يوم الصعود الفصل 42

اقرأ يوم الصعود الفصل 42 باللغة العربية على مانجا تايم.

أثار هذا المشهد في العالم السفلي بجانب نهر الجحيم قشعريرة تسري في أبدانهم. ازداد شعور شو ينغ بالحذر وأبطأ خطاه. وحين جاوز شجرة الصفصاف، بادره الشخص القابع تحتها بالدعوة: — أيها الشاب شو، لمَ لا تفضل بالجلوس؟ همس يوانقي، وقد امتلاه الحذر: — يا آ ينغ، هذا الرجل يضمر الشر! أومأ شو ينغ برأسه برفق: — بما أننا وصلنا بالفعل، فلنَرَ ما يريد. إنه ينتظر هنا منذ مدة، ومن الواضح أنه لن يدعنا نغادر بسهولة. اقترب واستأذن ثم جلس. انتظره شياطين الثيران من خلفه. لم يقفوا على الأرض، بل فوق دوامات من الهواء البارد، في منظر غريب ومخيف. لقد كانوا مصدر ثقة شو ينغ. ورغم أنه لم يدرِ لمَ يتبعونه، إلا أنه استنتج بقدرته مع سياط العظام البيضاء الضاربة للأرواح التعامل مع أي خطر قد يداهمه. كان يجلس أمامه عجوز مقطب الجبين. استحال تحديد عمره. غطت وجهه تجاعيد عميقة تشبه ندوب السكاكين المحفورة في لحمه، وكأنها بلغت عظامه. بلغ من الكبر أن غارت عيناه عميقاً في محجريهما. وبجلوسه تحت الفانوس الأخضر، بدتا كأنهما نقطتان حمراوان تختبئان في عمق المحجرين، وتتوهجان مثل البخور. وفاضت منه أيضاً رائحة غريبة تشبه البخور، لكنه لم يبدُ كملك. صبّ العجوز الشاي لشو ينغ. ورغم عطشه، لم يشرب شو ينغ منه شيئاً، بل سأل: — أتعرفني أيها الشيخ؟ حدق يوانقي في الشاي وابتلع ريقه. بيد أن الكوبين والكرسيين كانا وحدهما هناك، ما جعله مستبعداً تماماً. ابتسم العجوز: — أعرفك. بل وحملتك بين ذراعي وأنت طفل صغير. نظر إليه شو ينغ مذهولاً. وعزم على استرجاع طفولته باحثاً في الذاكرة. — لمَ لا أذكرك أيها الشيخ؟ كانت قرية خوجيابينغ مسقط رأسي. يحمل الجميع هناك لقب شو. كان والدي الابن الثالث ويدعى شو سانلانغ، وكانت والدتي من القرية المجاورة وتدعى لوه ينغهوا. كنت الابن الثاني في العائلة، ولي أخت كبرى— لا، ليس هكذا! احمرت عيناه تدريجياً بينما برز مشهد جناح العودة إلى الوطن في ذهنه. تذكر الصبي الصغير الذي اصطدم بساقه، والزوجين الشابين اللذين تعذر عليه تبين وجهيهما بوضوح. توتر كل من يوانقي وداتشونغ. — يا الهول، حالة آ ينغ تتجدد! أشار العجوز إليه ليشرب الشاي وقال: — تعاني الصداع منذ صغرك، ولم تُشفَ منه بعد. يا للمسكين. وضع شو ينغ كوب الشاي الذي رفعه، وابتسم بينما احتدم الألم في رأسه: — بما أنك حملتني بين ذراعي أيها الشيخ، فلا بد أنك تعلم الكثير عن طفولتي. ازداد عبوس العجوز عمقاً حين رأى شو ينغ ممتنعاً عن الشاي. وفجأة، لمع البرق ورعد الرعد في السماء بينما حلّق معبد مهيب في الهواء. دوى صوت الخبير السماوي طارد الأرواح مرتد الأبيض: — أيها اللقيط صاحب الثعبان الضخم، أين تختبئ؟ لا داعي للاختباء بعد الآن، أظهر نفسك! أرني فنون سيفك مرة أخرى! اكتنف القتام ملامح شو ينغ ويوانقي. وقرع داتشونغ مرة واحدة. وحدها شياطين الثيران حافظت على هدوئها. فاكتفت بالنفخ مرات عدة وهي واقفة داخل دوامات الرياح الباردة. وقف شو ينغ فوراً راغباً في الاستئذان. فقال العجوز: — اطمئن. لن يجد هذا المكان. قريباً، سيأتي لينغ يوداو من مكتب العالم السفلي في يونغتشو عبر هذا الطريق ويستدرجه بعيداً. تراقصت عينا شو ينغ. وفعل عينه الثالثة سراً لمراقبته وابتسم: — بماذا أناديك أيها الشيخ؟ وجّه إدراكه السماوي ليعمل مرآةً عند ما بين حاجبيه. فانفتحت عينه الثالثة مسلطة نظراتها على العجوز. ارتجف قلب شو ينغ. فرأى كائناً إلهياً واسعاً بلا حدود يجلس في الفراغ خلف العجوز، ويبث أشعة متناهية من النور الوردي استحال معها النظر إليه مباشرة. ممارس طاقة! شعر شو ينغ ببرودة تسري في قلبه. فأغلق عينه الثالثة سريعاً وركّز على الحفاظ على رباطة جأشه، دافناً أي إشارة توحي بغرابته. كان هذا العجوز ممارس طاقة يشبه عذراء التابوت! لكن، ألم تقل إن ممارسي الطاقة قد انقرضوا؟ فمن أين أتى هذا العجوز المقطب؟ استشعر العجوز أمراً غير معتاد، كأن أحدهم رمقه بنظرة، لكنها تلاشت بسرعة. التفت حوله بحيرة. لم يكن هناك سوى ملوك الأشباح التابعة للمعبد المتهالك تحوم في الأرجاء، والخبير السماوي طارد الأرواح مرتد الأبيض يحلق في السماء مع المعبد المهيب بحثاً عن شو ينغ. ولم يظهر أي خبير آخر. أيختبئ خبير في الجوار؟ وعندما عجز عن العثور على من تجسس عليه، ضاعف حذره سراً. — الخبير السماوي لمعبد مدخل الماء لقبه تشين، واسمه ميانژو. لقد كان يوماً ملكاً لمملكة ديان الجنوبية. أجبته ثقافة الأرض السماوية فأتى هنا للدراسة. بدت موهبته مذهلة حقاً، وامتلك حظاً عظيماً. لقد تعلم إرث طارد الأرواح وفتح خزان سر العاصمة اليشمية، ثم ظفر بإرث غامض. وعقب عودته، قفز استيعابه قفزات واسعة. وفي مئة عام فحسب، بلغ مرتبة الخبير السماوي. أنصت شو ينغ باهتمام بينما تحدث العجوز عن أصول الخبير. وأردف العجوز: — عاش تشين ميانژو حتى بلغ ثلاثمائة وسبعة وستين عاماً. وحين غدا خبيراً سماويّاً، أدرك أن عمره محدود فأخذ يعدّ للحياة الآخرة. حشد قوة مملكة ديان الجنوبية ودفع أهلها لعبادة الملوك ونحت التمثال تلو الآخر. وعند مماته، بنى معبد مدخل الماء، واصلاً أحد طرفيه بعالم البشر والآخر بالعلام السفلي. أخفى أرض تجليه للآثار المتوهجة في العالم السفلي، عازماً على أن يصير خبيراً سماويّاً خالداً لا يفنى يقطن العالمين معاً. واستعبد ملوك لا تحصى لتصنع له الإكسير وتدير شؤونه اليومية، مانحة إياه فرصة مواصلة العيش كالملوك. هكذا كانت حياة الخبير، إلى أن جاء يوم— قاطعه شو ينغ: — إلى أن جاء يوم شطبت فيه ضربة سيف أرض تجليه. فاقتحمها خبير لا يُبارى وأرداه قتيلاً! بملامح غريبة، قال العجوز: — اقتحم ذلك الشخص أرض تجليه بسيفه، لكنه لم يقتله، بل أكله. انطلقت برودة من عجب شو ينغ إلى مؤخرة رأسه. وتمتم بصوت متحشرج: — أكله؟ تناول رشفة من الشاي بلا وعي لترطيب حلقه. ولم يلحظ يوانقي وداتشونغ الأمر لفرط اندماجهما في القصة. أجاب العجوز: — التهمه عن آخره فلم يبقِ سوى جلده. ولم يستثنِ حتى روحه. لقد تعمد الكائن الذي التهمه فعل ذلك، كأنه يستمتع بطبق نادر أعده بنفسه. ولم يرغب في إهدار قضمة واحدة. وأثناء حديثه، تحرك حلقه كأنه يبتلع لعاباً، متخيلاً الخبير السماوي وجبة شهية. التقط العجوز إبريق الشاي وصب لشو ينغ، ثم تابع: — الموت العادي ما كان ليترك تشين ميانژو بكل هذا الحنق العميق. فبأكله حياً قضمة بعد قضمة، بلغ غضبه العنان. وحتى الآن، لم ينجُ سوى أثر من وعيه الباقي. أدرك شو ينغ الحقيقة. وارتشف الشاي معلقاً: — لا عجب أنه بدا بهذه القوة، لكنه ليس كذلك في الواقع. قال العجوز: — كم تبلغ قوة مجرد غلاف؟ إنه مجرد قشرة من ماضيه، لا يقوى سوى على تخويف الخبراء العظام، لكنه سيتكبد خسارة إن واجه خبيراً حقيقياً. حسناً، لقد استدرجه الجنرال المسيطر لمكتب العالم السفلي بعيداً. تردد صدى صراخ لينغ يوداو في السماء. ثم انطلقت ضحكة الخبير مرتد الأبيض: — أيها الملك الخشبي الطيني الذي يكاد يخلو من اللحم، أيجرؤ مثلك على مضايقتي؟ ردّ لينغ يوداو: — أنا الجنرال المسيطر في بلاط العالم السفلي. كيف تجرؤ على مهاجمتي؟ ستخرق قوانين السماء إن قتلتني. ولن تطيق عواقب الأمر! — وما نفع بلاط العالم السفلي؟ سأقتحم بلاط العالم السفلي ذات يوم وأنصب نفسي إمبراطوراً عليه! خفتت أصواتهما تدريجياً في الأفق. تنهد شو ينغ بارتياح وابتسم: — شكراً لك أيها الشيخ. أجاب العجوز: — امضِ في طريقك أيها الشاب شو. نهض شو ينغ واقفاً، لكن رؤيته غامت للحظة. هزّ رأسه ليصفّي ذهنه. ومشى برفقة يوانقي وشياطين الثيران نحو الليل الواسع، لتتلاشى أشكالهم تدريجياً عن الأنظار. حدق العجوز بعينين واسعتين عاجزاً عن الكلام لفترة. ثم صاح بعد تصديق: — يا منغ بو، شايُك مخفف بالماء بالفعل! لا، هذا ماء بنكهة الشاي حقاً! ارتجف غضباً. فحساء منغ بو الأسطوري، حساء النسيان، لم يخدر شو ينغ سوى لحظة عابرة قبل أن يصحو كأنه لم يتأثر قط. لا بد أن منغ بو قد خففته بالماء! — هكذا إذن. يجب أن أذهب لإيجاد منغ بو وأطالبها بتفسير! وقف العجوز، ونظف الطاولة الحجرية، وأعاد طقم الشاي مكانه. ثم مدّ يده نحو مظلمة الورق الخضراء المستندة إلى الطاولة. قبضت يده على الفراغ. تجمد مكانه، ثم مد يده ثانية. ولا شيء البتة. قال بغضب: — أين مظلتي؟ أي وغد سرقها؟ سرى برد في قلبه. أهو ذلك الخبير الذي رماني بنظرة من الظلام؟ لقد راقبني من الخفاء وسرق مظلتي الورقية بلا صوت. أهي طريقته ليعرض عضلاته أمامي؟ استحوذ الحذر على نظراته وهو يمسح محيطه بصره، فهتف بصوت عالٍ: — من الصديق الذي يمزح معي؟ أرجوك أظهر نفسك! انتظر طويلاً، دون حراك يذكر. حينها فقط تراجع ببطء خطوة بخطوة، متأهباً تحسباً لأي كمين. قفز في الهواء فجأة، متحولاً إلى شعاع ضوء، واختفى في السماء. وأخيراً، أطلق تنهيدة راحة: — حتى هذا الخبير العظيم لم يعثر على أي ثغرة في! *** — لقد بلغنا جبل وو وانغ أخيرًا! عاد ركب شو ينغ إلى كهف قين يان ودخلوا قصر حبة الطين. بكى يوانقي فرحًا: — كدت أموت مرتين حين غادرت الكهف. لن أخرج بعد الآن أبدًا! خرج داتشونغ طائرًا من مؤخرة رأس شو ينغ ومعها مظلة ورقية خضراء. وتساءل بفضول: — كيف كدت تزهق روحك في المرة الأخيرة؟ — صادفت صائد ثعابين. طاردني ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ. تفقد يوانقي مظلة الورق الخضراء، ثم سأل: — معلم تشونغ، ما قصة هذه المظلة؟ أجاب داتشونغ بزهو: — رأيتها مستندة إلى ساق الطاولة وبدت لي جذابة بشكل غريب، فأخذتها بينما كان ذلك العجوز منشغلًا. وبالفعل، لم يلاحظها. لفّ يوانقي طرف ذيله حول مقبض مظلة الورق الخضراء، وفتحها، وأدناها من رأسه، كأنه يرتدي فطرًا صغيرًا: — إنها أصغر من اللازم. ثم اتسعت المظلة فجأة، مغطية رأسه تمامًا. نقر يوانقي لسانه بذهول: — إنها أثرية بالفعل! لذا، لم يعيدها إلى داتشونغ. فكر قائلًا: يملك آ ينغ المعلم تشونغ بالفعل. إذن، هذه المظلة تخصني أنا، السيد الثاني لكهف قين يان! رفع شو ينغ سوط العظام الأبيض ليفحصه بدقة. وتمايلت الجمجمة في طرفه بغرور، مصصدرة قهقهة كطقطقة العظام. بإمكان السوط ضرب روح أي كائن — سواء أكان حيًا، أم ميتًا، أم ملكا. بل وجعل ملوك المدن وملوك الأشباح في المعبد يلتوون ألمًا وينشجون بلا توقف. ورغم ذلك، لم يؤثر سوط العظام الضارب للأرواح في شو ينغ، مما أثار حيرته. — لمَ لا أتأثر بهذا السوط؟ أعطاه شو ينغ ليوانقي بحيرة: — اضربني به. أمسك يوانقي بالسوط، فتحول قلبه الجبان فجأة إلى شجاع: — يا آ ينغ، أنت من طلبت ذلك. لا تراجع عما قلت! حثه شو ينغ: — أسرع! جذب يوانقي السوط إلى الخلف ولوح به: — بهذا، تُسدد ضغينة ملاحقتك لي. ومن الآن فصاعدًا، انتهى كل شيء بيننا. لم يعد أحدنا مدينًا للآخر بشيء! تشاخ! هوى السوط وضرب شو ينغ. ورغم ذلك، لم يشعر سوى باهتزاز بسيط في روحه، لا غير. استشاط شياطين الثيران، الذين تبعوا شو ينغ إلى كهف قين يان، غضبًا حين رأوا يوانقي يجلد شو ينغ. وانتقامًا له، طفقوا يجلدونه واحدًا تلو الآخر. صاح يوانقي في هلع: — هو من طلب مني فعل ذلك! لم أقصد— آآآه! يؤلم! خلفت الجلدات ألمًا مبرحًا. فانهار على الأرض، وتبادل الثيران جلده دون توقف. ودوت صرخاته البائسة وقرقعة السياط بلا انقطاع. تقدم شو ينغ مسرعًا ليوقف الثيران، منقذًا يوانقي. بيد أن الثعبان الضخم كان يزبد رغوة من فمه، وكان تنفسه ضعيفًا. تمتم بضعف: — يا آ ينغ، ما تدين به لي لا يمكن تسويته أبدًا... تمتم شو ينغ بحيرة: — لمَ يصرخ شياو قي بشكل بائس حين يُضرب، بينما لا أشعر بأي شيء قط؟ شعر داتشونغ بالحيرة كذلك: — يستهدف سوط ضرب الأرواح الروح مباشرة. أيمكن أن تكون روحك مختلفة عن الآخرين؟ انتظر لحظة، سأخرج روحك لألقي نظرة! ودون انتظار رد شو ينغ، أطلق صوت قرع مصمّمًا للآذان فجأة، مذهلًا شو ينغ. وحين فتح عينيه، رأى شو ينغ آخر يقف أمامه. قال داتشونغ: — توقف عن التطلع. هذا جسدك المادي. أنت الروح. صاح شو ينغ بذهول: — أنا الروح؟ تفحصه داتشونغ مطولاً. ثم سأل: — أخبرني بصدق يا آ ينغ، كم حبة من حبوب الأرواح المريادة تناولت؟ متململًا بشدة، قال: — روحك تكاد تتحول إلى كتلة صلبة! *** عند جناح العودة إلى الوطن. داعب يوان تيانغاون لحيته وهو يتابع العجوز القصير متوجهًا نحو جسر النسيان بذهول. ومشى العجوز ويداه خلف ظهرك بلا عجلة، لكنه قطب حاجبيه بعمق كأنه مهموم بشيء ما. تمتم يوان تيانغانغ بحيرة: — أين مظلته الورقية الخضراء؟