الفصل 43 - 26: المتسول 2
الفصل 43: الفصل 26: المتسول 2
المترجم: 549690339
"سلمها!"
"أسرع وسلمها!"
"وإلا فستتحمل العواقب!"
"لقد رأيتها، كانت تلك الفتاة الصغيرة ترتدي معطف من الفرو الفاخر للغاية، ولا بد أنها كافأتك بالكثير من الفضة!"
"سلمها!!!"
أصابت الجنون أعيُن بضعة أشخاص وهم يطلقون تهديدات وعيد.
نظر إليهم شو يانغ ولم يقل شيئا، بل استلقى صامتا على الأرض، حاضنا رأسه ومقلصا جسده.
"أتعبث معنا؟"
"أترى ذلك!" "اقبضوا عليه، ابرحوه ضربا!"
"فتشوه بحثا عن تلك الفضة!"
عند رؤية هذا، استشاط البقية غضبا أيضا، وأخذوا يشتمون ويستعدون للتقدم وضربه.
لكن على غير توقع...
"سووووش سووووش سووووش!"
وسط الرياح والثلج، دوت عدة أصوات لاختراق الهواء، وقبل أن يدرك المتسولون ما حدث، طرحوا أرضا وهم يئنون من الألم.
انكمش شو يانغ على الأرض حاضنا رأسه. فألقى نظرة خاطفة عبر الفجوات بين ذراعيه ورأى شخصية تظهر عند مدخل الزقاق.
كانت امرأة ترتدي ملابس بيضاء تتعالى على الثلج، وكان وجهها محجبا بوشاح خفيف. ورغم أن ملامحها لم تكن واضحة، إلا أن هالتها الأثيرية وحدها كشفت عن جمال يفوق هذا العالم.
لمح المتسولون الساقطون هيئتها أيضا وفهموا الموقف على الفور. فسرعان ما انتصبوا وتركعوا، آخذين يضربون برؤوسهم على الأرض كمن يدق الثوم: "الرحمة أيها الجنية، الرحمة، لن نعاود الكرة أبدا، لن نعاودها أبدا..."
"اغربوا عن وجهي!"
رأت المرأة ذلك فلم تزد على الكلام، وبصوت بارد أمرت الجميع بالانصراف.
"حاضر، حاضر، حاضر!"
"سنرحل على الفور، سنرحل على الفور!"
وكأنهم تلقوا عفوا، استند الناس إلى بعضهم البعض وشرعوا يزحفون ويتدحرجون هاربين.
ما هو الأهم بالنسبة للمتسول؟
مهارة التسول، قوة الصراخ، أم فن الاستعطاف؟
لا شيء من هذا، بل القدرة على قراءة الناس والفطنة في المواقف!
من دون القدرة على مواكبة الرياح، لن يعيش المتسول طويلا.
كانوا جميعا متسولين قدامى، حادّي الأبصار وأذكياء في أوقات الأزمات. لقد عرفوا أن هذه المرأة لم تكن شخصا عاديا لذا سارعوا إلى طلب الرحمة والنجاة من الكارثة.
بينما فر المتسولون، اعتدل شو يانغ، الذي كان يرتجف محتضنا رأسه، جالسا ونظر إلى المرأة "بريبة وذهول".
"يا سيدة!"
وكما كان متوقعا، ظهرت خلف المرأة شخصية صغيرة، وهي الفتاة الصغيرة من قبل.
هرعت بخطوات سريعة نحو شو يانغ، غير مبالية بمدى اتساخ جسده، ومدت يدها لتساعده على النهوض: "هل أنت بخير؟"
"أنا بخير، شكرا لك."
أومأ شو يانغ برأسه مؤكدا أنه بخير، ثم حول نظره نحو المرأة مؤديا انحناءة غريبة: "شكرا لك أيها الجنية على إنقاذي!"
كان وجه المرأة محجبا وتعبيراتها مجهولة، ولم تبد سوى عينيها الهادئتين وهي تتقدم خطوة نحو شو يانغ: "أتعرف أين تقع معبد جينغان؟"
"معبد جينغان؟"
فكر شو يانغ لبرهة ثم قال: "نعم، نعم، إنه أكبر معبد في مدينة شوژو. فهل تحتاج الجنية أن أدلك على الطريق؟"
"لا داعي لذلك."
هزت المرأة رأسها، وأخرجت مظروفتا ووضعته في يد شو يانغ: "خذ هذه الرسالة إلى معبد جينغان، وسوف يأوونك."
ثم، دون انتظار رد فعل شو يانغ، استدارت نحو الفتاة الصغيرة وقالت: "شوان إير، لنذهب!"
وبهذا، استدارت ومشت مبتعدة.
عند رؤية هذا، لم تستطع الفتاة الصغيرة إلا أن تلقي نظرة إلى الوراء نحو شو يانغ: "اعتني بنفسك، وكن آخذا بالحذر!"
ثم استدارت واتبعت خطى المرأة، متلاشية في الرياح والثلج.
وهو يراقب الشخصيتين تختفيان في الأفق، صمت شو يانغ لفترة من الوقت، وفي النهاية استدار قاصدا معبد جينغان.
وسط الرياح والثلج، بدت الشخصيتان -إحداهما طويلة والأخرى قصيرة- كأنهما خارجتان عن هذا العالم، وكأن كائنات سماوية قد هبطت إلى عالم البشر.
كانت الفتاة الصغيرة التي تمسك بيد المرأة تلتفت برأسها من حين لآخر، مترددة وكأنها تريد أن تقول شيئا.
كانت نظرة المرأة هادئة وهي تقول بهدوء: "لا تقلقي، ذلك المتسول الصغير ذكي وسريع البديهة. ومعبد جينغان ليس بعيدا من هنا. وإن لم تحدث مفاجآت، فسيصل قريبا."
"شكرا لك يا سيدة."
عندها فقط خف قلق الفتاة الصغيرة قليلا. ومع ذلك، بينما كانت تتأمل الرياح العاتية والمحيط المقفر، لم تستطع إلا أن تقطب حاجبيها متسائلة بحيرة: "يا سيدة، ألم تقولي إن إمبراطور داسوي الحالي هو حاكم حكيم عينتيه لإدارة العالم؟ فلماذا إذا..."
ظل تعبير وجه المرأة على حاله وهي تحثها: "لماذا ماذا؟"
بعد تردد قصير، رفعت الفتاة الصغيرة رأسها أخيرا وباحت بالشك الذي في قلبها: "لماذا لا يزال هناك الكثير من المتسولين تحت حكمه؟ ولماذا يوجد هذا العدد الكبير من الناس غير القادرين على ملء بطونهم أو التدفئة، بل ويسقطون موتى في الشوارع من البرد والجوع؟ ألا يفترض أن يكون الجميع بمنجاة من القلق بشأن الطعام والملابس؟"
أصابت هذه الأسئلة المرأة بصمت طويل قبل أن ترد برفق: "حتى الحاكم الحكيم يواجه صعوبات. فتحقيق عالم تنعم فيه البلاد بوفرة الحصاد وتزدهر فيه البحار الأربعة يتطلب جهدا تدريجيا؛ ولا يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها."
"أهكذا هو الأمر؟"
أومأت الفتاة الصغيرة برأسها قليلا، لكن الشك عاود الظهور مجددا: "إذن لماذا يكون بعض الناس من البرد والجوع لدرجة بالكاد يجدون ما يسترون به ظهورهم، بينما ينعم آخرون بالثراء والترف ولديهم ما يفوق حاجتهم إلى الأبد؟"
عند سماع ذلك، صمتت المرأة مجددا لفترة قبل أن تقول: "ذلك لأن البشر في هذا العالم بطبيعتهم أنانيون، يضعون أنفسهم قبل أي شيء آخر. ومن المستحيل تحقيق تناغم تام وتوزيع متساوٍ عبر البحار الأربعة. هذه حقيقة أزلية عن الطبيعة البشرية لا يمكن تغييرها!"
عند سماع هذا، بدت الفتاة الصغيرة وكأنها فهمت، تتمتم: "طريق السماء هو أخذ الفائض لسد النقص؟ وطريق البشر هو أخذ النقص لإطعام الفائض؟"
"بالضبط."
أومأت المرأة برأسها وقالت بصوت جاد: "لهذا السبب بالذات يجب علينا نشر تعاليم بوذا، لتنوير قلوب البشر وإرشاد طبيعتهم. وحينها فقط يمكن أن تتحقق إمكانية وجود عالم متناغم يسوده المساواة لجميع الكائنات. أفتهمين ذلك؟"
"أنا أفهم"، أجابت الفتاة الصغيرة وهي تومئ وهي شبه واعية. لكنها لم تلبث أن كبحَت حيرتها: "إن كانت تعاليم بوذا قادرة على قيادة العالم نحو التناغم، فلماذا لا يقوم إمبراطور داسوي بترويجها على نطاق واسع؟ ألا يتمنى عالما يتساوى فيه جميع الكائنات؟"
صمتت المرأة مرة أخرى وبعد وقت طويل قالت: "ليس الأمر أنه لا يتمنى ذلك، بل إنه لا يستطيع. إن تعاليم بوذا تروج لها الإمبراطورية بالفعل، لكن هناك عقبات في طريقنا، ولهذا السبب علينا مساعدته على إخماد الفوضى في جميع أنحاء البلاد!"
"ليس لأنه لا يتمنى، بل لأنه لا يستطيع؟"
بدت الفتاة الصغيرة غير مصدقة تماما، نافخة وخديها وهي تقول: "أعتقد أن الأمر ليس مجرد أنه لا يستطيع؛ بل ربما لا يريد ذلك حتى!"
توقفت المرأة في مسيرها، واستدارت برأسها، وظهرت لمحة من الدهشة في عينيها الهادئتين: "لماذا تقولين ذلك؟"
"لأن الإمبراطور إنسان أيضا."
قالت الفتاة الصغيرة وكأن الأمر بديهي: "تماما كما قالت السيدة، البشر أنانيون بطبيعتهم والإمبراطور فوق الجميع لا يسعى سوى لمصالحه الخاصة. وطبيعي ألا يتمنى عالما من التناغم والمساواة للجميع، أليس كذلك؟"
صمتت المرأة، ثم ضحكت برفق: "شوان إير تقول الحقيقة. الإمبراطور إنسان وهو أيضا عرضة للرغبات الأنانية في قلبه."
"إذن يا سيدة، لماذا ما زلنا ندعم مثل هذا الإمبراطور؟"
زادت حيرة الفتاة الصغيرة: "ألا يمكننا أن نصبح نحن الأباطرة وبواسطة تعاليم بوذا ننور الناس عالميا ونخلق عالما من التناغم والمساواة للجميع؟"
هزت المرأة رأسها؛ وكانت كلماتها ناعمة لكنها حازمة: "لا يمكننا ذلك!"
"لم لا؟"
"لأننا نحن أيضا بشر!"
"هذا..."
رفعت الفتاة الصغيرة رأسها لتنظر إلى معلمتها التي بدت كأنها من عالم آخر تتجاوز الشؤون الدنيوية. وكأنها فهمت شيئا ما، انقشعت الحيرة من عينيها وتحولت إلى عزم. وبصوت طفولي ناعم، قالت للمرأة: "يا سيدة، عندما تكبر شوان إير، سأختار بالتأكيد إمبراطوراً حكيماً ومنوراً لمساعدته في حكم العالم بشكل جيد!"
ابتسمت المرأة ومدت يدها وربطت بحنان على رأس الفتاة: "المعلمة تؤمن بأن شوان إير قادرة على فعل ذلك بالتأكيد."
"مم-همم!"
أومأت الفتاة الصغيرة بتعبير يملؤه الأمل: "حينها، لن يكون هناك المزيد من الناس الذين يموتون من البرد أو الجوع. وسيتمكن الجميع من ملء بطونهم والتدفئة والعيش بسعادة أبدية..."
"إذن يجب على شوان إير أن تكبر بسرعة."
وسط الرياح والثلج، واصلت الشخصيتان المسير، لتتلاشيا تدريجيا في المسافة دون أن يتركا أثرا.
وفي هذه الأثناء، أمام معبد جينغان، وبعد التأكد من أن أحدا لا يتبعه، استدار شو يانغ بحسم وغادر.
لو كان ذلك في العالم الأول، وبدون أي موطئ قدم، لكان طلب اللجوء في المعبد خيارا جيدا حقا. فقد كان سيوفر حماية فعالة ووقتا كافيا لتراكم القوة بهدوء والنمو تدريجيا. لكن ذلك الافتراض لم يعد قائما. فبعد أن حصل بالفعل على وعاء الفضة الأول، أصبح لدى شو يانغ الآن ما يكفي من الإمكانيات لدعمه. ولم يعد معبد جينغان العريق لكن الصارم هو الخيار الأفضل له بعد الآن.
لذا...