الفصل 372 أشباح المنجم (18)
راود شي تشاو قليل من الحيرة وهو يتبع الأخ الأكبر تاو إلى الغابة متجاوزين منتصف الليل بكثير. لم يكن وحده — فراتس ورايت كانا معهما أيضاً. أخبرهم ببساطة أن يتبعوه لأنها إرادة المعلم، فأطاع الثلاثة دون تفكير يُذكر. لكن ما إن أحاطت به الظلمة حتى شعَرَ بقليل من الاضطراب. غير أن الإجابة كانت بسيطة — وجاءت على هيئة قطيع من الوحوش الشيطانية التي هاجمتهم فجأة. سلّ شي تشاو سيفه بكسل وقطع رقبتي وحشين فوضع حدا لحياتهما فوراً.
لم يدرك إلا حينها أنهما كانا خنزيريين بريين إذ لم يفرق الأمر كثيراً معه.
قال الأخ الأكبر: "في كل ليلة، سأقود بعضكم إلى هنا لتقتلوا الوحوش الشيطانية".
سأل رايت: "هل يتوجب علينا قتال الضعيفة منها يا أخ الأكبر؟"
"نعم".
ألحّ شي تشاو: "لماذا؟"
"لأن المعلم قال ذلك".
قد تكون عبارة «لأن المعلم قال ذلك»
أقوى توليفة من أربع كلمات استطاع شي تشاو التفكير فيها في تلك اللحظة. ليس له وحده فحسب بل تخيل أنها للجميع — من رايت إلى وان لان. إن وجِدت مجموعة من الكلمات لتُخرسهم جميعاً وتدفعهم ليفعلوا شيئاً فوراً فهي تلك الكلمات الأربع. لم يظن شي تشاو لحظة واحدة أن الأخ الأكبر كان يكذب؛ فرغم بروده الظاهريّ ربما كان أكثرهم اهتماماً بالمعلم على الإطلاق. حتى وإن كان المعلم غافلاً عن ذلك بعض الشيء فقد كان البقية يعلمون.
وكان لدى شي تشاو شعور بأنه لو وصل الأمر إلى ذلك فإنه سيقتل البقية دون تردد لإنقاذ المعلم. ارتجف شي تشاو إذ إن الجزء المرعب في الأمر هو أن البقية... ربما طلبوا منه فعل ذلك. أثناء نشأته وحتى عندما كان يحلم بالدخول إلى طائفة ويصبح ممارساً روحياً لم يقد قطّ أنه سيصير هكذا. أقسم أنه سيحترم معلمه ويجتهد في دراسته لكن الدافع الأساسي لرغباته كان أنانياً: أراد أن يصبح ممارساً روحياً لأنه بدا طريقا للتحرر.
ففي النهاية، يستطيع الممارسون الروحيون التجوال في العالم بلا قيود وبلا أربطة على الإطلاق أحراراً في فعل ما يرغبون فيه.
ومع ذلك ها هو ذا يتبع معلماً له ويتقبل أفكاراً مروعة بشكل مريب مثل «لو كان عليّ الموت ليعيش المعلم لكنت متّ بالطبع!».
وعلى العكس من ذلك كان متأكداً تماماً من أن معلماً لهما قد يقتل نفسه حرفياً وبكل سهولة إن حدث ذلك يوماً. حتى وإن كان صغاراً فقد اختبر شي تشاو ازدواجية العالم عدداً لا بأس به من المرات؛ فبغض النظر عن مجرد منحهم أشياء قد لا يقدمها لهم أي شخص آخر أدرك الجميع — وليس هو وحده — أن معلمهم الغريب شاذ الطبع قليلاً كان مختلفاً. حتى الآن وبعد أكثر بكثير من عام على علاقتهما شعر شي تشاو أن الرجل يعامله كطفل أولاً وممارساً فنون قتالية ثانياً.
على الرغم من شهوده لما لم يكن شي تشاو قادراً عليه فحسب بل لما يمكنهم جميعا فعله فقد ظل ذلك كله ثانوياً بطريقة ما.
حذّر الأخ الأكبر لونغ تاو: "أفيقوا من سهوكم، المزيد قادم".
في تلك الليلة، قتل شي تشاو وحدَه سبعة عشر وحشاً، بينما قتل رايت واحداً وعشرين، وقتل فراتس عشرة.
* * *
سددت وان لان لكمة لكنها كبحتها في اللحظة الأخيرة، فوضعت كفها على رأس الذئب وكسرت رقبته بدلاً من سحقه تماماً.
تنهدت قائلة إن كبح النفس أشد إرهاقاً من المغامرة كل ليلة أخرى في عمق الغابة واصطياد الوحوش تحت أوامر غامضة نصها «لأن المعلم قال ذلك».
ومع ذلك لم يتذمر أحد، ولا سيما هي؛ ورغم اتضاح أن المعلم كان أبعد ما يكون عن الإلمام بفنون القتال أو تقديم تلميحات لاستيعاب الداو فلم تكن وان لان تبالي بذلك البتة. شأنها شأن الجميع. في الحقيقة، إن راودهما يؤال يوماً عن الممارسات الروحية كان الجميع يسألون الأخ الأكبر تاو ببساطة. كان يتذمر ويتقزز ويطلق تعليقاً عابراً حول مدى إرهاق الأمر لكنه كان يجيب دائماً وكانت نصائحه كلها في الصدت تماماً.
أما المعلم، فبدت وان لان تفكر، فكان أشبه بشخصية أب... ومانح كريماً للعطايا التي يرجح أن القليل في العالم يمكنهم الحصول عليها. غالباً الصفة الأولى مع ذلك. في أي وقت تحدثت إليه كانت أي مخاوف تصارعها... تتبخر ببساطة. وكأن مجرد صوت حديثه يمتلك قوة سحرية لتبديد الرعب.
لهذا السبب، حين كان الأخ تاو يقول «لأن المعلم قال ذلك»، لم ينطق أحد بكلمة أخرى وباتّبعه فحسب.
فكّرت وهي تقبض على ذئب آخر من عنقه وتثبته مخنقة الحياة فيه رغم كون الذئب ثلاثة أضعاف حجمه، إنها لفكرة مرعبة.
الجزئية المرعبة هي أنها لم تكن ترغب في سؤال نفسها متى سيحين الوقت الذي تقول فيه «لا».
ما نقطة انهيارها التي ستفقد عندها عبارة «لأن المعلم قال ذلك»
سحرها القسري عليها؟ كانت تخشى لو أنها سألت أن تتركها الإجابة قلقة لا تهدأ. لقد قتلت ثمانية وعشرين وحشاً شيطانياً في تلك الليلة بينما قتل الصغير شيو عشرة وعشرين ممتعضاً طوال طريق العودة بينما كانت وان لان تزهو بانتصارها.
* * *
...مهلاً. ثمة خطب ما. لماذا صار المجموع 244 على 500 فجأة؟ لقد مضت خمس ليالٍ! خمس ليالٍ لعينة! كيف قتلوا ما يقرب من 200 وحش شطانيّ في خمس ليالٍ فقط؟ أتعلمون ماذا؟ لا أود السؤال حتى. مهما يكن. بالتأكيد فعلوا. إنهم الشخصيات الرئيسية في هذا العالم اللعين. غير أن الجزئية الأكثر رعباً هي أن المرأة بدت غافلة تماماً عن الأمر. على الرغم من قضاء وجبتي الإفطار والعشاء معنا ورغم مجيئها من حين لآخر للدردشة أو محاولة انتزاع بعض المعلومات عني أو عن الصغار فقد بدت غير واعية تماماً لحقيقة أن فرقة صغيرة من الإبادة كانت تغامر كل ليلة بالخروج إلى الغابات للقضاء تماماً على الحياة البرية المحلية.
"كش، يا معلم!"
أخرجني صوت الصغير فنغ من أفكاري وأنا أنظر إلى رقعة الشطرنج متيبساً للحظة. اللعنة. هذا الصغير بات يتحسن. تحسناً مرعباً. أعني، كنت ما زلت ألعب بحماقات أحياناً عن قصد لإطالة أمد المباريات لكن مع ذلك. أظن أنه ليس عبثاً عبقرياً. حركت ملكتي وأكلت فيله وشهدت وجهه يضيء كشجرة عيد ميلاد وهو يستخدم البيدق بابتهاج ليأخذ ملكتي. لم يدم ذلك الابتهاج طويلاً مع ذلك إذ استخدمت تلك الافتتاحية للبيدق لأمنحه كش مات بعد نقلتين.
"هذا غير عادل!"
احتجّ قائلاً: "كنت قريباً جداً!"
"ها ها. لقد كنت كذلك حقاً. لكن عليك دائماً التحلي بالصبر واليقظة"
قلت ذلك. في مرحلة ما انضم الجميع إلينا — بما في ذلك الكيميائي اللعين وذلك الوحش العجوز — لمراقبة مباراتنا بسلبية أو إيجابية. شعرت أنه كان لزاماً عليّ قول شيء يبدو عميقاً مزيفاً فتوقفت لبرهة لأجمع مهاراتي القصوى في الهراء.
"العلم في صيرورة مستمرة في مد وجزر أزديين. إن جرفك التيار تفقد إدراك الجزء الأعظم حولك. تماماً مثل الشطرنج. إن ركزت كثيراً على فكرة واحدة تعجز عن إدراك نقاط إخفاقها والهجوم المضاد الذي سيليها".
هتف شينغ فنغ بصوت خفيض: "أوه... إذن عليّ التخطيط أكثر؟"
"ها ها، ليس بالضرورة كلا؛ فبينما يبدو وضع خطط لكل شيء مثالياً فهو مستحيل أيضاً. الخطط تشبه الانخفاضات المتآكلة في الأرض مثل المنحدرات الدقيقة والشقوق والمنخفضات التي يتدفق عبرها النهر في البداية. ومع ذلك يتقاطع مليون شيء مختلف ويعيقه لكن الماء ينحت طريقه ببطء. وقد لا يشبه شيئاً من بدايته الأولى. خطط نعم ولكن خطط أكثر لكيفية الاستجابة والتكيف مع ما هو غير متوقع. كما اعتاد أحدهم من مسقط رأسي أن يقول الحياة هي ما يحدث لنا بينما نحن منهمكون في وضع خطط أخرى".
أعقب كلامي صمت مطبق إلى حد ما وإن حكمنا من خلال تعبيراتهم المتأملة... فقد كان النوع الجيد. أكان ما قلته عميقاً؟ لا أظن ذلك على الأقل.
أعني أنها ليست بالحكمة الفائقة أن «تخطط ولكن تخطط أيضاً لما هو غير متوقع».
مهما يكن. طالما أن صورتي الجليلة لمعلم حكيم — — تفاً، لم أستطيع حتى إنهاء الفكرة. تفرقوا فجأة في زواياهم دون حتى تفوه بكلمة وداع تاركين إياي وحدي. حتى شينغ فنغ طار بعيداً. بينما كنت أرتب القطع ورقعة الشطرنج ببطء راودتني لفترة وجيزة فكرة أنني حكيم حقاً...
إلى أن أدركت أنه من المرجح أن تكون إلك اللحظات «الارتباطية»
حيث قادتهم كلماتي إلى أفكار الحكمة الفعلية. ليكن. لبرهة وفي أعماقي سأتقبل أنني وجهتهم كما ينبغي لمعلم لائق أن يفعل ولو قليلاً جداً.