نظام الزراعة: نسخة الشيوخ الفصل 448 — حكايات الدم (13)

اقرأ نظام الزراعة: نسخة الشيوخ الفصل 448 — حكايات الدم (13) باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل 448 حكايات الدم (13)

رغم أنّها لم تره، فقد شعرت به؛ بموت المئات، وبأرواحهم وهي تصرخ في الفراغ. مع كل زفرة خافتة من الأحياء، شعرت بأنّ روحها تشتعل أكثر فأكثر، كأنّ قيوداً تُفكّ لتجعلها طليقة. كم من الزمن تنفّست وهي تصدر طنيناً؟ كم من الزمن حدقت في السموات الباردة وتوسلت أن تقبلها؟ لقد نسيت عد السنين منذ أمد بعيد. لم يكن الأمر وكأنّها استسلمت لمصيرها بالكامل قبل وقت طويل—فقد ربت عذراء جديدة، الشابة شينيا، وانسحبت من الأعين، واستغرقت في التأمل استعداداً لشيء واحد قضت حياتها تخشاه: الموت.

فكرت قائلة، إن كان حتى البشر الفانون قادرين على تقبله... فلن يكون لائقاً بها، وهي سالكة في طريق الكهانة، أن تخشاه. لكن، مهما حاولت... لم يكن الخوف يزول. بل كان الأمر أشبه بأن أفكارها كانت تغذيه، فصار ينمو ويكبر، سحابة داكنة تطبق على قلبها وعقلها. شيئاً فشيئاً، نما في داخلها شيطان القلب، وهو أمر كانت تعيه حق المعرفة لكنّها لم تكن قلقة بشأنه كثيراً. فوحدها، لم تكن لتجرؤ يوماً على محاولة بلوغ اختراق، إذ كان الأمر ميؤوساً منه على أي حال.

إلى أن أتاها يومٌ رجلٌ، طيفٌ، كائنٌ. انزلق متجاوزاً تشكيلات الدفاع والإخفاء الكثيرة للطائفة، بل وتلك التي تحرس حجرة انعزالها الشخصية، ليظهر أمامها بسهولة تامة كأنه شبح. فكرت لفترة مخزية من الزمن أنه مجرد تجسيد لشيطان القلب، فهذا ما تفعله تلك الشياطين أحياناً، لكنه تكلم بعد ذلك. تحدث عن أصقاع رغبات قلبها الدفينة وأطلق وعوداً لا يستطيع أحد الإيفاء بها. وبدلاً من أن يكون شيطان قلب، بدا وكأنّه أحد أولئك المهرجين الأسطوريين في القصص القديمة ممن يأتون لإهانتها في أنفاسها الأخيرة.

... لكن الأمر لم يكن كذلك. أراها الطيف الرؤيا. أراها الحقيقة. وراء هذا المكان، وراء غشاء الداو الواقي، كان هناك عملاقان، مخلوقان عصيان على الفهم لا يستطيع الداو نفسه منافستهما—وكان ذلك الطيف يخدمهما. أدركت أنه لا عجَب في قدرة ذلك الكيان على التسلل إلى حجرتها بمثل هذه السهولة. كان الأمر أشبه بتسللها هي إلى عرين بشري دون أن يلاحظها أحد—أسهل شيء في العالم. وتحدث الكيان عن العملاقين وعن كل ما منحاه من هدايا.

هديّة الخالدة. هديّة الشباب. هديّة القوة. والأهم من ذلك كله: هديّة التحرر من الداو. الداو الحاكم، المقيد، الجائر. كان على جميع الكائنات الحية أن تنحني لهذه الفكرة العابرة، لهذا الطيف الغامض لشيء ما، ومهما حاولت التماس الإجابات منه... فلن يرد أبداً. لقد بث الإمكان في كل مولود، وإن عجز المرء عن إدراكه أو رؤيته أو الإمساك به بذلك الإمكان، فلن يفعله أبداً، مهما حدث. غير أنّ العملاقين —أو مجسدي الفراغ كما أسماهما الكيان— لم يكمنا يحكمان بناءً على حق الولادة فحسب.

كلا، فقد منَحا الفرص حتى لأولئك الذين اعتبرهم الداو «غير جديرين»، وهي فرصة مُنحت لها هي.

وطريقة أُسبغت عليها. سبيل تعلّمته. كل ما كان عليها فعله هو قتل بضع آلاف من الناس. بالنسبة لشخص قضى الجزء الأفضل من عشرة آلاف سنة في الذبح والقتال حتى صار عرشها مبنياً من العظام، لم يكن قتل بضع آلاف أخرى شيئاً يذكر. حتى لو كان من ذوي قربى، حتى لو كانت أفعالها ستحكم على طائفتها للأبد... لم تكن تعبأ. كل ما تطلبه الأمر هو أن تجلس هنا، داخل الدائرة، وتيمّن تشي الحياة المحولة—فقد استطاعت أن تحس بمسارات طاقتها تبدأ في النبض كأنها تستيقظ من سبات طويل وطويل.

لكن السحر الحقيقي، والعبقرية الحقيقية في الأمر برمته، هي أنها لم تكن تتعرض للفساد. بوسع أي كان، وكل كان، أن يقتل أحدهم ويستهلك تشي الحياة الخاص به، لكن لم تكن هناك طريقة تعرفها تستطيع منع الفساد البطيء والمحتم للقلب والروح والعقل. كان ذلك محرماً من الداو نفسه، قانوناً لا يمكن تجاوزه. فكل من يستهلك قوة الحياة يشعر حتماً بقبضة الموت المبكرة. بيد أنها لم تشعر بذلك.

كانت طليقة.

قالت بصوت رقيق من الخلف وهي تلتفت برأسها لترى الفتاة الصغيرة تختلس النظر من خلف إطار الباب: "جدتي، أتشعرين بتحسن؟".

تلك المخلوقة الساذجة والغبية التي ظنّت حقاً أنها عذراء أفضل من شينيا. حسن بطريقة ما، فكرت وهي تغط في نشوة.

أجابت: "أفضل بكثير يا عزيزتي. لما جئتِ؟ أأنتِ قلقة عليّ؟".

أومأت الفتاة برأسها وقالت: "ق-قليلاً".

قهقهت قائلة: "هه هه، يا لكِ من لطيفة! لا تقلقي؛ تجدّدت عافية جدتك سريعاً. وقبل أن تمضي طويلاً، كأنني لم أتقدم في السن قط".

تململت الفتاة في مكانها وقالت: "حسناً!"، مما أظهر بوضوح تام أن تلك لم تكن الغاية من مجيئها.

كانت طفلة غبية حقاً—رغم أنها مثالية للغاية لما احتاجوها لأجله.

قالت: "لا تقلقي يا صغيرة. ومثل أي شخص آخر، لن تعود شينيا. دور العذراء أصبح ملكك تماماً، الآن وإلى الأبد".

بدت وكأنها استرخَت قليلاً، وقد زال قلقها: "ح-حسناً! أخبريني إن احتجتِ شيئاً يا جدتي! سأحضره حالاً!".

"مم".

** صاح الشاب بعينين زرقاوان تومضان فجأة بوهج ألوان: "معلمي، أهذا هو الخيار الأفضل حقاً؟ إننا ندعها تحصل على الكثير من تشي الحياة".

تحدث رجلان فوق برج ساعة يشرف على ساحة ضبابية وغائمة في الأسفل، ليجيبه الآخر: "نزر يسير مقارنة بما كسبناه".

ارتدى اثنانا ثياباً رمادية بسيطة، وبديا متشابهين إلى حد ما، بهيئة نحيلة ومعدمة، بوجنتين غائرتين وفكين ناتئين.

"مم".

وعاد الشاب الأصغر ليبدو غير مقتنع.

"مم؟ الحجاب... يزداد سمكاً؟".

قال الأكبر: "هذا طبيعي فحسب. تشي الموت أغرب الأشياء وجوداً، إن لم تكن أغربها على الإطلاق. لا توجد فنون تحت السماء قادرة على الاختراق عبرها، ولا حتى فنوننا".

"أليس باكراً جداً لتكون بهذه الكثافة رغم ذلك؟".

رد الأكبر: "من المرجح وجود جماعات أكبر بدأت قريبة من بعضها. لم أعهدك قلقاً إلى هذا الحد يا ووهيي. ما الأمر؟".

أجاب الشاب: "لست متأكداً بنفسي يا معلمي. ثمة شيء في داخلي... مضطرب بشكل غريب".

قال العجوز: "لا تقلق. حتى لو فشل كل شيء، وحتى إن فشلت هي، فلم يكن ذلك الغاية قط".

هتف الشاب بذهول: "لم... تكن؟".

"كلا؛ وفي الوقت الذي يراقِب فيه العالم أجمع ما يحدث هناك، فمن سيلتفت إلى ما يحدث هنا؟".

"آه! إذن حان الوقت حقاً؟ أخيراً؟".

"بالتأكيد حان. دعهم يلهون بادعاء الأهمية؛ سنفعل نحن ما يهم حقاً. ابعثوا العالم من جديد".