الفصل 132 أصداء (8)
بدا العالم غريبا... حين كان يستخدم فن التخفي الذي ابتكره السيد. كأن حوافه قد غسلت، وحبرا معتما يتمزق منها بدفع الريح. وكان يفقد شيئا من ألوانه أيضا، كما لو أنه دخل واقعا منفصلا تماما، مختبئا خلف غشاء غير مرئي. ومع أنه كان يمشي بينهم، فقد كان كالشبح، ولم يخطر لهم أن أذنا تصغي إلى همساتهم كلها. وكما هو متوقع، كانت أحاديثهم تدور في معظمها حول الوافدين الجدد، مع أن أيا منها لم يكن مستساغا...
"هل رأيت كيف يرتدون؟ لقد رأيت كلابا وقططا في موطني ترتدي ما هو أفضل."
"تفو. انس ذلك. بدوا كأنهم لم يستحموا منذ أشهر."
"وماذا تتوقع من هذه البقعة المنسية؟"
"على الأقل أولئك الآخرون أطفال، لكن ذلك العجوز..."
"أليس كذلك؟ بدلا من أن يهرب إلى أبعد مكان يستطيع بلوغه، جاء إلى هنا فعلا..."
"هيه، انتظر فحسب. لن يبقى العجوز زيمين هنا ليحميه إلى الأبد، أليس كذلك؟"
"ماذا تقول؟"
"أنت تعرف ما أعنيه. لعلنا نبدأ شجارا، ثم يمتد بالخطأ نحوه؟"
"هيه، أليس كذلك؟ ففي النهاية، حين يتقاتل الممارسون، لا بد أن تحدث أمور كهذه..."
أصغى لونغ تاو إليهم جميعا، وحفر ملامحهم في ذاكرته، لكنه لم يبد أي رد فعل يذكر. ولماذا كان سيفعل؟ كانوا جميعا أبناء أناس مغمورين من تلك البقعة المنسية، يتوهمون أنفسهم ملوكا وأباطرة لمجرد أن هناك من هو أدنى منهم. وكان أمثال هؤلاء الممارسين هم الذين لا يصير لهم شأن قط. وقد قابل عشرات الآلاف منهم حرفيا طوال حياته. سيواصلون الثرثرة حتى تجف حلوقهم، ولم تكن لديه نية لإيقافهم.
بل إنهم سيتوقفون بطريقة أخرى، مهما يكن. لذلك تجاهلهم جميعا، ومشى ببطء نحو المنطقة الواقعة في الوسط، حيث كانت الصخور الناتئة مختبئة خلف حجاب محمر رقيق. وما إن رآه حتى عرفه. فانفتحت ذكرياته كأن صاعقة شقت السماء، وأجبرته على التذكر. لم يكن على الأرجح في الأحياء من يستطيع التعرف إلى هذه الرونيات. بل حتى في الماضي السحيق، لم يكن عدد القادرين على ذلك يتجاوز عشرة، ولم يكن بينهم سوى اثنين يستطيعان قراءتها أيضا.
ذلك أن الرونيات لم تكن مستمدة من لغة أو كتابة قديمة. لا، لقد كانت من صنعه هو. لغة مركبة متعددة الطبقات، ابتكرها في مطلع شبابه. لم تكن فعالة على نحو خاص، ولا جيدة حتى، لكنها كانت لغته، وقد استخدمها في صنع مصفوفاته وتشكيلاته الأولى. مد يده ولمس سطحها بطرف إصبعه. فاندفعت نحوه دفعات من الطاقة العدائية، كأنها تريد التهامه، لكن خاطرا واحدا منه هدأها. تماما كما حدث في الدهليز، فقد تعرفت روحه إليه.
تنهد، ثم تقدم وعبرها. ومع أنه هو من صنعها، لم يكن يعرف حقا ما الذي يوجد فيها أو من يكون. لقد صنعها هدية وداع لرفيقته الأولى في الداو قبل أن يصعد. كانت عاجزة عن اللحاق به، بعدما استنفدت مواهبها قبل ذلك بقرون طويلة. لذلك ترك لها هذه المصفوفة، لتبقي جسدها الفاني زمنا طويلا جدا، ولتنتظر عودته، حيث سيعيد تشكيلها من جديد. لكنه لم يعد قط. أما إن كانت قد انتظرته، وكم من الوقت انتظرت...
فلم يكن يستطيع أن يعرف. وربما، فكر في نفسه وهو يعبر، كانت هناك الآن، بعدما انتظرت طوال هذه المدة. غمرته برودة وهو يتقدم، وتغير منظر العالم مرة أخرى. راحت حجارة الخراب تهدر وتتحرك، وقد تحررت من قيودها، وأخذت تشيد ببطء معبدا ثابتا. كان طويلا وعريضا، تتكئ بوابته المقوسة على أعمدة من حجر رمادي داكن. وأحاطت به مروج خضراء، نثرت فيها عشوائيا أحواض من الورد والزنبق، وهما مفضلتاها.
اجتاحه حزن غريب وهو يتجه نحو المدخل. لقد نسي معظم ذكرياتهما معا. فقد مرت منذ ذلك الحين سنوات لا تحصى، وكان قد عرف تسع رفيقات في الداو بعدها. لكنه الآن، وقد عاد إلى هنا، راحت بعض تلك الذكريات المتحجرة تستيقظ من جديد. كان قد عرض عليها أن يبقى، لكنها طلبت منه أن يرحل. عبر المدخل، فدخل قاعة باردة إلى حد ما، وكانت القاعة الوحيدة في المعبد. كانت فسيحة وخالية تماما من الزينة، جدرانها قديمة متصدعة، ونوافذها تصنع تيارا خفيفا من الهواء.
وفي وسطها بنية ملتفة من طاقة التشي، تصعد ثم تهبط حول شيء غريب غائم الملامح. وكلما اقترب، اتضحت تفاصيله أكثر، لكنه لم يستطع رؤيته كاملا إلا حين وقف تحته مباشرة. كان كرة. والأدق أنه كان كرة روح. اسم فخم لأداة عديمة النفع إلى حد كبير، أو عديمة النفع فيما يخص الممارسة على الأقل. انخفض تعبير لونغ تاو كثيرا وهو يحدق فيها، وتسلل التردد إلى عينيه. وكادت أصابعه تتلوى في مكانها، بينما احتدمت في داخله معركة حول ما إذا كان سيمد يده أم لا.
تنهد مرة أخرى، وأخذ نفسا عميقا، وأغمض عينيه لحظة، ثم مد يده. وكما حدث مع الحاجز في الخارج، اندفعت الطاقة العدائية نحوه لحظة، قبل أن يضع شيئا من روحه في أطراف أصابعه. ثم تراجعت كصياد فقد اهتمامه بفريسته. قبض على الكرة في راحة يده وانتزعها. وما إن فعل حتى انهارت دوامة التشي المدارية واختفت في العدم. ولأنه كان يتوقع ذلك، تجاهله، فقد كان بصره معلقا بالكرة الملساء المصنوعة من معادن مشبعة بالطاقة.
كانت كرة الروح أثرا عتيقا، أقدم من لونغ تاو بعدة أجيال، وبحكم قدمها لم يستخدمها، على حد علمه، أحد من ذوي الشأن. ربما استخدمها ممارسون منخفضو المستوى لا خيار آخر لديهم، لكن أحدا مهما لم يستخدمها قط. وهي، على الأقل في هذه الأنحاء، كانت ذات شأن. أخذ يقلبها بين أصابعه لحظة، متحسسا سطحها البارد والخشن إلى حد ما. وبدأ بريقها المخضر يتلوى ويتحرك، فضغط إبهامه عليها، فتشقق سطحها كما لو كانت بيضة.
أعماه انفجار من الضوء لحظة، لكنه ظل يرى ستارا أبيض ينبثق ويتوهج. وبدأت آلاف النقاط المضيئة تتقارب، كأن نجما يجذبها إلى داخله، حتى شكلت هيئة. هيئة مألوفة حد الألم، كان قد نسي وجهها، لكنه ما إن رآها من جديد حتى بدا كأن شيئا لم يتغير طوال السنوات التي لا تحصى منذ آخر لقاء بينهما. شعرها الأسود الطويل المجعد، الذي كانت تشتكي منه طوال الوقت لكنها لم تقصه قط لأنها تعرف أنه يحبه.
عيناها الخضراوان اللامعتان المرصعتان بالجواهر. وجهها البيضاوي ذو الخدين الغائرين إلى حد ما، من أثر سوء التغذية في طفولتها. وتلك الابتسامة...
"مرحبا، يا حبيبي."
كان صوتها، وكان مطرقة حطمت سدا من ذكرياته، فأيقظت كل ما ظل خامدا طوال تلك السنين.
"حان وقت عودتك."