عليه ايجاد لي فيها. لكنه كان يجدني دائما. اكان كلبا؟ كأنه يستطيع ششم اثري! اممم. على أي حال. الجزء المهم. طلب مني الزواج. لو كنت اشرب شيئا لبصقته من المفاجأة. لكنني روح، لذا فالأكل والشرب ليس مما افعله.اتعرف ماذا ايضا؟ ليس للارواح اجساد. كيف تتزوج شخصا بلا جسد؟! لقد عشت طويلا بما يكفي لأعرف في هذه المرحلة ان الجسد ضروري للزواج. وعلاوة على ذلك كان هو الامبراطور، وهو بحاجة الى ورثة. اتعرف، اطفالا ذوي اجساد مادية يمكن لاي احد رؤيتها! قلت له هذا فاجاب بانه لا يهتم. طالما انني سأربط نفسي به، واحبه كما تحب الزوجة زوجها، فسيكون ذلك كافيا. اي هراء. كان يجدر بي ان اعرف ان هذا الفتى يعاني من خلل ما، وإلا فكيف راه طوال هذا الوقت؟ البشر الذين يرون الجنيات بوضوح ينتهون دائما الى غرابة طفيفة. كان التصرف العاقل هو ان ارفض وان اطلب منه الكف عن احلام اليقظة. لكنني قلت له بدلا من ذلك انني بحاجة للتفكير في الامر. كنت اعجب به حقا على طريقتي الخاصة. لم أكن قادرة على اعجابه كما تعجب امراة بشرية برجل بشري، لكوني لست بشرية وليس لدي جسد قادر على انتاج الهرمونات اللازمة لمثل تلك الرغبة. لكن... نعم، كنت معجبة به. اكثر من جنياتي، واكثر من صديقي البشري الاول، واكثر من اطفالي ذوي العيون الزرقاء. لقد احتلا مرتبة متقدمة جدا في عقدي، رغم انني لا اعرف منذ متى. غير انني لم اكن استطيع الزواج به كروح. لا يمكنك ربط روح بهذه الطريقة. حتى اخي، الذي كان له التثير الاكبر علي، لم يستطيع ربطي. لذا فجين لم يكن يملك تلك القدرة قط. فكرت مطولا في كيفية حل هذه المشكلة. لم يطرح جين الموضوع سوى مرة واحدة طوال هذه الفترة. اخبرته انه ان كان يريد مني حقا الزواج به، فعليه ان يصمت ويدعني افكر في الامر. اعتبر هذا موافقة ضمنية على عرضه، فاغلق فمه بسعادة وتركني افكر. خلال هذه الفترة، كنت احوم ههنا وههنا، بحثا عن الالهام. احيانا يكون حل المشاكل في العراء، لا حبيسا في كتاب او في زاوية غرفة. كنت افكر بشكل افضل عندما اكون حرة. ذات يوم، بينما كنت بالخارج، صادفت عقارا فاتنا. كنت قد زرت المنطقة من قبل، لكن المجمع السكني كان اصغر واحن يومئذ. لقد غدا جميلا في غيابي. كانت سيّدة البيت تتمتع بحس جمالي ممتاز، حتى ان حديقتها اثارت اعجابي. كان ذلك ما احبه في البشر. اتركهم وشأنهم لفترة، ولن تدري ابدا اي امر معجزة قد يحدث! كانت هناك فتاة في تلك الحديقة. كانت شبه امرأة، ربما في الثالثة عشرة او الرابعة عشرة من عمرها. كانت عليلة للغاية. لقد رايت امثال هؤلاء من قبل. كان هناك خلل جذري في اجسادهن منذ الولادة، وهو ما منعهن من عيش حياة سليمة. اقتربت منها، عالمة ان اجلها قد اقترب. احيانا عندما يكون الانسان على وشك الموت، يستطيع رؤيتي. كانت هذه الفتاة من ذلك الطراز. ولأنني اعتني بنفسي دائما، محتفظة باحدث صيحات الموضة، فقد تأثرت بجمالي بالطبع. قضينا بعض الوقت في الحديث معا، عن الاحرير واكسسوارات الشعر، تماما وكأننا اعز الاصدقاء، نشرب الشاي معا. "سأموت قريبا". قالت لي فجأة. أومأت. "ماذا يحدث حقا للناس عندما يموتون؟" فكرت في الامر. لقد رايت الكثير من الناس يموتون. وسمعت الكثير من النظريات المختلفة من البشر حول ارواحهم. "عندما يموت الانسان، يفقد شيئا ما. انهم كائنات فانية في النهاية، جبلوا ليكون لهم شكل مادي. لكن فكرة الروح صحيحة ايضا. تلك الارواح النقية، حين تموت اجسادها، لا تفزع ابدا. تبدو دائما مرتاحة قليلا، والكثير منها مبتهج. انهم يرون ما لا اراه، ينظرون ابعد الى مكان لا ابلغه. وحينها لا أراهم بعد". صمتت برهة. "هل انا روح نقية؟" "نعم، ايتها الصغيرة. نقية للغاية. عندما تموتين، ستضحك روحك يقينا". ارتسمت ابتسامة على وجهها، وظللت للحظة واحدة على وشك الموت في تلك اللحظة بالذات. كان جسدها ينطفئ. "عائلتي"، اخرجت الكلمات بصعوبة غير متوقعة. "انا حزينة لفراقهم. أمي... أبي... سيكونان... حزينين جدا... ايضا..." "ماذا ترينني ان افعل؟" وما ان رددت حتى استسلم جسدها اخيرا واُطلق سراح روحها. تماما كما قلت، كانت تضحك. نظرت الي، واشرق وجهها كالشمس. "أترعينهم من أجلي؟" سألت دون ان تتكلم. أومأت فضحت مرة اخرى. ثم لم تعد شيئا. عثر خادم على جثتها، وجاء والداها ليبكيا فوق هيئتها الباردة المتصلبة. استدعيا طبيبا، رغم وضوح وفاتها. تنهدت. لا سبيل لطبيب بشري لردها. بوسعي اصلاح الجسد، ودفع الهواء اليه، لكن بلا روح سيكون قوقعة فارغة. لذا فمن الواضح ان بشريا لا يستطيع ابدا— ... ... قوقعة فارغة... مم. كان اصلاح جسدها امرا عسيرا، ولم تكن كمية الطاقة اللازمة لذلك بالامر الهين. كنت سأقطع عمري الى النصف لتنفيذ ذلك في الاساس. التفت الى جنياتي وسألتهن عن رايهن. لكونهن من تلك الكائنات حرة الروح، فقد طلبن مني ان افعل ما اريد. كنا جميعا محكومين بالذבול في النهاية، لذا وسواء اكان الان ام لاحقا، فلن يفرق كثيرا. وإن كنا سنزول، فلنفعل ذلك بأكثر الطرق اثارة ممكنة. لهذا احببت اطفالي من الجنيات. كن يفهمنني حقا. وصل الطبيب واكتشف حتى دون قياس النبض ان الآنسة الشابة قد ماتت. ورأى الوالدين مهمومين، فعزم على المحاولة على الاقل، املا في ان يمنحهما ذلك شعورا بالنهاية الحاسمة. وفي خضم تظاهره بقياس النبض، ادرك ان هناك نبضا بالفعل. حدق في الفتاة بذهول ابكم. عاد لون جلدها واسترخت أطرافها. كانت هذه الفتاة تعود الى الحياة امام عينيه مباشرة. فتحت عينيها فجأة ورمقته مباشرة. ولمحت لفحة من الزرقاء لبرهة. كانت سريعة جدا لدرجة انه لم يتأكد من رؤيتها حقا. ثم رمشت فتحولتا الى البني الغامق مجددا. كان والداها، والداي، غارقين في السعادة. كانت، كنت، على قيد الحياة. وللمرة الاولى، صرت فانية. يا له من شعور عجيب! كانت لدي ذكريات غامضة، انطباعات تركت في عقل الفتاة، عن والدي، والمنزل، والخدم. وحتى الطبيب. كان لها طعم الالفة والغربة في ان واحد. جسد يحس بالهواء، والعشب، وحتى نفسه. الروائح والاصوات وحتى التذوق. كان كل ذلك جديدا علي. ورغم انني قضيت وقتا طويلا جدا اقلد الجسد البشري، الا انني ادركت انني لا اعرف كيف امشي. وكان الكلام مشكلة ايضا. كل الاشياء التي رايتها، لم اعرفها الا نظريا. أُجهد الطبيب اجهادا شديدا. لم يتعامل قط مع شخص يبعث عشوائيا، ناهيك عن نسيان كيفية العمل (بكل معنى الكلمة) بعد العودة الى الحياة. اعلن اخيرا ان تجربتي مع الموت القريب قد زعزعت دماغي بوضوح واثرت على جسدي، وانه حري بوالديّ ان يعاملاني كطفلة دارجة. كنت ذكية بلا شك، وبدا فقط انني نسيت بعض الاساسيات. مثل الوقوف. ساور والدي شيء من الشك حيال هذا التشخيص، لكنه كان طبيبي طوال حياتي. وكان متخصصا في الامراض النادرة. ان لم يكن هو عارفا، فلا احد يعلم. فسايرا الامر رغم شكوكهما. أتى التعامل معي كطفلة دارجة بنتيجة مذهلة. عذرا، والداي البشريان الحبيبان، عندما يتعلق الامر بالجسد، فربما اكون اكثر جهلا من طفلة دارجة! لكني حريصة على التعلم! لن افصح عن المدة التي استغرقتها لتعود الي سليقة جسدي البشري الجديد. ما استطيع قوله هو انه لامر جيد انني اصلحت جميع المشاكل الصحية الكبرى التي عانى منها هذا الجسد عندما أحييته. لانني انتهيت الى التعامل معه بخشونة بالغة بسبب جهلي. ورغم غرابتي الواضحة في ابسط المهام، لاحظ والداي انني صرت اصح حالا. وقد تبدد الكثير من القلق بصدد جهلي وتغير شخصيتي بفضل حقيقة انني لم أعد ضعيفة او عليلة. بات بوسعي الرقص، والوثب، والضحك دون ان يصيبني الاعياء أو المرض. بحسن الحظ، كان اسمي الجديد يا شولان (بستان جميل انيق). احببت جزء البستان، لأنه ذكرني باشجاري المزهرة. كنت فتاة في الرابعة عشرة من عمري. كانت عائلة يا من النبلاء الصغار، اذ تربطهم صلة قرابة بعيدة بالامبراطور قبل جيل او نحو ذلك. وعلى عكس معظم النبلاء، اعتمد والداي على التجارة بدلا من امتلاك الاراضي. على ما يبدو، كانت عائلة ابي تُعد من "النبلاء الفقراء" او "النبلاء بالاسم فقط". وللحصول على المال وسداد ديونهم، زوجوا ابنهم لاغنى عائلة تجارية في المدينة. كان ذلك مثيرا للفضائح في ذلك الوقت، مما خلق مسافة ابعد بين النبلاء الاخرين وعائلة يا. لكن اليا حصلا على مالهما وحياة رغيدة، فاستساغا النبذة. أليس ذلك دراميا بشكل رائع؟ تمنيت لو انني علمت بالامر اثناء حدوثه، لكنت تابعته. والجزء الافضل هو ان والديّ انسجما معا بشكل جيد حقا، وانهما ادركا حتى قبل زواجهما أنهما يحبان بعضهما وما زالا مغرمين منذ ذلك الحين. يا لحظي السعيد! لم احصل على جسد بشري فحسب، بل نلت بيتا محبا ايضا! لم اضطر حتى للقلق بشان الاشقاء، وهو ما كان رائعا بالنسبة لي. كان اكتفاء بأخ واحد عبئا بما يكفي، ولم اكن بحاجة للمزيد. في غضون عامين، تحسنت صحتي وقدرتي على المشي بخط مستقيم بما يكفي لكي يتم تقديمي للعامة. غمرت السعادة والديّ لمجرد حصولهما على فرصة اقامة حفلات يمكنني حضورها. اما بالنسبة لي، فقد كنت متشوقة لبعض الصحبة الجديدة. ورغم انه كان خيارا شخصيا، الا ان البقاء حبيسة هذا العقار مع الخدم والعائلة وحدها للحديث معهم كاد يصيبني بالجنون. لم تكن شولان تمتلك اي اصدقاء، لكونها اعجز من ان تذهب الى اي مكان واضعف من ان تفعل شيئا سوى الكلام. كانت معظم الفتيات في سنها تجدن نمط حياتها مُملا للغاية، لذا كن يتجنبن زيارتها الا ان تجبرهن عائلاتهن على ذلك. مما جعل شولان خجولة ومنطوية. لكنني لم أكن كذلك البتة. في البداية، خططت والدتي للحفلات واختارت من يتم دعوتهم. وبعد الحفلات القليلة الاولى، تكونت لدي فكرة عمن سيكونون اصدقاء جيدين او من هي العائلات التي يجب ان اوثق الصلات بها لصالح والديّ. دهشت والدتي لمدى صحة حدسي في التواصل مع الاشخاص المناسبين، واختيار فتيات جيدات ليكونوا صديقات. نما ثقتها بي حتى صار بوسعي اقامة حفلاتي الخاصة ودعوة ضيوفي بنفسي. انه تباه لكنه حقيقي، صرت الفتاة الاكثر شعبية في فئتي العمرية وطبقتي. كانت حفلاتي انيقة، لكنها ممتعة للغاية ايضا. وبدل ان تكون تجمعا اجتماعيا مملا لتعزيز الروابط التجارية، قضت الفتيات وقتا ممتعا حقا. لم يكن هناك تنمر او غرور ايضا، لذا شعرت الفتيات الاقل شعبية بالأمان هناك. باختصار، حاولت كل فتاة وامرأة قادرة على الحضور ان تأتي. سعدت أمي بشعبيتي المكتشفة حديثا، لكنها قُلقلت قليلا ايضا. كنت اكثر شعبية بين الفتيات مقارنة بالرجال. ولم اكن اولي اي اهتمام للرجال بالمعنى الرومانسي. حاولت امي ان تتقصى بلطف لتعرف ما اذا كان هناك اي رجل اهتم به خصوصا، لكن ردودي الاستخفافية جعلتها تشعر باليأس. كنت في السابعة عشرة عندما جاؤوني بقائمة مختارة من العزاب المؤهلين للاختيار من بينهم للزواج. لن أکذب، كنت اقضي وقتا ممتعا للغاية كفتاة بشرية شابة، اتزين، واشترب الشاي، واعيش حياة خالية من الهموم - وان كانت مقيدة قليلا - لدرجة انني نسيت امر الزواج تماما. وما شمل ذلك جين. أنا آسفة جين. يبدو ان التحول الى بشرية قد اشر على ذاكريتي وقدرتي على التركيز. لقد صرت بلهاء بعض الشيء في بشريتي! كانت معظم الفتيات تخطبن في الخامسة عشرة على الاقل، لذا كنت متأخرة الازهار. لم يكن بالامكان تجنب ذلك بسبب صحتي، لكن والديّ كانا قلقين. ارادا منحني المزيد من الوقت، لكن ان لم احصل على خطوبة رسمية بحلول الثامنة عشرة، فستظن العائلات المحترمة ان بي علة وترفض اي محادثات توفيق بين الرؤوس. لقد بذلا جهدا شاقا وأنا أعجب بتفانيهما في ايجاد عزاب اثرياء وسيميلي المظهر ذوي سمعة ناصعة. لكن حقا، هؤلاء الفتية... بعضهم كنت اعرفه، لكوني التقيت بهم من قبل، والبعض الاخر لم يكن لدي سوى لوحة لامرهم. ومع ذلك، مقارنة بجين... لم يكونوا شيئا مميزا. اشعر ببعض السوء لكوني قاسية هكذا. كروح، لم أدقق في مظهر جين. لم يكن مهما بالنسبة لي. لكن كبشرية، وبالعودة بالذاكرة، كان جين وسيما للغاية في الواقع. ولأنه درس فنوني القتالية، فقد تباطأ شيخوخته بشكل ملحوظ. (رغم انه ظل يتقدم في السن اسرع من اطفالي ذوي العيون الزرقاء). ورغم مرور بضعة اعوام وكونه في الثلاثينيات الان، فربما لم يبد اكبر من العشرين بيوم واحد. ما العمل؟ كان علي رفض هذه العروض، ولكن ان فعلت ذلك بفظاظة فستفزع والداي. قد يقدمان على حماقة ويحاولان اجباري على الزواج. لذا اخذت الصور وملخصات كل رجل واخبرتهم، بوجه وقور وجاد للغاية، انني بحاجة لبعض الوقت للتفكير في الامر. سمحوا لي بطبيعة الحال ببعض الوقت للتفكير. كنت بحاجة للقاء جين. ولأنني صرت بشرية، كان علي ان اكتشف كيفية فعل ذلك بشكل طبيعي ايضا. مجرد مغادرة العقار ومحاولة دخول القصر لن تنجح. ناقشت الامر مع اطفالي من الجنيات. اثناء كونني بشرية، تركتهم يفعلون ما يريدون، متسببين في المشاكل احيانا، ومساعدين احيانا اخرى. كانت لديهم الكثير من الافكار غير العملية، لكن بعضها كان جيدا ايضا. اقترحوا حفلة ضخمة. كان على الامبراطور ان يقيم حفلة ضخمة، ثم يدعو جميع اقاربه. حتى عائلة يا يجب ان تدعو وتُحضر. متى سيكون الوقت مناسبا لذلك؟ كان عيد ميلاده يقترب. لقد كان بخيلا ولم يقيم اي حفلات خارج تتويجه ورأس السنة. سيتفاجأ الناس حقا ان اقام حفلة عيد ميلاد، وسيحضرون بالتأكيد. حسنا. طلبت من احد اطفالي الجنيات الذهاب وايصال تلك الرسالة. في الواقع، لم اتواصل معه قط منذ ان دخلت هذا الجسد. أظن ان الجسد كان يخفي رائحتي او شيئا من هذا القبيل، لأنه لم يأت للبحث عني او زيارتي قط. ولو فعل، لتذكرت غرضي الاصلي سريعا. وعلى هذا النحو، فمن المحتمل انه سيكون منزعجا لاستغراقي كل هذا الوقت للرد عليه. نعم، كان منزعجا. عاد الجني يبدو مجهداً للغاية. اراد جين معرفة مكاني، وما كنت أفعله، ولماذا لم أكن أتواصل معه، وما إلى ذلك. لقد تأثرت لكونه قلق علي هكذا. ... لنمنحه وقتا عصيبا. جعلت الجني ينقل رسالة اخيرة: أقم الحفلة، وادع الجميع، مهما بَعُدت قرابتهم بك. سأكون قادرة على الحضور. ان استطعت ايجاد بين الحشود، فسأعلم ان حبك حقيقي. وإن لم تستطع ايجاد، فسأعتبر اننا مقدرون لنفترق. نظر الي ساعي الجني باعياء. كان جميع أصدقائي من الجنيات يعرفون جين جيدا في هذه المرحلة. وكانوا يعرفون كيف سيتقبل هكذا رسالة. وعدته بأنني كنت أمزح فقط ولم أكن أنوي تركه والمضي قدما. أحب الجميع من أطفالي الجنيات الضحك الجيد، فسايروا الامر. وما زال ساعي الجني يشعر بالاستياء لكونه من يقوم بتوصيل تلك "النكتة". في غضون أسبوع، أعلن الامبراطور شو (إذ لم يتخذ اسما جديدا كما يفعل الأباطرة السابقون عادة) أنه يقيم حفلة عيد ميلاد وأن كل من يرتبط به بصلة قرابة، مهما كانت بعيدة، ملزم بالحضور. وفي الأسبوع التالي لذلك، أُرسلت الدعوات لجميع العائلات الممتدة. بما في ذلك عائلة يا. ذهل والداي تماما لتلقي دعوة، إذ كانت صلة القرابة بينهما بعيدة جدا. ورغم أن الإعلان كان صريحا إلا أنهما لم يتوقعا دعوة. وما زاد الطين بلة هو شمول دعوتي أيضا. كانا متحمسين للغاية لذهابي. فمثل هذه الفرص كانت نادرة جدا. ورغم أنه كان مستبعدا جدا أن يتحدث أي منا نحن النبلاء الصغار إلى الإمبراطور أو العائلة الإمبراطورية مباشرة، إلا أن النبلاء الكبار ومسؤولي الحكومة سيكونون في متناول اليد. وسيكون الرجال العزاب المحتملون هناك بلا شك بأعداد كبيرة. بذل والداي قصارى جهدهما في تزييني. من شعري إلى أخمص قدمي، لم يبخلا بأي نفقة لتحسين مظهري. كانت والدتي تتمتع بحس ذوق عظيم، لذا فما بيننا تحولت من مظهر "فتاة الجوار" إلى مظهر "الآنسة الشابة، زهرة الإمبراطور". أقول إنني كنت فاتنة. لكني كنت كذلك بالطبع! لم أكن متواضعة قط. وحتى لو كانت شولان تميل إلى الجانب القبيح بعض الشيء، لكنت استطعت جعلها جميلة الوجه. وكما كانت، تمتلك شولان وجها طيبا بما يكفي، يشبه لوحة فارغة تقريبا، كان من السهل تحسينه. أجهش أبي بالبكاء عند رؤيتي، قائلا إن الفتيات يكبرن بسرعة فائقة. ... أيها الأبي العزيز، ألم تلمح لي، قبل أسبوعين فقط، بلطف شديد بأنني أصبحت عانسا حدودية؟ ألم تدفع بكومة من العزاب المحتملين نحوي، رغبة في أن أختار أحدهم قبل بلوغي الثامنة عشرة؟ من الذي كبر بسرعة فائقة، أريد أن أعرف؟ أليست هذه غلطتك؟ أتى يوم عيد ميلاد الإمبراطور أخيرا. كان مدخل القصر على مسافة عربة واحدة من الكارثة. كان مزدحما بشكل فاحش. عندما اقترحت هذه الحفلة، لم أكن أتوقع أن يكون للإمبراطور هذا العدد الهائل من الأقارب! أكان نصف المدينة يرتبط بصلة قرابة مع العائلة الإمبراطورية؟! استغرق الأمر وقتا طويلا جدا لدخول القصر، وما إن دخلنا حتى جرى حشرنا في مجموعات وصفوف مختلفة. رأيت العديد من الخصيان والخدم يبدون وكأنهم على وشك البكاء، وعلى الأقل واحدا كان على خطوة واحدة من قتل الضيوف الذين كان من المفترض أن يرشدهم. عذرا، خدم الإمبراطور! أرجو مغفرتكم! لقد بدا هذا فكرة جيدة حقا في ذلك الوقت! كان متوقعا أن تقدم العائلات الوافدة هدية للإمبراطور. وقد نصت الدعوة على أن أي شيء سيكون مقبولا، بشرط ألا يكون مالا ولا إرثا عائليا، وأن يُمحى للإمبراطور شخصيا. وبطبيعة الحال، أفرز الضيوف، وخاصة ذوي الرتب الأدنى، عرقا غزيرا عند سماع هذا الخبر. ماذا تعطي بالضبط للرجل الذي يملك كل شيء؟ كادت عائلتا تفقدان صوابهما من القلق تفكيرا في هدية الإمبراطور. في النهاية، اقترحت فكرة هدية، فوافقا عليها بتردد. من حيث المال، لم تكن ذات قيمة كبيرة. لكن من حيث الندرة، كانت فريدة تماما. أمسكت الهدية، التي كانت في وعاء خزفي عميق، مغطاة بقماش سميك. ربما كانت ضئيلة، لكن حملها كان سهلا. أما الأشخاص الذين ذهبوا من أجل هدية ضخمة فكانوا نادمين، إذ اضطروا إلى جرها معهم أثناء انتظارهم. كنا قد حضرنا في الصباح الباكر، وبقينا حتى وقت متأخر من المساء. لحسن الحظ لم يكن الإمبراطور شو بلا قلب. لقد كان عيد ميلاده وكان حفلا من الناحية الفنية. وفي كل ساعة، عند رأس الساعة، كانت وسائل الترفيه، والطعام، والمشروبات تمر عبر الصفوف ومجموعات الناس. وحتى لو كان الانتظار متعبا، فقد حاول جعله ممتعا على الأقل. وأخيرا، حل الغسق عبر السماء ووصلنا إلى قاعة العرش. كان جين جالسا على منصة مرتفعة حمراء وذهبية، مرتديا زيا أحمر وذهبيا مصمما بدقة ليتناسب مع المناسبة. كانت عبارات التبريك مرسومة على لافتات حوله احتفالا بعيد ميلاده. وإلى يساره ويمينه كانت أكوام تلو أكوام من الهدايا التي تلقاها بالفعل. بدا ضجرا إلى حد الجنون. أُعلن عن عائلتنا فتقدمنا بخطوات ثابتة، بينما كانت عيوننا مطرقة كما ينبغي. تقدم أبي وتحدث باسم عائلة يا. وما إن انتهى حتى أشار إلي بعصبية لأقدم الهدية. مشيت بضع خطوات إلى الأمام وركعت على ركبتي. وبعناية فائقة، ودون أن أنظر إليه، أزلت القماش الذي يخفي هديتي. كانت شجرة صغيرة، ممتلئة بزهور صغيرة. كنت أعتني بها منذ أن سيطرت على هذا الجسد. لقد ضعفت بشكل كبير بسبب شفاء هذا الجسد، لكن ليس لدرجة أن أفقد لمستي مع النباتات. كانت كل زهرة بلون أزرق مختلف. وكانت تتوهج. كاد الإمبراطور شو يقفز من عرشه، وكاد تاجه المربع الشكل السخيف للغاية يسقط عن رأسه. قفز الجميع، الحراس، وأبي، والضيوف ذوو الرتب العالية، فزعا من حركته المفاجئة. حاول الإمبراطور إعادة تاجه إلى مكانه، لكنه ظل ينزلق بطريقة سخيفة للغاية، كأنه يسخر منه في تلك اللحظة. وimisا منه، نزعه وألقاه على الأرض. لن يرتدي قط تاجا بهذا الشكل الغبي مرة أخرى بعد ذلك. ثم سار مبتعدا عن عرشه المرتفع، متوجها نحوي مباشرة. هذى أبي باعتذار، ظنا منه أن هديتنا قد أزعجته. فرفع الإمبراطور يديه، مسكتا الجميع، وليس أبي وحدها. حسن، لقد بدا الإمبراطور شو غاضبا حقا لذا لا ألوم أبي لتفكيره في أنه بحاجة إلى الاعتذار. وقف الإمبراطور هناك أمامي، متتنفا بقوة، ودون أن ينطق بكلمة واحدة. "كيف لهذا الخادم الحقير أن يخدم جلالته الإمبراطورية العظيمة؟" سألت أولا بوقاحة، وعيناي على الأرض وأنا راكعة، وما زلت أُمسك بشجرتي المحفوظة في إناء. امتدت يدان لتغطيا يديّ. كانتا دافئتين وخشنة بعض الشيء. من المرجح أنه كان لا يزال يمارس فنونه القتالية ومهارات السيف، رغم أن لديه حراسا شخصيين ومقاتلين ليقاتلوا من أجله. يا له من أمر عجيب. لقد لمست أيدي بشرية أخرى من قبل، لكن عندما لمستني يدا جين، شعرت بأن جسدي بأكمله يدفئ وقلبي يغني. "يريد هذا الإمبراطور أن يعلم... هذه الشجرة... أزارعتها الآنسة يا؟" سأل بصوت منخفض ومشدود. "ردا على جلالته الإمبراطورية، كانت هذه الخادمة الحقيرة تعتني بهذه الشجرة منذ... دعني أرى... قبل ثلاث سنوات بالضبط." "أخبريني"، قال، متخليا عن كل كلام رسمي، "ما رأيك في المحيط؟" "الزرقاء جميلة والأمواج المالحة ممتعة"، رددت باستخفاف، مذهلة المستمعين القريبين بتخليي عن كلامي الرسمي أيضا. "لكني أجد أنني أعاني من دوار شديد إذا حاولت السفر عبره." كان والداي، فضلا عن كونهما مرعوبين من سوء أدبي، في حيرة تامة من ردي. فلم يسبق لشولان الصغيرة أن سافرت خارج المدينة، ناهيك عن ركوب قارب في المحيط. لما كنت أكذب، ولدى الإمبراطور لا أقل؟ ارتجفت يدان ذكوريتان فوق يدي. انحنى إلى الأمام وهمس، بحيث لم يستطع حتى والداي سماعه: "شويينغ؟" رفعت نظري هذه المرة، وبابتسامة مشاكسة إلى حد ما على وجهي، مجيبة بطريقة سرية بالمثل: "جين الصغير، نلتقي مجددا. أحسنت صنعا في اجتياز الاختبار."
إمبراطورة جبل الزهرة الزرقاء الفصل 4
اقرأ إمبراطورة جبل الزهرة الزرقاء الفصل 4 باللغة العربية على مانجا تايم.