15 مايو 2014 محمود شاهد / ديل كنت أمشي في الممرات إلى جانب روبي، رافعاً يدي لأشبكهما خلف رأسي، ومتابعاً خطوي للأمام.
"كيف حالك يا روبي؟"
سألت روبي بعبوس: "أتسعى لتبادل أطراف الحديث الآن؟ ما الذي تريد الكلام بشأنه؟"
قلت بعفوية: "هذا بالضبط. كيف حالك؟ كيف تسير حياتك، وما الجديد معك؟"
حدقت بي روبي كأنها تحاول تبين ما أخفيه. لم يكن في جعبتي شيء أخفيه، لذا بادلتها النظرات. وبعد لحظة هزت كتفيها.
"أنا بخير. التدريب في الغالب. وقراءة الكتب التي أعطيتني إياها. لكنني مسرورة لوجود شوري هنا".
تمتمت: "هذا منطقي. أظن أنه ليس لديك الكثير من الناس في عمرك هنا..."
قطبت جبينها.
"وكأن لي شيئاً مشتركاً مع بقية الأطفال. أقصد أن شوري من واكاندا، وتنحدر من ثقافة محاربة. عَمَّ سأتحدث مع الأطفال الآخرين إذن؟"
قلت بتبرم: "الموسيقى، والتلفزيون، والفتيان أو الفتيات اللطفاء، أو الكائنات الفضائية بلا جنس؟ هناك أمور كثيرة تستطيعين الحديث عنها. لا يجب أن يكون كل حديثنا عن المنتقمين طوال الوقت".
أطلقت سخريتها: "وما الجدوى؟ حتى حين كنت مع أ... أمي، لم أضطر قط للقلق بشأن مصادقة أحد".
تعثر صوتها حين نطقت بكلمة أم... فأطلت التفكير طويلاً. العائلة. بدا أن تلك الاشياء تنتمي إلى عالم آخر الآن. وبمعنى يتجاوز المعنى الحرفي وحده. تراءت لي صورة ابن أخي فجأة. لقد مضت أشهر منذ أن رأت عيني أحداً من عائلتي، وربما أكثر بالنسبة لبعضهم. كان ابن أخي... حسناً، لقد كان مفاجأة محبوبة وغير متوقعة. صبياً شقياً ولطيفاً، يحب ألعاب الفيديو، وقضاء الوقت معي ومع إخوتي، ويكره الطعام.
وبجدية، بدا الطفل مقاطعاً للطعام، وهو أمر وجدته غريباً. لقد افتقدته. افتقدتهم جميعاً. صحيح أن حياتي الحالية رائعة... باستثناء تلك اللحظات المخيفة حتى الرعب. لكنني ما زلت أحن إلى الوطن. وإن كنت أفعل...
سألت باسترخاء: "...كم مضى من الوقت منذ أن رأيت أمك؟"
انتفضت روبي كأنها تعرضت لصعقة كهربائية. وللحظة صالحة، تيقنت أنها على وشك الهجوم من شدة الإحراج.
"ل-لا أدري! بضعة أشهر، ربما؟"
أطلقت سخريتها: "حسناً، هذه مدة أطول من اللازم بكثير. أعني أن أمك ربما تشارف على الجنون من شدة الشوق. ينبغي أن نزورها على الأرجح. نتأكد من أنها بخير. لا يمكنني تخيل حجم اشتياقها لك".
واصلنا المشي لفترة أطول قليلاً.
قالت روبي بهدوء: "إ-إن كان هذا سيساعد أمي، فلا مانع لدي من زيارتها. لكن إياك أن تأتي!"
وكالعادة، نجحت في الجمع بين التهديد واللطف. تسونديري حقيقية في صميمها.
قلت بضحكة خفيفة: "بالتأكيد، بالتأكيد. لا مانع لدي... يا روبي. قدري ما تمتلكين، حسناً؟"
رفعت يدي عن خلف رأسي، وتقلص وجهي قليلاً.
"كنت لأقتل مقابل التمكن من رؤية عائلتي مجدداً".
رمقتني بنظرة غريبة.
وقبل أن تنطق بكلمة، واصلت بسرعة: "على أي حال، لقد شاهدت بضعة أفلام من عالم قرص العالم بالفعل. أظن أن علينا مشاهدة (الذهاب إلى البريد). لنتعرف على كيفية عمل مصلحة البريد!"
تذمرت روبي بصوت عالٍ: "يبدو هذا شديد الملل".
لكنها لم تتوقف عن السير خلفي، وهو ما لاحظته بابتسامة رضا.
"بلى، إلى أن تظهر Banshee السفاحة".
أمضيت الساعتين التاليتين أنا وروبي معاً في مشاهدة فيلم ممتع. كانت طفلة طيبة، لكن كان عليها أن تتعلم تقبل الجانب البشري من شخصيتها. وأن تتقبل شعور الشوق لأمها، والبحث عن الصحبة. آه، وما أدراي أنا؟ أنا لست معالجاً نفسياً. كل ما عرفته أن مرافقة روبي كانت تشبه تفقد أفراد العائلة، وبدا ذلك كافياً تماماً. ولم أعرف إلا لاحقاً أن نساء المنتقمين خضن مغامرة بينما كنت وروبي معاً.
* * *
16 مايو 2014 فانتازما سارت فانتازما وميخائيل جنباً إلى جنب في ممرات برج المنتقمين، وكانت فانتازما تتحدث. كانت ترتدي فستاناً وردياً مزقناً بالزهور، لشعورها ببهجة غامرة ذلك الصباح، بينما ارتدى ميخائيل زيه العسكري الأفضل.
قالت فانتازما بحزن: "قال السيد فوري إننا لسنا في مشكلة مع المدينة، لكن علينا تجنب الخروج في ليلة صاخبة كهذه مجدداً، لفترة طويلة على الأقل. لا أدر كيف وصلنا إلى تلك النقطة أصلاً. الأمور ببساطة..."
ضحك ميخائيل مقاطعاً إياها: "لا تقلقي يا صغيتي. أمور كهذه تحدث حين يحتفل الجنود. ستعتادين الأمر. ويسرني أن حلفاءنا الجدد تقبلوك بهذه السهولة".
تحول حزن فانتازما إلى سعادة عارمة سريعاً.
"أه، أجل! لقد كانت ممتعة جداً، رغم كل ما حدث. لقد كانوا لطفاء للغاية!"
ضحك ميخائيل: "جيد".
سألت فانتازما بفضول: "وماذا عنك؟ كيف كانت رحلتك مع السيد ستارك؟"
تحولت ابتسامة ميخائيل إلى مسحة أداكن: "أه. سارت على ما يرام. ذهبنا إلى كولورادو، ثم عدنا إلى الوطن لتسليم صديق قديم للحكومة الروسية. سيستمتع بضيافتنا".
التفتت فانتازما لتتأمله. ميخائيل، ورغم كل مرحه، كان يظهر جانباً مظلماً أحياناً. والآن، جعلت نظرة الرضا على وجهه قلبها ينتفض قليلاً. ثم التفت إليها. وتحولت ابتسامته إلى الدفء فوراً.
"أه، لقد رغب في التحدث إليك بالمناسبة".
قطبت جبينها: "بشأن ماذا؟"
"استخدام سحرك بينما يفحصك".
ازداد قطب جبينها عمقاً: "لا. لقد سئمت الاختبارات".
مثلت تلك الاختبارات جزءاً ضخماً من حياتها في مرحلة ما. علماء يفحصونها ويعبثون بها مراراً وتكراراً، محاولين إيجاد أي سيلة لنسخ قواها. لم يقدموا على خطوات شديدة التوغل، إذ لم يسمح لهم بوريس وميخائيل بذلك، لكنها ظلت محنة صعبة.
قال ميخائيل باحترام: "إن كنت هذا ما ترغبين فيه. لقد رغب أيضاً في السؤال عن إمكانية وضع حماية سحرية على برج المنتقمين".
هنا، توقفت فانتازما. حماية سحرية. كانت تلك فكرة مطروحة. لقد قضت وقتاً في قاعدة الحرس الشتوي تضع تعاويذ على الجدران والمداخل محاولة درء أشياء كالشياطين التي تشق طريقها إلى المجمع (الأمر الذي بدا مزعجاً بشكل مضحك لـ تشيرنوبوغ الذي وجد نفسه يعاني من الصداع باستمرار قبل أن تنجح في تعديل التعاويذ. وإلا فإن صداعه المستمر وشتائمه كانا مشهدين مضحكين للغاية). مشروع ربما كان مضحكاً بعض الشيء، إلى أن أثبت ريو وجود أمور كهذه، وإن كانت أضعف بكثير مما قد يظهر.
وبرج المنتقمين، رغم تحصينه الجيد بالتكنولوجيا، بدا غير مؤهل لمواجهة الهجمات السحرية.
سألت فانتازما باستياء: "...سيفحصني بينما أفعل ذلك، أليس كذلك؟"
وضع ميخائيل يداً رقيقة على كتفها موقفاً إياهما: "أظن أنه لن يفعل إن طلبتِ منه ذلك. يا شمس الصباح، أعلم أنك قلقة. لكنك ستكونين بخير. هؤلاء القوم شرفاء. ثقي بذلك. ثقي بالجنود في وحدتك. وخاصة كريل وشاهد، اللذين حاربا إلى جانبنا في أقسى المعارك وأعنفها".
عضت على شفتها قبل أن تومئ برأسها. وكعادته بكل رقة، قادها ميخائيل في طريقها.
قالت فانتازما بحزن: "سأفتقدك، حين تضطر للعودة إلى الوطن".
جذبها ميخائيل في عناق: "لا تقلقي. سأبقى هنا لفترة أطول قليلاً، وسأكون على مسافة رحلة قصيرة متى ما أردت عودتي. أعدك بذلك".
سارا نحو غرفة الترفيه، حيث كان ثلاثة أشخاص يقفون بالفعل. ثور، ستارك، وديل. ابتسمت فانتازما بحرارة لرؤية الأخير، وشعر بشيء من الدوار لرؤية صديقها الجديد. ثم لاحظت ما كان يرتديه. قبعة (الدينامو القرمزي) تظهر صديقتها المدرعة وهي تطلق شعاع ضوء من صدرها، وسترة سوداء صُممت لتشبه ظلالاً متلظية. وحين رأت منطقة الصدر المصممة ليبدو وكأنها أسنان بيضاء باهتة متعرجة في ابتسامة مع عيون بيضاء باهتة، أدركت أنها سترة تشيرنوبوغ.
لذا لم تفاجأ حين اقتربت هي وميخائيل لتسمع صوت ثور المتذمر. - ترتدي ذلك فقط لإزعاجنا، قال ملك الرعد بانزعاج طفولي. كان يرتدي درعه المعتاد، باستثناء غياب عباءته وترك ذراعيه عاريتين.
"اعترف بذلك".
ابتسم ديل باتساع للإله، غير آبه فيما يبدوالكائن الأقوى بكثير.
"كلا، أنا أحب ارتداء ملابس المهووسين فقط، أنت تعرف ذلك".
قال توني بعفوية وهو يسكب مشرناً من خلف المنضدة، وكان الملياردير يرتدي قميصاً أسود لفرقة ميتاليكا: "أتعلم أنها أفسدت طريقتي في التميز، أليس كذلك؟ أقسم، أرتدي البدلة فتجعل الجميع يقلدونني فجأة؟"
قال ديل مقلباً عينيه، بينما كشفت ابتسامته عن سخريته من ستارك: "يا صديقي، لقد كانت لدى الناس فكرة الدروع الخارقة قبل أن تلمسها يداك أصلاً. على كل حال، أنت مدين بحقوق ملكية فكرية لـ (وورهامر 40K)".
قال ستارك كمن يفعل ذلك عن عادة قديمة: "يا محب التعصب. بصراحة، سأشتري أي مصنع يصنع تلك الأشياء كي أحرقه فحسب".
قال ميخائيل بمرح بينما انضم وميخائيل إلى الثلاثي: "ستخوض معركة طويلة وشاقة. أظن أن الحكومة الروسية شديدة التملك حيالها".
تهلل وجه ستارك لرؤية ميخائيل: "أهلاً ميشا! ظننتك ستصارع إرهاق السفر!"
تحرك ميخائيل ليسحب مقعداً لفانتازما، لكن ديل سبقه إليه. أومأ للشاب برأسة قبل أن يجلس، وجلست فانتازما بجوار ديل.
"أتشعر بكل هذا الضيق بسبب فكرة غالينا يا ستارك؟"
هز الملياردير كتفيه: "كلا. أود تبادل النصائح معها، بصراحة شديدة. لا يمكنني القول إنني معجب بجمعيكم ممن عقدوا مقارنة مباشرة بيني وبين الفتاة الروسية المكافحة".
ابتسم ميخائيل بينما قطبت فانتازما جبينها.
"وتشيرنوبوغ؟"
قال ثور وبدا مذهولاً تقريباً: "إنه ملك شرير! بالطبع لا أحبه! أنا، كيف..."
التفت ثور ليطالع الجميع.
"لم أنتم بخير مع هذا كله؟"
هز ديل كتفيه: "لقد كان مقززاً بحق... لكنه بدا معجباً بي نوعاً ما".
أضاف ميخائيل: "أنا لا أحبه. لذا فأنا في القارب نفسه معك".
اعترفت فانتازما: "إنه وحش. وإن يكن وحشاً مفيداً. وقصصهم مشوقة".
أومأ ميخائيل برأسه: "حقاً! الاستماع إلى حكايات تشيرنوبوغ وهو يهين المتشددين أو يزعجهم أمر مسلٍّ للغاية! ومع ذلك، إنه وغد".
أضاف ديل: "وغد".
تنهدت فانتازما بحزن: "وغد".
بدا ثور هادئاً تقريباً لتلك الاعترافات قبل أن يتحدث توني.
"يبدو الأمر عسيراً، لكنني أظن أنني أستطيع تجاوزه، خاصة مقابل قصة جيدة. أقصد أنني صديقك، ألسنا كذلك؟"
حدق ثور في المنتقم الحديدي بعدم تصديق: "ماذا-! أنا ملك صالح!"
أشار توني: "لقد حاولت صعقي بالكهرباء أول لقاء جمع بيننا يا بوينت بريك. لم تكن انطباعاً أولياً رائعاً".
لم يبد أن لدى ثور ما يرد به على ذلك. ابتسم له توني وناولع مشروباً.
"أنا أمزح يا ثور. أنت الملك الوحيد الذي أحبه، يا طفلي الضخم".
تناول مشروبه وتمتم ممتعظاً: "حسن أن يكون الأمر كذلك. أصعقك بالكهرباء. لكنت غبت عن الوعي فحسب، ولما أُصبت بأذى حتى".
تنهدت فانتازما بخفة. التفت ديل لينظر إليها.
"إذن، سمعت من جين أنكم قضيتم ليلة جنونية".
نظر إليها توني كمن سرّه إيجاد هدف جديد لمضايقته: "أصحيح أنك أحرقت مبنًى في ليلتك الأولى بالمدينة؟"
تمتمت فانتازما وقد غطاها الخجل: "تقنياً، كان ذلك انفجار مختبر الميثامفيتامين".
ناولها ستارك مشروباً: "أنا فخور جداً بك".
وتفاجأت لرؤية أنه كان مخفوق حليب، فرمقته بنظرة حائرة.
فأوضح ستارك: "منذ أن انضم ديل، حرصت على توفير مجموعة من المكونات للأشياء غير الكحولية. أتريدين بعض المسكرات الحقيقية؟"
هزت رأسها، واكتفت بارتشاف رشفة من مشروبها.
سكب ستارك لنفسه بعض الويسكي: "إذن، أخمين أن أباك هنا قد أخبرك بما طلبته؟"
احمر وجه فانتازما: "ميخائيل ليس أبي..."
أطلق ستارك سخريته: "يا للطف. بجدية، ما رأيك؟ بشأن تحويل هذا المكان إلى سحر خالص؟"
وقبل أن تستطيع الرد، تحدث ثور: "تلك فكرة ممتازة. طالما فكرت في أن امتلاك دفاعات كهذه سيكون أمراً جيداً للبرج".
قال ديل في ذهول ناعم: "سيكون ذلك رائعاً بحق. دفاعات سحرية وتقنية فائقة. على الأقل سنحاول جعل هذا المكان منيعاً حتى وإن فشل الحتم الأمر".
قال ستارك بسخرية: "يا لعظمة رفع معنوياتنا".
تألم ديل: "عذراً. هذا هو المهووس الداخلي الذي يتحدث".
سخر ستارك: "لديك مهووس (داخلي)؟ إذن ماذا، هل هذه شخصيتك الرياضية؟"
رد ديل بسخرية مقابلة: "عذراً، من بين الموجودين في هذه الغرفة، من هو الوحيد القادر على التحدث بلغة ASCII؟"
رد توني بالمثل: "عذراً، من بين الموجودين في هذه الغرفة، من سبق له مضاجعة عارضات الأزياء؟"
قال ديل بابتسامة: "أمتأكد أنك تريد التفاخر بذلك؟ لأن بيبر سيسرها سماع هذا".
سخر ستارك والتفت مجدداً إلى فانتازما: "بغض النظر عن أداء المهووس الضعيف..."
احتج ديل: "أنا أواعد جين!"
قال توني دون أن يرفع عينيه عن فانتازما: "بل الأرجح أنها هي من تواعدك. ما رأيك أنت؟"
ارتشفت فانتازما من مشروبها وهي تفكر: "...يمكنني تقديم بعض التعاويذ المفيدة. لكنني بحاجة لبعض الوقت لأطرح عليك أسئلة، للتأكد من أنها لن تتداخل مع التكنولوجيا التي تملكها. قد يعني ذلك أنني سأمتلك فهمًا أعمق للبرج مما يريحك".
قطب ستارك جبينه. وبدا شبه منزعج.
ثم وضع ديل يداً على كتفها، مما فاجأها: "فانتازما رائعة يا توني. لا داعي للقلق بشأن أي شيء".
ابتسمت له بشيء من الراحة. بدا ثقة ديل الكبيرة بها... شعوراً طيباً فحسب. قد يكون الأمر ساذجاً، لكنه كان شيئاً منعشاً يبعث على السرور.
وبدا ستارك غير متأكد بعد لكنه أومأ: "إذن أظن أنني ومولي سنشرع في العمل".
تحولت مشاعر الدفء التي غرقت فيها فانتازما إلى ضيق: "إن ناديتني بهذا الاسم مجدداً، سأحولك إلى ابن عرس".
قال توني فوراً: "مولي".
وحين حدقت فيه فانتازما بغضب، هز كتفيه: "أه، أود رؤية ذلك نوعاً ما. بالإضافة إلى أن الصغر الشديد قد يكون ممتعاً".
فاجأ ثور الغرفة بأسرع ما يمكن حين قال: "إنه ليس شعوراً لطيفاً".
ومنحهم نظرة جادة: "لقد تحولت إلى ضفدع مرة. ما زلت راودني كوابيس".
تمتم ديل بهدوء: "هيه. (ثروغ)".
قال توني وهو يرتشف مشروبه ويلقي بالكأس في الحوض، دون أن يكسر الكأس لسبب ما: "على أي حال، أنا مغادر. سأقص شعري في المدينة".
سأل ديل مندهشاً: "حقاً؟ ألا يقص شعرك نوع ما من... لا أدري، مصفف شعر خاص بالملايين؟"
ابتسم ستارك: "أولاً، أنا منزعج لأنك تظنني سأختار مصفف شعري لأناس رخيصين بحق الملايين. سمعت أن هذا الرجل بارع للغاية".
وبهذا انطلق ستارك، بخطوات واثقة نحو مجهول ما.
نهض ميخائيل: "سأحتاج إلى إكمال تقريري وإرساله في غضون ذلك"، قال وهو يرمق المشروبات بنظرة قبل أن يمد يده ليقبض على أكبر زجاجة فودكا يستطيع الوصول إليها.
شعرت فانتازما بحنق محبب لرؤية التلهف على وجهه وهو يستعد للمغادرة.
سأل ميخائيل فانتازما: "أستكونين بخير هنا؟"
أومأت برأسها: "نعم. أأتحدث إليك لاحقاً؟"
"بالتأكيد، يا شمس الصباح"، وابتسم ابتسامة أخرى مليئة بالحنان، ومضى ميخائيل مغادراً، تاركاً إياها مع ثور وديل.
نظرت بين ملك الرعد والقرص الكوني، كما كان يُطلق على الاثنين (إلى جانب مجموعة من الألقاب). مرت لحظة محرجة قبل أن يتحدث ديل.
"إذن يا ثور، كيف حال سيف ومحاربو الثلاثة؟ أعلم أنهم ما زالوا على ميدغارد، لكنني لم أراهم منذ فترة".
أومأ ثور، وبدا أكثر ابتهاجاً على الفور: "نعم، إنهم هنا! كنا نخطط لقضاء بعض الوقت في المدينة".
سأل فانتازما دون أن تفكر: "أهذه فكرة صديدقة؟"
وحين منحها ثور نظرة بدت مستاءة تقريباً انكمشت في مكانها.
"الأمر فقط، أعلم أنهم قد يواجهون مشكلة مع... صدمة ثقافية؟ الأمر سيئ بما فيه الكفاية بالنسبة لي وأنا من الأرض".
تدرج وجه ثور صفاءً: "آه، أنت محقة تماماً يا ليدي فانتازما. لهذا السبب بالذات يجب أن نزور المدينة. ليروا كيف تغيرت الأرض في غيابنا، خيرها وشرها!"
مال ديل برأسه إلى الجانب بتفكير: "أجل، هذا عادل. أتريد أن يأتي أحد معك؟ أقصد، لقد تحسنت، لكنك تميل لمواجهة بعض المشكلات مع ثقافة الأرض في بعض الأيام".
قطب ملك الرعد جبينه: "لا، لا أملك ذلك".
عقد ديل ذراعيه.
"...حسنًأ، ليس بالقدر ذاته!"
سعل ديل.
تنهد ثور: "هذا-! أنا-! حقاً، أنت مزعج".
هز ديل كتفيه: "أنت صديقي يا رجل، أنا أحاول المساعدة فحسب".
تنهد ثور مجدداً: "وأنا أقدر ذلك. لكنه أمر مزعج"، ماداً يده.
طار ميولنير من طاولة قريبة ليصطدم براحته. وانشق وجه ديل عن ابتسامة عريضة.
همس الشبه فضائي: "يا رجل، ما زال رؤية ذلك أمراً رائعاً".
وبدا أن ثور قد سمع، فابتسم باتساع.
ثم نظر ملك الرعد إلى فانتازما: "وأنت يا ليدي فانتازما؟ أترغبين في الانضمام إلينا؟"
قالت فانتازما متباغلة: "أنا؟ أه، أنا لا..."
طلب ديل: "من فضلك؟ سيكون الأمر ممتعاً. يمكننا معرفة عدد المطاعم التي يُطرد منها فولستاغ!"
ورغم نكتته، بدا جاداً. فكرت فانتازما في الأمر. لم تكن تمتلك الكثير من الخطط لهذا اليوم. صحيح أنها تلقت توجيهات بتفادي الخروج في ليلة صاخبة أخرى... لكنها، بالمقابل، منتصف النهار.
نهضت فانتازما بابتسامة، متناولة ذراع ديل بلطف: "حسناً إذن".
وسير الثلاثة نحو الشرفة الخارجية.
"أين سنلتقي بالآخرين؟"
قال ثور بفخامة: "بالقرب من متحف إنتربريد للبحر والجو الفضاء! يبدو أن الليدي سيف قد خاضت رحلة زاخرة حقاً! ستعود إلى هناك غانمة بغنائم المعركة!"
رمشت فانتازما بذهول: "غنائم المعركة؟"
وبدا ديل مشوشاً كذلك لكنه لم يبد مستعداً للاستفسار بينما وقفا في الهواء الخالي. وبدلاً من ذلك، فصل ذراعه عن ذراع فانتازما ومد يده نحو ساعته. وبعد عدة لفات، ضغط عليها.
"أستروداكتيل!"
"صياح! حسناً، لنذهب لنرى!"
صرخ التيروداكتيل الفضائي. وانبعثت دفقة خضراء من حزمة الصفعات على ظهره، دافعة إياه للانطلاق نحو السماء قبل أن يدور حول نفسه.
"آخر من يصل هو بيضة فاسدة!"
صرخ ثور بمرح وهو يدير ميولنير حوله ليكتسب سرعة: "أيها المخادع!"
ضحكت فانتازما، رافعة يديها لتطلق دفعات من السحر البنفسجي، طافية نحو الأعلى. وانطلق الأبطال الخارقون الثلاثة من برج المنتقمين وسط وميض من طاقة النجوم الخضراء، والبرق الأبيض، والسحر البنفسجي، متجهين صوب نهر هودسون.
* * *
لوك كيج كان لوك يمسح بعض الشعر عن أرضية متجر بوب، حارصاً على جمع أكبر قدر ممكن مع كل حركة مكنسة. كان بوب يقص شعر رجل طاعن في السن بينما يتجادل معه حول فريق نيكس. وكان زوج من الأطفال يجانب ألعاب الفيديو على تلفزيون بوب. وكان رجل يرتدي نظارة وقبعة يدعى بوبي فيش يلعب الشطرنج مع جيسيكا. كان الجو هادئاً للغاية باستثناء تمتمات جيسيكا الغاضبة والمستمرة مع نفسها، محاولة إبقاء شتائمها في حدها الأدنى.
وكانت وعاء الشتائم موضوعاً بجانبها مباشرة تحسّباً لأي طارئ. وبينما كان لوك يعمل، دخل شخص المتجر، مما جذب انتباهه. وكاد يسقط مكنسته. وقف توني ستارك، الملياردير والبطل الخارق، عند الباب، مزيلاً نظارته الشمسية بابتسامة. يمكنك سماع دبة الإبرة من شدة الصمت بينما حدق فيه الجميع. لاحظ لوك أمرين فوراً. أولاً، كان وحده. بلا حراس شخصيين أو شرطة. ثانياً، كان يتجاهل لوك وجيسيكا، ناظراً إلى بوب وحده.
"أنا التالي".
وبدا أن بوب لم يدر بما يجيب عن ذلك. تحرك توني ستارك الملعون ليجلس على أحد مقاعد الانتظار، متناولاً مجلة عشوائية من على الطاولة وراح يقلب صفحاتها. تبادل لوك وجيسيكا نظرة مذهولة. توقف كلا الطفلين اللذين كانا يلعبان ألعاب الفيديو والتفتا حين لاحظا هدوء الأجواء، قبل أن يوقف أحدهما توني. حدق فيه مطولاً قبل أن تتسع عيناه إدراكاً.
"أ-أنت الرجل الحديدي!"
رفع توني بصره إلى الطفل وابتسم بخبث: "نعم، أنا هو. كيف حالك؟"
صفع الطفل الآخر صديقه بسخرية: "يا رجل، دعك من هذا، ليس هذا الرجل الحديدي! الرجل الحديدي أطول!"
رمش توني ستارك ببطء. ثم التفت إلى بوب.
"أرأيت؟ لهذا السبب أحتاج لقصة الشعر. أنا غير قابل للتمييز".
وبدا أن الطفل الآخر أدرك خطأه حينها فحدق في توني فاغراً فاه. وقفز الأول بحماس على مقعده.
"هذا رائع للغاية! أتمتلك البدلة!؟"
ابتسم توني مشيراً لنفسه: "نعم، هذه البدلة. أظنها جميلة".
قال الطفل بحماس: "كلا، ليس هذه، بدلة الرجل الحديدي!"
فرك الملياردير ذقنه بتفكير.
وأخيراً، أومأ ورفع يداً إلى أذنه: "جاربيس؟"
وبعد لحظة قصيرة بما يكفي ليخمن لوك أن الشيء كان ينتظر في مكان قريب، حطت بدلة مدرعة في الشارع بالخارج. واندفع الأطفال صارخين بحماس، خارجين نحو السلالم للتعجب من بدلة الرجل الحديدي.
سخر توني: "لقد استغرق الأمر وقتاً طويلًا".
وجاء صوت من العدم، وبدا جافاً قدر الإمكان: "عذراً سيدي، للأسف، اضطررنا لأخذها للمغسلة لتلميعها".
لاحظ لوك أن مستوى السخرية في الصوت كان في محله تماماً. ابتسم توني بسخرية وعاد لقراءة مجلته. تبادل لوك وجيسيكا النظرات. وكان عليه أن يفترض أنها تفكر بما يفكر فيه تماماً. الرجل الحديدي في المتجر. وبدلته في الخارج مباشرة ويمكنها الطيران ذاتياً على ما يبدو. وشعر براحتيه تشدان على مكنسته في يده، مفكراً في نفسه. لم يكن يعلم إن كان يستطيع مقاتلة بدلة الرجل الحديدي. كان صلباً لدرجة ترتد عنها الرصاصات، ويمكنه الاختراق بلكماته جدران الفولاذ.
لكن بدلة الرجل الحديدي قادرة على فعل الأمور ذاتها وتمتلك قوة نيران أكبر بكثير بفضل أشعتها أو أياً ما كانت تلك المقذوفات. وكانت جيسيكا أكثر عرضة للخطر أمام البدلة لعدم تمتعها بصلابته. ...لماذا هو هنا؟ ولماذا يجلس هناك يقرأ مجلة بينما يتجمع الناس في الخارج حول بدلته؟ نظر لوك إلى بوب وشعر بالدهشة حين رأى العجوز قد عاد لقص شعر زبونه الحالي. وشعر بوب بنظراته فمنحه هزة كتفين.
"وما عساني أفعل غير ذلك؟"
كان ذلك عدلاً. سير لوك نحو الخلف، متبوعاً بجيسيكا.
قالت جيسيكا فوراً: "علينا الهروب".
أشار لوك: "إلى أين؟ يمكنه الطيران".
فتحت جيسيكا فمها وأغلقته، ثم قطبت جبينها بتفكير: "أجل. أجل... حسناً. إن كان هنا لأجلنا، فلدينا سبل خروج قليلة دون القضاء عليه أولاً. لذا فإن جاء ليأخذنا، فعلينا طرحه أرضاً بقسوة ثم نلوذ بالفرار".
ماذا؟
"يا جيسيكا، إن كان هنا ليأخذنا... إنه من المنتقمين".
كان ذلك ليلخص الأمر برمته. لقد امتلك موارد أكثر بكثير مما امتلكوه، ناهيك عن أصدقاء أضخم. لقد شعر لوك بتوتر كافٍ وهو يهرب من الشرطة كما هي الحال. فما بالك بفكرة أن ينزع الهالك سقفاً ويمد يده نحوه مقلقاً إياه. أو مطرقة برق، أو كائن فضائي عملاق مصنوع من الماس... بصراحة، كان محزناً إدراك أنه حتى مع القوة الخارقة، كان لديه ما يقلقه أكثر مما كان عليه الحال قبل بضعة أعوام.
لقد كانت ساحة اللعب متكافئة أكثر بكثير مما رغب.
هست جيسيكا: "إذن ما الخيار الآخر، أتأمل أن يكون هنا من أجل قصة شعر!؟"
هز لوك رأسه: "لا يهم. لن نصنع شيئاً في متجر بوب. إنه في سويسرا. أرض محايدة".
سخرت جيسيكا: "أيعلم توني ستارك ذلك؟"
أنهى بوب عمله مع زبونه. نهض الرجل من المقعد بسرعة فائقة، مفسحاً المجال لتوني ستارك. ونهض توني وانتقل إلى بوب، جالساً في المقعد بكل عفوية.
سأل توني بعفوية: "إذن، كيف كان يومك؟"
بدا أن بوب قد استرخى بمجرد وضعه للمريلة حول رقبة توني، وكأن العودة إلى الروتين قد هدأت من روعه: "جيد للغاية. وماذا عنك، سيد ستارك؟"
تألم توني: "توني، أرجوك. بجدية، أتلقى مجاملات مزيفة طوال الوقت. إنه أمر مزعج حقاً"، قال ببحوث.
قطب بوب جبينه، رافعاً إصبعاً ليشير. ونظر توني في اتجاه الإصبع ليرى علبة صفراء بريئة كُتبت عليها عبارة (وعاء الشتائم).
"..."
بدت عيون توني كأنها تضيء واتسعت ابتسامته.
"أأنت جاد؟"
ابتسم بوب: "أصدق من الخطيئة".
قال توني بمرح: "تباً، خذ القليل من الأعلى ولنبدأ هذا! والآن، سأروي لك قصة أثناء قيامي بذلك. ما هو سعر الصرف على الوعاء على أي حال؟"
قال بوب وهو يبدأ بالقص: "دولار واحد عن كل شتيمة".
"هف..."
فكر توني في الأمر.
"حسناً، فقط لا تخبر بيبر بأنني أخبرتك بهذا. قصة حياتي، وعارضات تقويم ماكسيم لعام 2007".
رمش لوك: "أهو جاد؟"
* * *
كان جاداً. وطوال الدقائق التالية، روى توني ستارك أجرأ القصص التي سمعها لوك وجيسيكا على الإطلاق. وفي لحظة ما، عاد أحد الأطفال إلى الداخل ليسأل شيئاً بحماس، فتوقف توني ليجيبه، وكانت لغته نظيفة تماماً مجدداً. ثم عاد الطفل إلى الخارج وفجأة راح توني يحطم أي شعور باللياقة. في هذه الأثناء، لم يبد أن بوب يمانع على الإطلاق، وهو أمر كان مفاجئاً بالقدر ذاته. راقب لوك وجيسيكا، وبدت جيسيكا معجبة على مضض.
وكأن لوك كون انطباعاً بأنها كانت تدون الملاحظات. وفي مرحلة ما، شرع توني في وصف ما فعله بعارضات غلاف عيد الميلاد، اللاتي كن توأمين، بتفاصيل مذهلة.
سأل لوك: "كم تظن أن هذا صحيح؟"
ابتسمت جيسيكا بخبث: "ماذا، أتشعر بالغيرة؟"
أطلق لوك سخريته، غير متأثر بالإهانة: "بال بالكاد. بدأت أتساءل عن غايته النهائية. فبعد كل هذا، بدأت الأمور تبدو مخيبة للآمال".
لقد كانت كذلك. وبدأ لوك يشعر بأن الاختباء في الخلف كان مبالغة في رد الفعل. كان توني جالساً هناك يحصل على قصة شعر ويدفع فاتورة وعاء الشتائم. وهو أمر كان الناس يفعلونه من حين لآخر حقاً. ليس رغبة في عدم احترام بوب بل إيجاد عذر لمكافأة الرجل على كل عمله الجيد. وبصراحة، كانت حقيقة توقف توني حين تواجد الأطفال هي السبب الوحيد الذي جعل بوب يسمح له بالإفلات من الأمر. ولو لم يفعل ذلك فقط لرفع فاتورته، لما كان بوب مستعداً للتغاضي عن الأمر بنصف تلك الرغبة.
أنهى توني حديثه: "في الواقع، كلهن فتيات لطيفات. ينبغي أن أدعوهن لحفلة ما أو ما شابه. على أي حال، هل انتهينا؟"
قال بوب: "يكفي هذا. إن كنت قد توقفت عن تحويل اللغة الإنجليزية إلى مستنقع"، واختتم بابتسامة ساخرة.
مازح توني: "إنها أفضل لغة للشتائم".
ثم قطب جبينه.
"أظن أن الروسية رائعة حقاً. وكذلك اليونانية... اليابانية ممتعة. تعلم ماذا، لنؤجل ذلك"، هز ستارك كتفيه بينما أُزيلت المريلة عنه.
انحنى توني للأمام ليتفقد شعره. بالنسبة لوك، لم يكن هناك فرق ملحوظ، لكن الرجل بدا راضياً لأنه أومأ ومد يده لمحفظته.
مد توني لعدة أوراق نقدية لبوب: "هاك. يجب أن تكون الحساب مضبوطاً، أليس كذلك؟"
تفحصها بوب وهمهم: "ها. هذا هو المبلغ بالتمام والكمال. ثلاثمائة وسبعة".
ابتسم توني: "أنا أجيد التعامل مع الأرقام".
ثم التفت إلى جيسيكا ولوك.
"سيكون نيك فوري هنا خلال أيام قليلة، لذا إن كنتما ترغبان في الاستمرار في الاختباء كلما مررت، فأنذركما. العُور لا يلعب تلك الألعاب"، وتحولت ابتسامة توني إلى مسحة انتقامية قليلاً.
"أتمنى لكما يوماً جميلاً".
استدار توني ستارك وغادر. وبعد لحظات، ملأ صوت إطلاق بدلة الرجل الحديدي الأجواء، تاركاً لوك وجيسيكا يحدقان خارج المتجر.
قالت جيسيكا أخيراً: "...نحن مغادران".
لم يعلم لوك كيف يخبرها بأن الأمر لن يجدي نفعاً على الأرجح.