مدَّ الأستاذ بربانك يده نحو الكرة وأطلق فيها طاقته. ظهر في مقدمة القاعة عرض ضوئي كبير لصفحتين، إحداهما بيضاء والأخرى سوداء، بطول خمسة أقدام تقريبا وارتفاع ثلاثة أقدام. انصبّ تركيز الجميع على الصورة المجسّمة، متسائلين عما ترمي إليه، وذهب كثيرون منهم إلى الظنّ بأنّ المحاضرة ما زالت تدور حول توجيهات الطاقة.
قال بربانك استهلالاً: "محاضرة اليوم تدور حول التاريخ وعلم الكونيات الفلكي. أول ما يجب أن تعرفوه هو أن تاريخ الكون النجمي ينقسم إلى ثماني حقب. نحن نعيش في الحقبة الثامنة حالياً، وقد بدأت الحقبة الأولى بعد ولادة الكون، ولادة الكون النجمي. لن أذكر شيئاً عن عمليات الخلْق. ففي الوقت الراهن، ثمة نقاشات كثيرة للغاية حول كيف بدأ هذا العالم. يؤمن بعضهم بأسطورة الخلْق، بفكرة أن كياناً قوياً أوجد الكون؛ بينما يعتقد آخرون أنه نشأ تلقائياً من قوى أولية. بل إنه حتى في ظل هذه النظريات، توجد أيديولوجيات أو تفسيرات متباينة. على سبيل المثال، يعتقد بعضهم أن ملكاً صنع العالم بينما يرى آخرون أن ساحراً عظيماً فعل ذلك".
فكّر زين: "البشر، بل الكائنات العاقلة، لا تستطيع الإفلات من جدل أصل الحياة والكون".
الحضارات تتباين في وجوه شتى، لكنها تتشابه في كثير منها أيضاً.
وما دام الكائن قادراً على التفكير المعقد، فسيشرع في طرح أسئلة من قبيل "من أنا؟"
و"من أين جئت؟"
و"إلى أين أمضي بعد الموت؟".
تابع بربانك كلامه: "بعد الخلْق، انقسم الكون إلى جزئين: المستوى المادي والمستوى النجمي".
ومع ومضة من يده، ظهر الحرفان [MP] على الصفحة البيضاء و[AP] على الصفحة السوداء.
"إن تطور هذين البعدين لأمر بالغ الإثارة. على حد علمي، لا يوجد دليل قاطع على وجود حياة في المستوى المادي، لكن السحرة أثبتوا أنه لم يكن هناك سحر قط. كانت قوانين الفيزياء تحكم المستوى المادي، وكانت صارمة، و جامدة، وغير قابلة للثني لأي كان ولا أمام أي شيء. وفي غضون ذلك، كان المستوى النجمي موطناً لتلك السلالة الفريدة من الطاقة الخالصة التي أسميناها السلالات الأولى. لا يُعرف الكثير عن كيفية ولادتها، لكننا نعلم يقيناً أن أرواحها كانت بالغة النقاء ولها تقارب عالٍ مع طاقة الأبعاد العليا".
"سيدي، أيمكنك أن ترينا صورة؟"
"عذراً، لا أستطيع فما رأيتها بنفسي".
"لمَ لا؟"
"أعلى من مستواي".
أومأ الطلاب برؤوسهم. فبعد أسبوع من الدراسة، أدرك معظمهم مدى صرامة سيطرة مجتمع السحرة على المعلومات والمعارف. فخلافاً للأرض التي تؤمن بالشفافية وتنافح عنها، يمتلك السحرة نظاماً طبقياً صارماً يحدد من يحق له الاطلاع على أي معرفة. لم يتبين زين السبب بعد؛ إذ تتمثل نظريته الحالية في أن هذا النظام مصمم للتحكم في السحرة الأضعف، لكنه يبقى منفتح الذهن تحسُّباً لوجود سبب وجيه.
تابع بربانك: "لقد صنّف المؤرخون هذه الحقبة من التاريخ بحقبة الخلْق".
لوّح بيده فتضاعفت الصّفحتان لتصبحا مجموعتين من اثنتين. ثم استقرت إحدى المجموعتين فوق الأخرى، بينما التوت المجموعة الأخرى على هيئة خيط مزدوج أبيض وأسود.
"الحقبة الثانية تُدعى [البدائية]، وقد حدثت إثر واقعة تُعرف بـ[التوحيد البدائي]. كما ترون، صار المستوى النجمي والمستوى المادي شيئاً واحداً. وأنا واثق الآن أنكم تتساءلون عن سبب تمثيلي لهذا التوحيد في حالتين. والسبب في ذلك يعود إلى وجود نظريتين حالياً تفسران حالة الكون النجمي. نظرية الرنين المتوازي وننظرية الخيط المتشابك. تنص الأولى على أن المستويين يتشاركان رباطاً عميقاً تشكَّل عبر الرنين، لكنهما في جوهرهما كندان منفصلان. في حين تنصّ الثانية على أن هذين المستويين الوجوديين متداخلان الآن كخيطين ملتويين معاً؛ فهما كيان واحد الآن، مع احتفاظ كل منهما بجوانب مادية معينة من فترة انفصالهما".
فكّر زين: "تبدو هاتان النظريتان مثيرتين للاهتمام. أتراي أجد بعض الكتب في المكتبة تتناول ذلك؟".
إن الموضوعات التي نوقشت في محاضرة اليوم تشبه معلومات لن تمنح البرج حق الوصول الحر إليها، ومن هنا جاء تردده. وبينما كان زين يطرح على نفسه هذا السؤال، سأل بعض الطلاب أسئلة فأجابهم الأستاذ قبل أن يمضي في حديثه.
"جلبت التوحيدات تغيُّرات عدة لكلا المستويين. أما بالنسبة للمستويات المادية، فلم تعد قوانين الفيزياء مطلقة؛ بل أصبحت قابلة للتلاعب، والمط، والثني، بل وحتى الاستحداث. لم تعد الحقائق الموضوعية مطلقة. والآن، باتت العقول الذاتية قادرة على التعايش مع الحقائق الموضوعية، بل وحتى استبدالها".
لاحظ بربانك علامات الحيرة على وجوه طلابه فكبح جماح المصطلحات الفلسفية: "بكلمات أبسط، صار السحر متاحاً. وأصبحت الحياة قادرة على أداء المعايز — على صنع أشياء خارقة".
كانت تلك الكلمات أسهل هضماً حقاً لمعظم الطلاب. وفي هذه الأثناء، قطّب زين — الذي شعر بأن كلمات الأستاذ تخفي معنًى عميقاً — جبينه لعجزه عن فك طلاسم ما يقصده الأخير. غير أنه لم يسأل، وقرّر أن ينتظر إلى ما بعد المحاضرة.
تابع بربانك: "كانت تغيرات المستوى النجمي أشدّ وطأة. في حالته الأصلية، كانت طاقة خامّة ونقية عالية الأبعاد. لكنها شرعت بعد ذلك في الانقسام إلى طبقات. أولاً، وُجد [الأثير]، حيث تُخزَّن تلك الطاقة الخام كافة. ثم جاءت [نسيج الكوينتسيس] ممثلة في الجوهر. هممم، كيف أشرح هذا لكم؟ أهله من السحرة بـ[عالم الرُّهون]، منبع المعرفة والحياة وكل شيء في الكون. وحين يشير الناس إلى [الحقيقة السرية]، فهم يعنون بذلك في أغلب الأحوال [نسيج الكوينتسيس]. إنه المصدر الأساسي أو الشفرة الخاصة بالواقع؛ إنه منبع القوانين والمفاهيم كافة التي تحكم الواقع — إنه الحقيقة بذاتها".
قطَّب زين جبينه: "لمَ ألمس نفحة من التعصب الديني من هذا الرجل؟".
أدرك بربانك أنه فقد رباطة جأشه فتنحنح بخفة ليستعيد اتزانه.
"لمَ يُعدّ السحرة العظام بهذه القوة؟ يعود ذلك إلى حصولهم على حق الوصول إلى [النسيج]، مما يتيح لهم تعديل الواقع مباشرة من مصدره. وينطبق الأمر ذاته على الملوك وعدد قليل من مسارات التميز القصوى الأخرى".
توقّف الأستاذ ليتيح المجال للأسئلة، ووكما كان متوقعاً، رُفعت بضع أيدي.
"تفضل، يا سيد ويليامز".
"سيدي، لكي أكون صادقاً، لا أستطيع استيعاب وصفك لهذا النسيج تماماً".
أردف بربانك: "فكر في الأمر هكذا. الحصول على حق الوصول إلى [نسيج الكوينتسيس] يشبه التحكم في الدقائق الكمومية مثل البوزونات، والفرميونات، والكواركات، وما إلى ذلك. أو تخيل أن الواقع لعبة، وبامكانك تغيير شفرتها لتفعل ما تشاء — هذا هو ما يفعله النسيج".
"فهمت. شكراً لك".
أجاب بربانك عن بضع أسئلة أخرى قبل أن يستطرد قائلاً: "يحتوي المستوى النجمي على طبقات أخرى عديدة، لكن هاتين هما الأقدم".
تحكم في العرض المجسّم لتكبر الصفحة. ثم ظهرت عدد لا يحصى من الكرات في الأعلى، تبعد كل منها بمسافة عشوائية عن الأخرى، مع طيّ شديد للصفحة أسفل كل كرة، تماماً مثل الخرائط التي تُظهر انحناء الزمكان بفعل جاذبية الكوكب.
"هذا تمثيل عام لهيكل الكون النجمي. الكرات تمثل الأبعاد، والمسافة بينها تُدعى [الفراغ]".
تقرّبت الصورة المجسّمة داخل غشاء إحدى الكرات.
"كل الأبعاد فريدة، لكنها تتشارك أمرين أو ثلاثة. أولاً، هناك الجدار البلوري. إنه الحاجز الذي يفصل عالمكم عن [الفراغ]. إنه القيد المكاني المطلق أو الحد المكاني لبعدكم. هذا الحاجز بمثابة حارس — إذ يبعد عنكم معظم الغزاة الأجانب — وقفص في الوقت ذاته، لأنه يمنع أغلب الحضارات من بلوغ السفر بين الأبعاد. تمتلك كل الأبعاد [قلباً]، وهو مزوّد الطاقة لمستواكم. وعادةً ما يكون متصلاً بـ[الأثير] لتلقي الطاقة اللازمة لتشغيل الأشياء. وأخيراً، هناك إرادة البعد. بيد أنه كما ذكرت في محاضرة سابقة، فإن الأبعاد التي تضم حياة وحدها هي ما ستفرز إرادتها الخاصة".
"سيدي، ما الغاية من هذه الإرادة؟"
أجاب بربانك: "كنت في سياق الحديث عن ذلك. من النادر أن يكون البعد صالحاً للحياة. وغالباً ما يكون البعد صالحاً للحياة لفترة وجيزة، ولكن قبل أن تنمو الحضارة، سيقضي تغيير بيئي مفاجئ على كل شيء. بيد أنه متى وُلِدت [الإرادة]، فستكون غايتها ضمان نمو حضارتها وتطورها. سيحافظ وعي المستوى على أية بيئة كانت ملائمة لنشأة الحياة، وفي بعض الحالات، سيخلق بفعالية بيئة أفضل لسكانه".
رفع كثير من الطلاب أيديهم، لكن بربانك لم يختر أحداً منهم فوراً.
"والآن، قبل أن أمضي في حديثي، أودّ أن أقرر أن هذا هو التفسير الأبسط والأكثر سطحية لهذه المفاهيم. يمكنكم قضاء حياتكم بأكملها في دراسة أمر واحد فقط من هذه الأمور. حسناً، للأسئلة. تفضل أنت أولاً، يا سيد إريكسون".
"سيدي، ما طبيعة العلاقة بين قلب البعد وإرادة البعد؟"
"قبل ولادة البعد، تكون قوانينه أو قواعده الأساسية عشوائية. حسناً، ما كان لي أن أقول 'عشوائية'، فهناك نظريات قوية تفيد بأن قواعد البعد تنتج عن تداخل من [نسيج الكوينتسيس]، لكننا لن نخوض في ذلك. على أنه بعد ولادة الوعي، سيصبح مسؤولاً عن التحكم في هذه القواعد، مزيلاً جانب العشوائية لضمان الاستقرار".
"فهمت".
"نعم، يا سيد سكايلار".
"لاحظت بعض التشابه بين [الفراغ] وفراغ الفضاء في الأرض. أتاني أبالغ في التفكير، أم ثمة ارتباط حقيقي بينهما؟"
أومأ بربانك برأسه: "ملاحظة جيدة. نعم، إنهما يتشاركان بعض وجوه الشبه، إلى جانب فروق كثيرة أيضاً، ولا سيما فيما يخصّ تأثر الطاقة".
عادة، لا تُحدث كمية صغيرة من الطاقة تغييراً يُذكر في الفراغ. بيد أن الأمر يختلف في [الفراغ].
مهما بلغت الكمية، ستتأثر الطاقة بشدة". سأل زين: "كيف؟"
قال بربانك: "تلك معلومات لا يطّلع عليها سوى سحرة الفضاء".
ولم يضف الجزء المتعلق بأن أغلبهم لن يشاركوا هذه المعرفة لأنها تنطوي على حواجز تكنولوجية أساسية تلزم للتحول إلى حضارة عابرة للأبعاد. أومأ زين، وأجاب الأستاذ عن بضع أسئلة أخرى قبل أن ينتقل لما يلي. تغيرت الصور المجسّمة عارضة عدداً لا يحصى من الصور لهذه الأبنية الغريبة التي تعلوها رمحان أو أكثر، مشكلة دائرة تتوسطها كرة طاقة ضخمة. أثارت هذه الهندسة المعمارية الفريدة فضول العديد من الطلاب.