نظام الزراعة: نسخة الشيوخ الفصل 94

اقرأ نظام الزراعة: نسخة الشيوخ الفصل 94 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل 94 حكيم الروح (1)

هبت ريح دافئة كأنما رُفع غطاء مرجل. انشقت الأرض كالبوابات وكشفت عن ممر مائل في الجوف. فرقع الحكيم الروحي بأصابعِه واستلّ جذوة ضوء بقيت تحوم إلى جانبه وهو يهبط في النفق بخطى منتظمة ومتأنية. امتد الممر هبوطاً بميل لنحو أربعين قدمًا أُخرى قبل أن يستقيم، وظل ضيقاً وعالياً بالقدر بالكاد الذي يوسع بشرياً. غابت عوارض الدعم ولم تكن هناك سوى نقوش غريبة ومتلألئة تحفر في الصخر كل عشرين قدمًا أو نحوه.

كان الجو بارداً ودافئاً في آن كأن طاقتين متناقضتين ترقصان فالساند أبدياً للسيادة دون أن تفوز أي منهما بالمعركة. بعد خمس دقائق من المشي العرضي أو نحو ذلك انفتح الممر بغتة ودون إنذار كأن حجاباً كان يخفي نهايته ولا يدرك المرء أنه بلغها إلا ببلوغها. أفضى النفق الضيق إلى قاعة هائلة ذات قبّة. بشكل مريب لم تكن الجدران هنا ملساء أو مسننة بل كانت تلتوي وتتلوى بعكس عقارب الساعة كأن أحداً ثبّتها من جوهرها ثم طواها.

حفرت ندوب على الواجهة الوعرة كآثار مخالب تنبض بخفاء تقريباً. رغم أن كل شيء بدا فوضوياً وغير مركز فقد وُجد نمط لذلك فالزاوية التي تلتوي بها التراب وتنحني وتتشابك تصبح أشد عدوانية تدريجياً مع تجوال العيوب في الدائرة لتستوي أخيراً عند نحو ثمانين درجة مصوغة في عين وفي تلك العين جوهرة زمردية متوهجة كأنها بؤبؤ تنصب مباشرة على مركز القاعة. هناك تمايلت فروع تشبه أذرع صعوداً مثل صلاة متراصة والتوت خارجاً وعائدة كأن أيادي خفية تحيكها محتضنة شيئاً في جوفها بذور ضئيلة بحجم الظفر.

عُروق سطحها ونبض مراراً كنبضات قلب وكل نبضة تقذف موجة صدمة واهية. مشى الحكيم الروحي ببطء نحوها وجسده يبعد قدمين كاملتين عن البذرة ذاتها. مدّ عنقه وحدّق فيها وتحولت عيناه المائلتان للحمرة إلى قرمزيّتين تماماً. ما هي إلا لحظات حتى تدفقت خيوط من الدم الساخن من زواياهما مشكلة نمطاً غريباً ومتناظراً عبر الجلد الهرم. كأن أحداً نزع قناعاً وتموج الوجه العجوز كالقماش كاشفاً تحته بشرة ملساء لشاب في العشرينيات وسيم وإن بدا قاسياً بلا مألوف.

مدّ يده نحو البذرة وكانت أصابعه على بُعد بوصات معدودة من الشرنقة الشبكية قبل أن تتوقف وتدفعها نبضة كهرباء.

— أليست بعد؟

— تمتم وبدا متعباً بغرابة مقارنة بوجهه الشاب.

في تلك اللحظة اهتزت القاعة وبدأ السقف ينزف مياسما غريبة بلون الدودة القارضة. بدت في البداية كضباب هابط متفرق ومنعزل وضبابي لكنها سرعان ما أخذت تندمج في تيارات منفردة تنحني للخارج وتعود وتتدفق جميعها مباشرة نحو البذرة. بدت كأنها حيت حين استوعبت كل شيء فانتفخت لضعف حجمها قبل أن تعود إلى حجمها الأصلي بعد ثانيتين فحسب. هدأت القاعة بأسرها حين تحولت عيناه صعوداً من البذرة نحو السقف وما بعده.

على بعد مئة قدم أو نحو ذلك انتهت الأرض وظهر ركن الطائفة الصغير والمتهالك والمهجور للعيان. تمدد صغار وكبار على الطرق بالكاد يتنفسون وتدور حولهم تشي الموت.

— لا تكفي — قال وبدا الوجه الشاب يعود للتجعد.

— قريباً.

سأطعمك المزيد قريباً. ** — وماذا عن سيّد الطائفة؟

— سألت بحذر.

أعني أنني أعرف أصلاً أن ذلك الرجل مزارع شيطانيّ على الأرجح... ولكن أثمة احتمال لوجود ما هو أبعد من ذلك؟

— إنه ليس مزارعاً شيطانياً.

— ماذا تقول إذن؟

— الفتاة الصغيرة التي استضفتها نيابة عنه — تابع هوا.

— قد تكون وريثة شيطانية إلا أن الحكيم الروحي نفسه لا صلة له بالمزارعين الشياطينيين خارج رغبته في استغلالهم على ما أظن.

ورغم صغر سنها فالصغيرة مفعمة بطاقة الحياة. أنفاسها تساوي أنفاس عشرة آلاف تلميذ عادي.

— كلا بل هو...

شيء أسوأ بكثير.

— ...

حسنًا أشعر بالخوف المروع رسمياً الآن. ماذا تقصد بأنه شيء أسوأ بكثير من المزارع الشيطاني؟

— كم تعرف عن الخيمياء؟

لا شيء. أنت تعرف ذلك. لماذا تتعب نفسك بالسؤال أصلاً!

— عادة — أدار وجهه مجدداً.

— يستخدم الخيميائيون كنوز السماء والأرض لصياغة حبوب الجوهر لإثراء أي جزء منا.

لحمنا أو دمؤنا أو طاقتنا أو روحنا أو نفسنا... أي شيء. يحظون باحترام هائل أينما حللت إذ لا يقتصر الأمر على فهم الخلطات الصحيحة بل يتجاوز ذلك بكثير.

— غير أنه وكما هو الحال مع كل المهن تحت الفضاء المتوهج يظهر دائماً أولئك الراغبون في...

المزيد. الذين يبلغون الحدود الوهمية للعادي ولا يشبعون فيمضون قدماً. لم الاكتفاء بكنوز السماء والأرض تساءلوا.

— حسنًا انتظر لحظة.

— ولماذا نحصر أنفسنا بالفهم التقليدي للحياة والموت ذاته؟

— أدرك إلى حد ما إلى أين يؤول هذا.

توقف لبرهة وضحك بغرابة لنفسه أكثر من أي شيء آخر.

— يُدعون سادة الحبوب العكسية — قال.

— ني دان شي.

يسمّيهم البعض ماشّة الفراغ والبعض الآخر عديمي السنين. وسيّد الطائفة هذا هو بالتحديد خيميائيّ عكسيّ. لقد كان كذلك لسنوات طوال. حين علمت بشأنه في صباي كان مسخاً عتيقاً بالفعل.

— ...

اممم. حقاً. حسنًا. الجهل نعمَة حقاً. يا للجحيم هل الجهل نعمة حقاً!

— وبشكل ملائم تماماً — أضاف بعد قليل.

— موهبته هي...

حسنًا إنها أسوأ من موهبتك في الواقع. هكذا عرف بالضبط ما يجب أن يطعمك وبأي جرعات لتسريع مجالك بأمان رغم موهبتك الفاسدة. لأنه فعل ذلك بنفسه مراراً وتكراراً. حتى بعد آلاف السنين من العيش بالكاد بلغ مجال تحول الفراغ. طوال حياته تقريباً كان مجرد مسخ ينهب القرى البشرية بحثاً عن طاقة الحياة. ولأنه ظل خيميائياً موهوباً بخلاف ذلك وبثمن هبة بعض الحبوب غاضت الأراضي المقدسة الطرف ببساطة عن أفعاله.

— غير أنه اختفى فجأة قبل نحو ألف عام.

افترض معظم الناس أنه بلغ النهاية الطبيعية لحياته ونسوه. وحين ولدتُ لم يكن سوى أسطورة عجوز. وقد صادف أن تزامض اختفاءه تماماً مع سرقة بذرة داو الروحية. بالنسبة لغير الآخرين تعد بذرة داو الروحية أداة قوية للغاية يمكنها ومع المضيف المناسب أن تكون أداة الأصل الحصن الأخير لحماية الطائفة. وبجذب طاقة كل الأرواح المستهلكة يمكنها تحويل مضيفها إلى آلة حرب لفترة وجيزة وربما حتى إمبراطور مكتمل البنية لحظياً في الظروف المناسبة.

— بطبيعة الحال وبعد استنفاد طاقة البذرة يموت المضيف بينما تدخل الأولى في سبات.

أما بالنسبة لسيد الحبوب العكسية فبذرة داو الروحية إكسسوار لا نظير له إذ يمكنها فتح طريق لإعادة ولادة مثالية. اندماج تام بين الاثنين. وبعد قرن من إطعامها تقريباً أصبحت البذرة جاهزة تقريباً. كنت راضياً بالموت فحسب لكنني الآن... أعرف ما يجب أن أفعله. وما يجب أن تفعله — نظر إلي مجددًا أخيرًا بنظرة ثابتة لا تلين.

— حين يأتي يوم الحرب خذ الأطفال واهرب.

اهرُب إلى أبعد حد ممكن بشرياً. غيّروا وجوهكم وأجسادكم وأصواتكم وتذكروا أنكم إن عُثر عليكم يوماً فستحلّ عليكم القوة الكاملة لجميع الأراضي المقدسة. إلى أن تثق في قدرتك على مواجهتهم جميعاً لا تكشف عن نفسك أبداً.

— استمر في الرقص بلا توقف وإلى ما لا نهاية.