الفصل 184 الألم غير المُباح (٢)
ركض ريس عبر المنحدر الحاد واجتاز حديقة الأشجار الكثيفة وجبينه يتلألأ عرقاً. كأن أشباحاً تطارده إذ لم يبدو أنه يبطئ أبداً حتى بلغ أخيرًا تفرع المسار فانحرف حاداً إلى اليمين لمسافة نصف ميل تقريباً وواجه فجوة في الجبل. كانت غير ملحوظة تماماً — لا تختلف عن أي فجوة أخرى تؤدي إلى كهف — ورغم ذلك تمكن من التعرف إليها عبر ذرات المانا غير المرئية التي تفرش الحافة الخارجية للصخور.
ابتلعته الظلمة ورغم ذلك استمر في السير بثقة واجتاز الأنفاق المتعرجة بدقة متناهية حتى برز في قاعة واسعة ومفتوحة. هناك جالسًا مستنداً إلى الحجر كان آريان. بدت مشتتة وعميقة التفكير لكنها استاقت بسرعة حين سمعت وقع خطواته.
هتف: "لقد حدث أمر فظيع!".
"ما الأمر؟ أأنت مصاب؟"
وثبت واقفة وتقدمت لتأخذ بيده.
"لا لست أنا! فوق في القلعة! سمعت... سمعت أن سبعة قُتلوا البيلة الماضية!".
"سبعة؟!"
هتفت بصدمة.
"نعم! لابد أنه مصاص الدماء اللعين ذاك... لكنه، لكنه لم يقتل هذا العدد قط بمثل هذه السرعة. ماذا يا ترى ينوِي فعله؟! أرايت شيئاً مريباً هناك في الأعلى؟".
"مريباً؟ ماذا تعني بمريب؟".
"لا عليك"
هزت رأسها وتنهدت.
"لم يعد الصعود آمناً. الأفضل أن تبق إلى هنا من الآن فصاعداً إلى أن يهدأ ذلك الوحش أو يرحل".
"لا لا، لا يمكنني!"
هتف ريس.
"عليّ الذهاب لمساعدتهم!".
"مساعدتهم؟".
"إنهم بشر عاديون يا آريان! ليست لديهم أدنى فكرة عما يواجهونه!".
"وكيف سيساعدهم شرحك لهم ما 'يواجهونه'؟".
"--لا أعلم"
اعترف كارهاً بعد وقفة قصيرة.
"لكني أعلم أنني لا استطيع الاختباء هنا بينما يتحولون جميعاً إلى طعام لذلك الوحش. لم أهرب من العشيرة لأختبئ للأبد يا آريان وليس حين يكون بوسعي المساعدة".
"وماذا لو اكتشفك مصاص الدماء وقتلك؟"
سألته وبدت غاضبة بعض الشيء.
"أظنه مثل بقية أولئك الحمقى الذين جاؤوا في إثرك؟! أتعتقد أنك قادر على هزيمته إن حالفك الحظ قليلاً؟! "ل-لا" تعثر متراجعاً وشعر بشيء من الارتباك. "بالتأكيد لا.
أعلم أنني لست ندّاً له...
لكن هناك فرصة!".
"فرصة؟".
"حمم! لقد رأيت ممارساً في القلعة! إن شرحت له ما يحدث--"
"--هاه!"
قاطعته مسرعة إلى حد ما.
"ممارساً؟! أتريذ طلب المساعدة من ممارس؟ لقد جننت حقاً! لك أن تتوجه مباشرة إلى مصاص الدماء نفسه وتطلب منه بلطف الكف عما يفعله! ألا تذكر أياً من تعاليم العشيرة؟ مجرد أنهم أساءوا إلينا—إليك لا يعني أن بعض ما كانوا يقولونه ليس صحيحاً! الممارسون وحوش يا ريس. إنهم وحوش يرتدون جلود بشر. ذلك الرجل سيقطع رأسك لمجرد مخاطبته أسرع بكثير مما سيساعدك. وإن قرر مساعدتك لسبب سماوي ما، فما بالك إن لم يكن قوياً بالقدر الكافي أيضاً؟ عليك أن تصغي إليّ فحسب — علينا الاختباء!".
"..."
فكر للحظة لكن الأمر كان عبثاً. لقد حسم أمره في قرارة قلبه بأنه إما سيساعد أو يموت محاولاً. بل لهذا السبب كان يتدرب بجهد هائل — ليكون قادراً على هزيمة مصاص الدماء ويثبت للعشيرة بأسرها أنها كانت مخطئة. بشأنه هو وخاصة بشأن آريان.
"لا"
قال والتفت مغادراً.
"عليّ مساعدتهم يا آريان. لكن يجدر بكِ--"
شعر بوميض ألم في مؤخرة رأسه قبل أن تبتلعه الظلمة فجأة بالكامل وتلتقط بقايا وعيه الأخيرة الكلمات المتلاشية لصوت بارد.
"تشه، أيها الأحمق. ألا تتوقف حتى تفسد كل شيء؟ وأنتِ، اخرسي بحق الجحيم. لقد كنتِ تغيظينني أكثر حتى من المعتاد...".
* * *
"أ... أأنت غاضب؟"
سألت بطريقة لا يصدرها إلا طفل يشعر بذنب العالم بأسره. ومثلما يفعل الأطفال شعرت فجأة بكل ذلك الذنب ينتقل ويتكدس عليّ. --مهلاً، لا! لا تدع نفسك تنجرف في دوامة التلاعب من طفل! صراحة، لقد كنت أمشي على شوك حين يتعلق الأمر بكل الأطفال معي — ألا يتحول أبطال الروايات عادة إلى قتلة جماعيين قبل أن يغادروا قراهم حتى؟ و... حسنًا، هم كذلك بالفعل نوعاً ما، أليس كذلك؟ حتى بالرجوع إلى زيارتنا مسقط رأس شي ژاو حيث خاضوا تدريبات دموية للغاية، لم تكن أيديهم نظيفة تماماً.
ولكن، وُجد "مبرر"
— أعني، نعم، يمكنك دائماً اختلاق مبرر وإيجاد سبب يجعل أفعالك منطقية تماماً، ولكن لا بد أن يوجد خط ما في مكان ما، رغم ذلك.
"لا"
تكلمت بهدوء تام دون أن أرفع صوتي البتة.
"لست غاضباً. أيمكنك أن تخبريني لمَ فعلتِ ذلك؟".
"... هم... كانوا يسخرون... من..."
تلاشى صوتها نحو النهاية.
"كانوا يسخرون منكِ؟".
"لا، كانوا يسخرون منك!".
... أوف، تبّاً لللعنة. ها قد عاد ذلك الذنب. أوه، بحق الجحيم. لما يشبه هذا شعور حرقة المعدة؟
"أوه"
تفوهت بهدوء بينما رفعت رأسها ونظرة عينيها كانت... متمرّدة. بالطبع انهار كل ذلك لأنها كانت على وشك البكاء، لكنها ظلت كذلك.
"حسناً. إذن، كانوا يسخرون مني. هل أثار ذلك غضبك؟".
"حمم! لقد أغضبني حقاً!".
"لمَ؟".
"ل-لمَ؟".
"نعم. لمَ؟".
"..."
أشحت بوجهها سريعاً وكل ما استطعت فعله هو التنهد. عجباً. أعني، لقد لاحظت النمط نوعاً ما، لكنني لم أظن أنه بلغ هذا الحد من الانتشار. ولكن... ما كفي كفي.
"حسناً أيها الثلاثة، توقفوا عن التجسس وتعالوا إلى هنا"
ناديت بينما ظهرت ثلاثة ظلال من خلف الجدار وقد بدت وجوههم مثقلة بالذنب هي الأخرى.
"اجلسوا"
ففعلوا متحركين في أماكنهم باضطراب للحظة.
"الكلمات مجرد أصوات. والسبب الوحيد لاكتسابها أي معنى هو ببساطة أننا نمنحها ذلك المعنى. تماماً مثلما أن السبيل الوحيد لتأثيرها فينا هو أن نسمح لها بذلك. انظروا إليّ — لا أبه لما يقوله الآخرون عني. لا أهتم بما يقولونه في وجهي أو ما يقولونه من وراء ظهري أو ما يصرخون به نحو السماء حين أتغلب عليهم في أمر ما أو لمجرد أنهم بحاجة للصراخ بشيء ما. لا أريدكم أن تنسجوا روابط كارمية عابرة مع غرباء عشوائيين لمجرد أنهم تحدثوا عني بسخرية. إنكم جميعاً أعزاء جداً عليّ"
أضفت وقد لان نبرة صوتي قسماً وأنا أرسم ابتسامة باهتة.
"وليس هناك حدود لن أتجاوزها من أجلكم. لكني معلمكم وهذه مهمتي. أما مهمتكم أنتم بصفتكم تلامذة فهي الإصغاء لي. لذا أرجوكم أصغوا: لا تؤذوا الآخرين بهذه السهولة. الحياة عزيزة ومثلما هي عزيزة عليكم فهي كذلك للجميع. إننا جميعا نصارع التيارات وغالباً ما نقول أموراً لا بالضرورة تعبر عنا. لا بأس. دعوهم يسخرون مني. حين تعودون يمكننا الجلوس والسخرية منهم أيضاً. أعلم أنكم ترون حمايتي واجباً مقدساً لكن معلمكم قادر رغم كل شيء على حماية نفسه. وفي حال عجزت عن ذلك فسأموت حائلاً دون وقوع أي مكروه لكم على الأقل. لأن هذا هو إخلاصي. أما إخلاصكم فيجب ألا يكون سوى أن تنشئوا أشخاصاً رائعين قادرين على رؤية العالم أبعد من طرف السلاح".