الفصل 27 معاناة الفقراء (أ)
هكذا انقضت ثلاثة أيام منذ أن قررت أن أجرب حظي وأحاول معرفة طريقة تفعيل النظام. وحتى هذه اللحظة كانت حصيلتي صفراً مكرراً. انسَ أمر تفعيل النظام إذ جل ما فعلته هو تفعيل استيائي الشخصي. حاولت التأمل متوقساً أن أحظى بنقطة أو نقطتين إن بذلت جهدي. النتيجة؟ لم أظفر بالنقاط فحسب بل أدركت أنني أمقت التأمل مقتاً شديداً. حسناً، لأسعف الكلام بالدقة: أنا أمقت التأمل بهذا الجسد بالذات.
كمية الوحل السام المتأصلة في كل شبر من مسارات الطاقة تشبه حال من التهم ثمانية أرطال من لحم الخنزير يومياً طوال ستة وستين عاماً لترسو تلك الشحوم في عروقه. استغرقت دورة كاملة واحدة من طاقة تش ستة دقائق واثنتي عشرة ثانية، أي نحو نصف الوقت الذي يستغرقه مبتدئ في التأمل. للمقارنة؟ يستطيع ممارس حقيقي وعادي في رتبتي إتمام دورة في أقل من دقيقتين. أي أسرع بثلاث مرات. بكيت في قرارة نفسي عند إدراكي أنني لن أتحرك خطوة واحدة حتى يُنقّى جسدي.
وبالنظر إلى انعدام النتائج من تجاربي، يخامرني شعور بأن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً جداً. باختصار: أنا مكتئب. حتى تلامذتي أدركوا أن شيئاً ما ليس على ما يرام لكنني التزمت الصمت. أن تكون عملية جني النقاط عسيرة فهذا أمر، ولكن أن تخبرني على الأقل بكيفية جنيها فهذا أمر آخر! أهو جنود التلامذة حقاً؟ كلا، فحتى تجنيد داي شيو لم يمنحني أي نقاط قط. ولم تكن هناك مهام نشطة. لذا، عزم اكتئابي على جعلي كائناً تعيساً بائساً حتى حدث أمر ما.
معجزة! معجزة سماوية!
[--تم توليد مهام جديدة]
[...]
[ملاحظة: في الأول من كل شهر تقويمي، سيولد النظام ثلاث مهام عشوائية ومناسبة للمضيف. أكملها لكسب نقاط الخلق ومكافآت بديلة أخرى!]
[...]
[المهمة الأولى (ملحمية) -- ساعد تلميذتك، داي شيو، على بلوغ المرحلة السابعة من تكثيف طاقة تش خلال عام واحد. المكافأة: ١٠٠ نقطة خلق]
[المهمة الثانية (شائعة) -- أرشد شخصاً (أي شخص) عبر فحص أخطائه وتقويم ما تلحظه منها. المكافأة: ٥٠ نقطة خلق]
[المهمة الثالثة (شائعة) -- جند تلميذاً جديداً. المكافأة: ٢٠ إلى ١٠٠٠ نقطة خلق (بحسب موهبة التلميذ)]
[--ستتجدد المهام بعد ٣٤ يوماً، في الأول من الشهر القادم. يمكنك قفل إحدى المهام المعروضة لتنتقل معك إلى الشهر التالي أيضاً]
[...]
[حظاً سعياً!]
لعلها إحدى حالات اطلب تُعطَ؟ فإن تذمرت كثيراً عسى أن يشفق علي النظام ويمنحني كل ما أبتغيه. أيها النظام! أنا مكتئب للغاية! إن كنت تريد مساعدتي وشفاء اكتئابي فاجعلني الأقوى.... لم أظن ذلك. أحم. على أي حال، بالتملي في المهام رقصت حاجبي وخاصة حيال المهمة الثانية. كانت الأولى والثالثة منطقيتين إلى حد ما، غير أن الثانية ذكرتني بأمر حصرت تفكير فيه. نظام خلق فنون التأمل لا يقتصر على ابتكار الفنون القتالية، بل أخبرني مسبقاً أنه يعنى بتعزيز القائمة وفهمها وتعديلها أيضاً.
وهو ما يعني أن بإمكان الإنفاق من نقاط الخلق لا في الابتكار وحده بل في أمور شتى سواه. ومع ذلك ظل السؤال قائماً. بحق الجحيم، من عساني أرشد؟ لونغ تاو؟ نجل. لا أظن حتى النظام ليجد عيباً فيه. داي شيو؟ ربما لاحقاً؟ في الوقت الراهن هي خارج الحسابات أيضاً.... إذن، لا أحد. لعدم وجود روح أخرى في الطائفة تمنحني التفاتة ثانية إن عرضت عليها الإرشاد. وعليه، بات إرشاد الناس مستبعداً، ولا سبيل لإنجاز مهمة داي شيو طوال مدة مديدة، ولم يبق سوى الأخيرة...
تجنيد التلامذة. مررت بحقل أشباه الجثث مراراً ولم أصادف أحداً يستحق الذكر. انسَ أمر الاستحقاق، بل لعل حسن الحظ إن وسمت مواهبهم بالمميتة لا العديمة. ولم أكن راغباً في تجنيد صغار السن لمجرد التجنيد، فهذا يعني الظفر بعشرين نقطة خلق لا غير بينما كان بإمكاني جني المزيد. وبلا كبير تفكير قفلت مهمة داي شيو وأعرضت عن الثالثة مؤقتاً وقررت الإقدام على خطوة جريئة. تضم الطائفة تسع قاعات قتالية حسب علمي؛
أربع منها مخصصة حصراً للطبقة العليا من الطائفة: الشمامسة، والشيوخ، وسيد الطائفة، وبضعة تلامذة حقيقيين موهوبين للغاية. وثلاث لقاعات التلامذة النواة والداخليين، واثنتان للتلامذة الخارجيين الموهوبين، وأما الأخيرة فمتاحة لكل فرد في الطائفة حتى الخدم. وما إن غادرت القمة حتى غدت تلك وجهتي، لا رغبة في تجنيد أحد، بل تنفيذاً للمهمة الثانية: إرشاد شخص ما. نعم، لن ينصت إلي أحد، وسيسلكون دروب الضلال طوعاً قبل أن يطلبوا عوني، ولكن ماذا لو تنكرت قليلاً؟
ففي نهاية المطاف ما زلت شيخاً، وظل رتبة تجسيد الروحي هذه رغم سقمها حقيقية بكل ما تعنيه الكلمة. لو أمكنني الظفر بصبي مغفل وإرشاده قليلاً فهذه خمسون نقطة خلق مجانية في جيبِي! ولعلني أفلح أخيرفاً في ابتكار فن التخفي أو حتى صياغة ما يلائم داي شيو. لذا، عرّجت على السوق الحرة في طريقي إلى القاعة القتالية المفتوحة واشتريت بضع سلع لكي لا يبدو الأمر جلياً: قبعات قش، ومظلات، وبعض الحلي المتفرقة، وثياباً عادية بضعة.
كانت ملابسي الحالية تفصح جلياً عن هويتي كشيخ لقمة الوحدة، مما يعني استحالة الظهور بها. لذا، وإثر العثور على زاوية خفية تحولت سريعاً من مظهري المعتاد إلى هيئة أخشن لذات الهيئة مع قبعة قش مندلاة لستر وجهي قدر المستطاع. كان ارتداء قناع أمراً مستبعداً لبواعث الشكوك. لذا، توجهت صوب القاعة المفتوحة لألمح سيل صبيان غادين وائحين. اختلس بعضهم النظر إلي محنين رؤوسهم لإدراكهم المزعوم لقوتي، قبل أن يهرولوا في طرقاتهم الجذلى.
كل وافد إلى هنا ينضح باليأس؛ إذ احتلوا الحضيض الأدنى من التسلسل الهرمي، واعتبرتهم الطائفة غير جديرين تقريباً ومقضيّاً عليهم بصيرورة شخصيات نكرة. وما التأمل سوى مكابدة في وجه السماوات؟ سأقول لك ما هو: جنون. فور دخولي، شهدت حشداً من الصبيان بعضهم لم يتجاوز الثامنة وهم يبرحون بعضهم ضرباً مبرحاً. بلا مزحة، بدا الأمر وكأن أحدهم أعاد إحياء الفنون القتالية المختلطة وسنّ قاعدة وحيدة: السماح للأطفال بالقتال فحسب.
تطايرت الأسنان، وامتزجت الدموع بالدماء، وتحطمت العظام... لم ترق لتكون قاعة قتالية صراحة؛ إذ انعدمت تقريباً الحشوات لتخفيف السقطات، واقتصر الأمر على بضعة دمى خشبية مبعثرة تبدو على حافة الانهيار، وغاب الشيوخ والشمامسة تماماً، وبدا المكان بحق أشبه بمرتع للفتية لضرب بعضهم بعضاً. همم. لعلني لو أدخلت المقامرة والرهانات وبعض أحجار الروحي... يا للهول. لم أفكر للتو بذلك! تبّاً....
بدا أنني أنتمي تماماً إلى هذا العالم المختل، على ما أظن.