نظام الزراعة: نسخة الشيوخ الفصل 239 — أسطورة الأطفال المقنّعين (9)

اقرأ نظام الزراعة: نسخة الشيوخ الفصل 239 — أسطورة الأطفال المقنّعين (9) باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل 239 اسطورة الاطفال المقنعين (التاسع)

فكّرت لايت أن العالم كان جميلاً. تلاشت أجنحة المدينة الشاهقة كالدخان وحلّ محلّها ضباب أبيض حليبيّ. كان هادئاً وجميلاً، شبيهأ بحديقة صخرية. خطت نحو المسرح إن جاز التعبير، وانتظرت حتى بدأت الظلال كالمحاليق تتخذ شكل هيئة. واحد، اثنان، عشرة، عشرون، خمسون، مئة... عجزت عن العدّ بعد ذلك، فاستبد بها الضيق وابتدرت عبوساً. سيتعين عليها جعل ذلك السيد الأحمق يعلمها الأرقام، ماذا لو شعرت بالحرج هكذا مرة أخرى؟!

كان هناك الكثير منهم. كثرة مكثفة لدرجة أنهم غصّوا بالعالم بأسره. لماذا أتوا إلى هنا؟ هذا ما تساءلته في باطنها. لا يصح أنهم أتوا ليموتوا، فسيكون ذلك سخيفاً. لكنهم كثر، الآلاف حقاً يعجّون في المدينة. شعرت بهم، بهم جميعاً، لكن... ليس تماماً. كانت تتقن رؤية طاقة الحياة في كل مكان، ورغم أنهم امتلكوها جميعاً، إلا أنها كانت مضطربة. غريبة. ناقصة. محرّفة. لكنها لم تُمعن التفكير في الأمر؛

فليس من شأنها التفكير. مثلما قال الأخ الأكبر، كل ما عليها فعله هو جعلهم يخلدون إلى النوم. غفلت هي أيضاً فضحكت، لن يخلدوا إلى النوم! سينهون حياتهم! فالموت يختلف تماماً عن النوم بعد كل شيء. تمنت لو أن أمها وأباها خَلدا إلى النوم بدلاً من ذلك، لكن... لم يفعلا. ولن يفعل أحد هنا أيضاً. سمعت حديثهم، يتساءلون عن سبب وجود طفلة. كانوا مسترخين ومرتبكين بالقدر ذاته، ومقتهم على ذلك؛

مقتت جسدها الصغير الذي يجعلها تبدو تافهة. كلما نظر أحدهم إلى سيدها الأحمق، أدركوا أن الرجل خطير إلى ما لا نهاية! وذكيّ أيضاً! لكن ليس عندما ينظرون إليها. كان عليها إثبات ذلك. كانوا جميعاً ضعفاء. أو على الأقل، أضعف بكثير من الأخ الأكبر. أمالت رأسها جانباً حين رأت أحدهم يقترب منها وخلع قناعه. كان رجلاً قبيحاً —لا يقارب وسامة سيدها قط— بعينين متلویتين وأنف متكلّف وشفاه دقيقة لدرجة أنها لا تنطق سوى بالأكاذيب.

لم يعجبها وقوفه المستمر ونظراته المتعالية إليها.

"أيتها الفتاة الصغيرة—"

انفجر رأس تماماً ومضى في وابل من الدم واللحاء. تطايرت شظايا الجمجمة فرائص رؤوس سهام، لتصطدم بنحو عشرين شخصية أخرى وتقتلهم في الحال.

"من هناك؟!"

"اتخذوا تشكيلة!"

تفشى الذعر سريعاً إذ تجمّعوا معاً، مع أنه ومن المفارقة لم يكن أحد ينظر إليها. لكنها... لم تجد الأمر طريفاً. تعرضت لإهانة. وغضبت. زمجرت وتحولت عيناها الشفقيتان إلى الأحمر القاني حين مدت ذراعها اليمنى وفتحتها لتواجههم براحة يدها. ظهر رداء من الألوان المدمرة على هيئة جحيم. وتمدد حتى ابتلع العالم، هابطاً نحوهم كمد بحري. لم يظنوا أنها قادرة على إيذائهم. ظنوا أنها مجرد فتاة.

زمّت شفتيها وراقبتهما بغبطة بينما أتى الجحيم على الجميع حتى لم يبق سوى الرماد والدخان.

"هاه!"

مسحت يدها في اللحظة التي انحلّ فيها العالم لتعيدها إلى المدينة. رأت معارك عديدة تتكشف، لكن عينيها مسحتا الأعلى فوراً بحثاً عن سيدها عند أعلى منصة، غير أنه لم يكن هناك. تسارعت نبضات قلبها وبدأت بالبحث في كل مكان بذعر؛ كان السيد ضعيفاً وهشاً وعليها حمايته! لكن كيف تحميه إن عجزت عن إيجاده حتى؟ اتخذت قراري. أنا أكره هذا العالم. حسناً، إنه ليس قراراً بقدر ما هو تعبير عن مرارتي الحالية، لكن مع ذلك.

للتو شاهدت رجلاً يُقطع رأسه بوحشية بفأس يضاعف حجم جمجمته وكدت أتقيأ أحشائي لولا موجة مهدئة اكتنفتني. حقاً، تعمل تلك الفنون الكثيرة بطاقة مضاعفة لأتمكن من العمل. حاولت تجنب القتال المباشر ومساعدة الناس على الهرب بدلاً من ذلك؛ وكلما شعرت بخطر وشيك استخدمت خطوات الظل للمراوغة والانسحاب، وبفضل تطويرها صار بإمكاني الانتقال إلى أي ظل تقريباً تقع عليه عيني. لحسن الحظ، حوت خواتمي المكانية كماً هائلاً من حبوب تجديد الطاقة الطافية، أتى العديد منها في الحقيقة من العجوز غو نفسه.

تجدد كل حبة نحو عشرين بالمئة من مخزوني، ولهذا دأبت على استخدام الخطوات للتنقل باستمرار. إن اضطررت للقتال، استخدمت سيفاً وانحنيت وتفاديت الضربات مستهدفاً الأطراف في الغالب؛ ورغم رغبتي في بلوغ العنق أو القلب، لم أمتلك الجرأة الكافية للإقدام على ذلك. لم يعد الأمر مجرد هراء بأي حال، فقد تواجد لاو شون في الجوار دائماً، ليعترض طريق كل من يفوقني قوة (أي باختصار من يتجاوز مرحلة تجسد الروح المتوسطة، إذ اعتقد تواجدي في منتصفها)، وإن لم يكفِ ذلك، لاحظت أحياناً تسلل لونغ تاو في الخلفية ليتخلص بصمت ممن يرغب به.

توقفت وتراجعت، فقط ليخترق رأس سهم الهواء قرب أنفي محتكاً به تقريباً؛ ولم يكن سهماً عادياً بحال، بل صُنِع نقياً من الطاقة. طنّ كالبلازما تقريباً، واخترق المبنى المجاور محدثاً فجوة في الحجر بيسر يحسبه المرء ماءً من مضخة يصطدم بورقة. بدا ذلك كالعاشر، وقبل أن ألتفت لمعرفة مطلق السهم، سمعت أنيناً بعيداً تلاه صوت ارتطام جسد ساقط.

"النجدة!!!"

سمعت صرخات أحدهم فنحّيت تجربة الموت الوشك جانباً وهرعت نحو هناك. غادرنا أسوار الحملة بينما انتشر القتال في شوارع المدينة. لتوّنا خرجنا إلى الشارع الرئيسي حين رأيت مبنى منهاراً تذكرت أنه مطعم ذو طابقين قبل ساعات معدودة. تحت الأنقاض، وُجِد الكثير من الموتى، إلى جانب آخرين ظلوا أحياء أيضاً. هرعت وبدأت بإزاحة الأنقاض عنهم، مدركاً بوعي باهت تعامل لاو ولونغ تاو مع عدد غير قليل من المقنعين المحاولين مهاجمتي.

من بين السبعة الباقين على قيد الحياة، لم يستطع سوى اثنان العرج بالكاد، بينما لم يكد يعي سوى أربعة منهم. ركبتان منحنيتان إلى الخلف، كاحلان ممزقان تماماً عن القدمين، أذرع مفقودة، انبعاجات في الصدر بحجم كأس... كان وضع مسجل عُمر وشابة فوق بعضهما على ذراعي اليسرى عسيرة بما يكفي، غير أن محاولة فعل المثل مع طفلين فاقدين للوعي كادت تصبح مستحيلة حتى ساعدني الاثنان اللذان عرجاً.

بصراحة لم أدر إلى أين أقودهم؛ ففي السابق، كلما أنقذنا أحداً، غاب عني الوقت للتفكير بعمق في الخطوة التالية لوجود شخص آخر بقربنا يحتاج للإنجاد على الدوام. توجهت غريزياً نحو القبو حيث ترتاح ابنة السيدة جو؛ لقريبته وستره المحكم بحيث بات أمن مكان خطر ببالي في تلك اللحظة. ...كان هذا جحيماً، بأكثر مما أود الاعتراف به. مشاهدة أبراج عملاقة تتهاوى، وجدران تتجعّد كورقة، وموت لا يحصى لعرض من الغباء الذي لا ينتهي...

لماذا؟ حتى إن أرادوا الانتقام، فلم يهاجمون المدينة بأسرها؟ لماذا أرسلوا المئات حرفياً (إن لم يكن الآلاف، صراحةً) من المزارعين للهجوم؟ لا يقتصر هذا على مجرد انتقام، بل حرب مشروعة، ولن يقنعني أحد بالعكس.

بالطبع، أفسد لونغ تاو الأمر بـ "سماحه"

بحدوثه، لكن، بصراحة، لم يكن الأمر كأننا نستطيع ترك الكرمة وشأنها. أما هذا الهجوم؟ فلا مسوغ له. حتى مع برود هذا العالم وبلادته، لا أصدق للحظة واحدة وقوع كل هذا لمجرد جرح الكبرياء. كل هؤلاء البشر يموتون من أجل الكبرياء؟ لا. لا يمكنني تقبله. ولن أفعل أبداً.