نظام الزراعة: نسخة الشيوخ الفصل 336 — حقائق وأكاذيب (العدد اثنان وعشرون)

اقرأ نظام الزراعة: نسخة الشيوخ الفصل 336 — حقائق وأكاذيب (العدد اثنان وعشرون) باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل 336 حقائق وأكاذيب (الثانية والعشرون)

ودّع صوت قطعة شطرنج وقعت على لوح مذهب صمتاً أطبق على ما حوله حتّى تردد صداه. وترامى صداه كأنّ حصاة ألقيت في بحيرة فأحدثت هبّة ريح خفيفة. غير أنّ الرجلين الجالسين عند طرفي رقعة الشطرنج لم يعبئا به. انصبّ تركيزهما تماماً على اللوح وقد التصقا بجانبه وبجانب النافذة. بدا أحدهما في سبعينياته متغصّناً عتيقاً تجعد جلده وشاب لحيته وبدا أصلع الرأس. خلا قمة رأسه من الشعر تماماً بينما بقيت خصلات قليلة على جانبيه.

ارتدى رداء لفّه السواد والأرجوان وطرّزت على سطحه رؤوس تحمل ملامح ليست بشرية تماماً. تمتم بخفوت وهو يلتقط حصاناً ويضعه بعدوانية وارتسمت على شفتيه ابتسامة فخر واعتداد بالنفس إذ زاغت نظراته عن اللوح لتستقرّ على الرجل المقابل له. وكما ظهر فإنّه كان المقابل له تماماً. لم يبد على الرجل أنّه تجاوز الثلاثين من عمره غير أنّ مظهره خلا من أيّ تهذيب بخلاف العجوز. شعره ولحيته هماهما ملبّدان ورداؤه ممزّق تعلوه الشقوق وفوح منه رائحة الخمر بحدة مفرطة.

ومع ذلك برقت في العينين الحمراوين بوحشية حدة كالنصل بلا أيّ تراجع. تجرّع رشفة من قرع وابتلع جرعات ممّا ظنّ العجوز أنه خمر بوديفا قبل أن يضعه جانباً ويستخدم فيله للقضاء على الحصان. توقف العجوز وعقد حاجبيه. تلك حركة مبتدئة تماماً إذ ابتعد الفيل عن حماية الوزير لكنّه لم يعهد في ذلك الشاب المتهوّر طيشاً كهذا. أيكون فخاً؟ تراجع مستغرقاً في تفكير عميق لكنّه عجز عن سبر أغواره إن وُجد.

مهما أمعن في الحساب فإن أخذ وزير الرجل... لن يمثل سوى مبادلة حصان بوزير. ورغم ذلك تردد. لا بدّ من أنه فخ وببساطة شديدة. هكذا وبدل أخذ الوزير دفع الجندي قطرياً وأخذ الفيل بدلاً منه.

قال الشاب بتهكم: "دائماً جبان."

فقال العجوز: "تجاوزت حماقة شبابي ورأيت فخك."

قال الشاب وقد رفع حاجبيه وفجأة طفق يضحك: "ها ها ها. آآه أيها الصغير ين، ليس هناك فخ. لقد ارتكبت غلطة فحسب."

"... أنت تكذب."

قال الشاب بضحكة: "همم. إن كان ذلك يريحك فاستمرّ في تصديقه."

وسحب الوزير بعيداً عن خطّ قلعة العجوز المباشر.

"كلما تغيرت الأشياء بقيت على حالها. ولهذا ما زلت هنا بلا تاج على رأسك."

قال العجوز وهو يداعب ذقنه: "همم. ما زلت هنا لنقص مواهبي يا سيّد. سواء كنت أشدّ جبناً أم أعمى شجاعة مثلك لما تغير شيء. همم؟"

شعر العجوز فجأة بشيء ينقطع — في خاتمه الفضائيّ وفي روحه أيضاً. مدّ يده بسرعة إلى الخاتم واستخرج قطعا متفتتة من لوح حجري. كان قديماً عتيقاً لكنه قبل يوم واحد فقط كان سليماً يشع بطاقة حياة... باتت معدومة الآن.

سأل الشاب: "من مات؟"

قال العجوز ناظراً إلى شظايا اللوح الحجري: "تلميذ لي. لو يوهان."

"... لو يوهان، لو يوهان... لماذا لا أعرفه؟"

قال العجوز: "أحدث تلاميذي. أخذته قبل أقل من ثلاثة آلاف سنة."

"كيف مات؟"

قال العجوز بينما انبثقت نيران بيضاء من أطراف أصابعه فابتلعت شظايا الحجر: "عصى النظام فحطّمت روحه النيرفانية ونجا بأعجوبة. ومنذ ذلك الحين وهو يعيش في الخارج."

أطلق الشاب صفيرة مندهشة بخفة وأخذ رشفة أخرى من القرع بينما بدأت شظايا الحجر تتحول إلى رماد: "تُرى ماذا أطعمته ليبقى حياً؟"

صمت العجوز مطولاً ناظراً إلى الرماد بينما تراءت له ذكريات الفتى البعيدة. أدرك أن هذا اليوم آتٍ لا محالة بطريقة أو بأخرى. لقد عارض النظام مهما بدا له خفيا ومهما ظنّ أنه يفعل ذلك لأجله ولم يكن مصيره منذ ذلك اليوم سوى الموت.

سأله الشاب مخرجاً إياه من أفكاره: "أتريد أن أثأر له؟"

"لا. ألا يتعارض ذلك مع مسارك؟"

تذمر الشاب متكئاً على الوسادة متممطاً: "آآه، لا تذكر مساري. لماذا تظنني هنا إذن؟"

"لتزعجني؟"

"ها ها ها، ربما قليلاً. لكن... يعود الأمر في الغالب إلى اصطدامي بالجدار."

قال ذلك وهو يقف متجهاً نحو النافذة ومستطلعاً الأفق الواسع للأجنحة المغطاة بغسق الليل والمغروزة في جدران الكهف الضخم.

"لا تقُل لي إنّك لم تعانِ قطّ من عقبة من قبل."

قال: "هذا... مختلف. أظنّه... شيطاناً."

صرخ العجوز بصدمة: "شيطان؟!!"

فمن بين كلّ فناني القتال الذين ألتقاهم وعرفهم طوال عشرات آلاف سنين عمره كان هو آخر من توقع سقوطه في فخ الشياطين.

"كيف يُعقل هذا؟!"

التفت إليه ملتقياً بنظرات العجوز وقال: "لا يخطر ببالي سوى أمر واحد. حين سمعتهم يتهمون نصل المسار بالتجديف... لم أقتحم البلاط فوراً لأقلبه رأساً على عقب بحثاً عن الحقيقة."

قطب العجوز جبينه وقال: "إن كان ذلك صحيحاً... وكان شيطاناً..."

"لسست متأكداً بعد. قد يكون مجرد عبق ذنب آفل. فقد مقت ذلك الرجل في نهاية المطاف وربما أكثر من البلاط السماوي بأسره مجتمعاً. وإن وُجد من كان عليه الاحتفال بموته فهو أنا. فلربما هو مجرد تقصير لعدم كوني أنا من أرداه قتيلاً."

"..."

تممط وقال: "آه، دعنا من الحكايات القديمة. ألمح أنكم وشكتم على تحقيق حلمكم أخيراً."

سأل العجوز بابتسامة خافتة: "وما زلت لا توقفنا؟"

"ولِمَ أوقف شيئاً مصيره الفشل؟"

"وإن لم يفشل؟"

قال: "إن لم يفشل... فمعنى ذلك أن قوانين المسار قد تفككت وأن الكون نفسه يلفظ أنفاسه الأخيرة. وحينها... لن يفدي إيقافكم بشيء. فشئٌ آخر كان سيتسبب في ذلك عاجلاً أم آجلاً."

"لمن يدعي أن البرّ مساره فإنك تسلك حقاً درباً هلامياً."

ابتسم وجلس مجدداً ليحرك قطع اللوح أخيراً: "ربما. لكن البرّ وككل الأمور البشرية مفهوم لا وجود له بطبيعته. فالمسار ليس بارّاً ولا فاجراً تماماً كما أنه ليس عادلاً ولا ظالماً. وما يعنيه أن يكون المرء بارّاً يكمن في قلوبنا رغم أن من عجز عن تبين مساره لن يعلم عن ذلك شيئاً بالطبع."

قال العجوز وهو يحرك بدوره قطعة أخرى: "ليس ذلك فهمي... بل نقص مواهبي."

ابتسم وقال: "همم. أمتأكد أنك لا تريدني أن أثأر لتلميذك؟"

"مهما قلّ علمي بالمسار فأنا أعلم علم اليقين أن تورط إمبراطور في شؤون البشر سيجرّ عقاباً. لقد عاش حياة ملحوظة بحلوها ومرّها والآن تنتظره السامسارا. دعه وشأنه كما ترك الآخرين."