داو الخالد العجيب
ترجمة الخالد المجنون
الفصل 132 – حق أم باطل؟
"أوهام الضالين؟" تمتم لي هووانغ وهو يحدق ثابتاً في جيانغ يينغزي ودان يانغزي؛ إذ كان لا يزال يراهما واقفين على مسافة منه.
كان أحدهما مسخاً مشوهاً بثلاثة رؤوس يتوشح بأردية حريرية سماوية، بينما كانت الأخرى فتاة عارية تغطي جسدها ندوب وجروح بشعة. وقفا في مكانهما يرمقانه بنظرات تدمج بين الحقد المشتعل والتسلية المظلمة.
بدا الكيانان حقيقيين للغاية، لدرجة أن لي هووانغ عجز عن التمييز إن كانا كائنين حقيقين بالفعل أم مجرد أوهام. رفع قدمه اليمنى برعشة ليخطو نحوهما، لكنه اكتشف عجز جسده عن الاقتراب.
فكلما تقدم خطوة إلى الأمام، يتراجع الشبحان بالمقدار نفسه بانتظام.
لم يكونا يتحركان بملء إرادتهما، بل بدا الأمر وكأنهما باقياً على مسافة ثابتة لا تتغير منه أبداً.
تردد صوت من داخل الكهف: "أيها الصديق الصغير شوان يانغ؟"
وبعد أن تردد الصوت الصادر من الكهف عدة مرات، استعاد لي هووانغ وعيه المتشتت أخيراً.
بعد برهة، انطلق صوت من عمق الكهف؛ أدرك لي هووانغ أنه يعود للشيخ شين بينيو ذي الوجه المربع، وكانت نبرته تحمل خليطاً من المشاعر المعقدة: "أيها الصديق الصغير، لا تبدو في حالة جيدة."
أجاب لي هووانغ بغير وعي: "أنا بخير، أنا بخير."
لكنه سكت فوراً قبل أن يتابع كلامه.
استوعب على الفور أنه أخطاء بالكلام؛ فكيف له أن يكون بخير وهو يتخبط في هذا الكم من الأزمات؟
ولم يقتصر الأمر على ظهور دان يانغزي وجيانغ يينغزي على مسافة منه، بل تعداه إلى حقيقة ما صار عليه جسده وعقله الآن. ولا أحد يضمن ألا تظهر أطياف وكائنات أخرى أمام عينيه قبل أن يجد حلاً لهذه المأساة.
تساءل الشيخ شين بينيو: "أيها الصديق الصغير، هل أنت بخير حقاً؟ أليس من الطبيعي للضالين أن يجدوا صعوبة دائمة في التمييز بين الحقيقة والوهم؟ وبما أنك نَجَوْت وعشت حتى بلغت رُشدك، فمن المفترض أنك اعتدت على ذلك بالفعل. فلماذا كل هذا الذهول والارتباك؟"
ابتع لي هووانغ ريقه بصعوبة، ثم سحب نفساً عميقاً ليركز أفكاره ويرتبها. وبعد تفكير طويل واستيعاب ثقيل لهذه المعلومات، تحدث مجدداً: "أيها الشيخ، سمعت أن ابن الراهبة جينغ شين جاء إلى هنا سابقاً، وكان ضالاً هو الآخر. هل لك أن تخبرني إن كان يعاني من أعراض مشابهة لما أمره الآن؟"
توقف الشيخ شين بينيو لبرهة طويلة قبل أن يجيب: "آه، من الصعب التكهن بذلك. وبشكل عام، يميل الضالون للجنون بطبعهم. ولقد سمعته مرة يشير إلى نفسه على أنه سفينة."
وقبل أن يطرح لي هووانغ سؤالاً آخر، انطلق صوت خشن من كهف مظلم آخر في الجدار: "أنا أعلم بشأن هذا الأمر. كان ذلك الشخص يستيقظ غالباً في منتصف الليل، يصرخ مذعوراً بأن الأنقياء الثلاثة يحدقون فيه. ولم يمر وقت طويل حتى تحول إلى مجنون بشكل كامل."
تساءل لي هووانغ بحيرة: "الأنقياء الثلاثة؟ ما هذا؟"
أجابه شو سان سريعاً من جانبه: "يُرى ولا يُبصر؛ فهو بلا لون. ويُسمع ولا يُدرك؛ فهو بلا صوت. يمكن الوصول إليه لكنه لا يُلمس؛ فهو بلا جسد.
بلا لون، بلا صوت، بلا جسد. الواحد يصير ثلاثة، والثلاثة يتحدون كواحد. هؤلاء هم الأنقياء الثلاثة. يقدسهم الطاوون في مختلف الطوائف الجنوبية. لقد سمعت عنهم فقط ولم أرَهم قط. وأكثر غرابة من ذلك هو القول إن الأنقياء الثلاثة يمكنهم مراقبة البشر."
شعر لي هووانغ بالحيرة والارتباك فور سماع هذا الكلام؛ فأعراض ذلك الشخص لا تشبه ما يمر به إطلاقاً.
بعد لحظة، انطلق صوت الشيخ شين بينيو مجدداً من الكهف: "جاء ذلك الشخص إلى هنا بملء إرادته، لكن الراهبة جينغ شين من دير الرحمة افترضت دائماً أننا من دفعه للجنون بسبب خلافات سابقة بيننا. كانت كارثة ولا ذنب لنا فيها. أيها الصديق الصغير، لقد رأيت خلال هذه الأيام أسلوب عملنا؛ فهل أتينا بشيء يخالف القواعد؟ إن خرق القواعد تحت سماء هذا العالم محرم وأمرعظيم."
لكن لي هووانغ لم يعر كلامه اهتماماً؛ فعقله كان في فوضى تامة الان. وقال بعد فترة: "إذن… هل هناك أي حل لحالتي هذه؟"
ضحك الشيخ وقال: "هههه، أنت تمزح يا صديقي الصغير. لو كان لدينا حل لكان أمراً رائعاً حقاً. غالباً ما تكون حياة الضالين شاقة ومعقدة؛ إذ لا يمكن لأحد أن يفهمهم بحق. وإن جاءك أحدهم يوماً وزعم أن لديه طريقة لشفائك، فتذكر أن تكون حذراُ؛ فمن المرجح جداً أنه يسعى لإيذائك. وأنت تعرف هذا بنفسك، أليس كذلك؟ فالضالون صيد ثمين ومرغوب للعديدين؛ حيث يسعى الكثيرون لترويضهم وتحويلهم إلى أدوية مرشدة وحبوب، أو استغلالهم في أساليب التدريب لتعزيز قواهم."
بعد الاستماع لكل هذا، أدرك لي هووانغ أنه لا يزال يجهل الكثير عن طبيعة جسده.
فاسم "الضال" يحمل في طياته معاني وأبعاداً أعمق بكثير مما ظن.
وقف في مكانه لفرة طويلة غارقاً في أفكاره. وبعد برهة، ألقى نظرة أولاً نحو الكيانين القابعين على مسافة منه، ثم إلى أتباع طائفة أو جينغ الصامتين حوله.
'على الأقل، لن يحاول دان يانغزي الاستيلاء على جسدي مجدداً. يجدر بأمور كهذه أن تكون جيده، أليس كذلك؟'
واسى لي هووانغ نفسه بمرارة.
ثم ضم يديه وشبك أصابعه محيياً الكهوف: "شكراً للشيوخ على توضيحكم وتنويركم لي. وسنلتقي مجدداً إن شاء القدر."
قال لي هووانغ ذلك ومد يده ليربت على رأس جوزي. ثم بدأ يسير راجعاً، ودان يانغزي وجيانغ يينغزي يتبعانه مباشرة خلفه.
بعد فترة، عاد إلى البلدة المهجورة وهو في حالة من الذهول؛ وهناك ثبت نظراته الحائرة على الشبحين. في تلك اللحظة، بدأ الوهمان بالتحدث في وقت واحد:
"أيها الفتى، لقد أصبحت خالداً حقاً الآن. وطالما أنك تستمر في مساعدة معلمك على بلوغ الاستنارة، فسأصفح عن كل ما مضى."
"لماذا لم تمت؟! لماذا لا تزال حياً أيها الشيطان القاتل؟!"
لكن مهما قالا، أو مهما اقتربا، لم يلمسا لي هووانغ بشكل مباشر إطلاقاً.
تمتم لي هووانغ لنفسه: "ههه… على الأقل أصبحت الأجواء أكثر حيوية الآن. لم أعد وحيداً." لم يكن يعلم إن كانت حالته الحالية أفضل أم أسوأ من السابق؛ وكل ما عرفه هو أنه يتوجب عليه مواصلة السير للأمام، مهما حدث.
رفع لي هووانغ السيف المكسور المغروس في التراب، وواصل حفر القبُور لبقية الهياكل العظمية في البلدة.
في هذه الأثناء، جرّت جيانغ يينغزي جسدها الممزق ووقفت بجانب لي هووانغ، تصرخ فيه بكراهية لا تنتهي: "أتظن أن دفنهم سيمحو ما اقترفته يداك؟ لقد قتلتهم جميعاً! إن أردت التكفير عن آثامك بحق، فعليك إنهاء حياتك بنفسك! وإلا فإن كل ما تفعله بلا جدوى! لي هووانغ، لماذا لا تذهب وتموت؟! لماذا تتظاهر بأنك قديس؟ أسرع ومُت فحسب!"
واصل لي هووانغ صمته؛ وتحت سيل إهانات جيانغ يينغزي اللاذعة، استمر في حفر القبر تلو الآخر.
في هذه الأثناء، وداخل كهوف طائفة أوجينغ، تردد صوت الشيخ شين بينيو: "شو سان، تو تشي، يمكنكم الانصراف. وإن عاد مجدداً، فامنعوه عند بوابة الجبل. لم تعد لنا أي صلة به."
أجاب شو سان المتفحم وهو ينحني باحترام: "أجل، يا الشيخ شين بينيو." ثم أخذ بقية أفراد طائفة أوجينغ بعيداً عن منطقة التأمل الخاصة بالشيوخ.
ولم يمر وقت طويل حتى خيم الهدوء على المكان، ولم يتبقَّ سوى الجدار الذي يضم الكهوف الستة.
وفي تلك اللحظة، خرق صوت أنثوي حاد الصمت فجأة: "هههه… ذلك الضال صدّق الأمر بالفعل… لقد صدق كل شيء! سان تياو، لقد نجحت طريقتك بحق!"
وما إن انطلق هذا الصوت، حتى بدا وكأن مفتاحاً قد أُدير؛ إذ دبت الحياة فجأة في الجدار المليء بالكهوف المظلمة، وانطلقت ضحكات شتى—بعضها حاد، وبعضها خبيث، وبعضها ساخر، وبعضها خفيف. وسرعان ما ملأ الفرح المكتوم في تلك الضحكات الكهف بأكمله.
نهاية الفصل.
م.م: هل يعرف احد اين يقى منزل الكاتب اريد أن اتفاهم معه على بعض الأمور البسيطة.
هذه الوغد @%%#^&#&.