الفصل 110 آثار تتلاشى (2)
أتعلمون، لم يدر بخلدي إلا حين وجدت نفسي تائهاً وسط الحشود المتجمهرة في الساحة الرئيسية للمدينة، أن هذه هي مرتي الأولى وحيداً. هكذا، وحيداً تماماً. شعرت طوال الوقت بوجود شخص قريب، أو من يمكنني محادثته إن اضطررت، لكن الآن... أنا وحدي أعني أن الصبية على بعد ثلاث دقائق، لكن رغم ذلك. إنه شعور جديد، هذا مؤكد. شعور لست مرتاحاً إليه بالكامل. أعلم أنه لا منطق في الأمر، لكنني أشعر بأمان أكبر لوجودهم حولني.
ليس عبثاً، أولئك الصبية وُحوش بحق. ثم هناك لونغ تاو. بوجوده، لا أشعر قط بأن العالم يتداعى. حتى عندما كان يتداعى حرفياً هناك في الطائفة. وبمناسبة الحديث عن الطائفة، وقفت هنا لنحو سبعين ثانية وما سمعت أقل من مئة شخص يتناقلون الشائعات عنها. غير أن الشائعة ليست من النوع الذي... توقعته. لم يكن الأمر متعلقاً بتعرض الطائفة للهجوم بمقدار ما تعلق بالعمود الذي قضى على الجميع—صحيح تماماً، يُقال إن الوادي بأسره حيث كانت تقبع الطائفة بات الآن هضبة مسطحة بلا حَيّ يرفل في الجوار.
وذلك، إلى جانب شائعات ما بعد الكارثة—إذ يُقال إن عدداً غير قليل من الأراضي المقدسة فقد صوابه (إذ أرسلوا أمهر تلامذتهم في رحلة استكشافية) وهم يعربدون في الأرجاء باحثين عمن يلقون باللوم عليه. هكذا باتت طائفة شمس النار المسكينة الهدف الأساسي بحكم أنها من أوقد الفتنة. وبحسب الشائعات، زالت الطائفة—لكن، ويا للغروب، تمكن سيد الطائفة فعلاً من الهرب وهو مختبئ الآن. ويُقال إن مكافأة ضخمة رُصدت لرسه—خمسون ألف حجر متوسط الدرجة.
حتى بالنسبة إليّ ليس هذا مبلغاً هيناً، فما بالكم بعامة العالم. عثرت في النهاية على حانة صغيرة قابعة بين فندقين واختبأت في زاوية نائية منها لأحتسي شرابي.
طلبت ما سمعت رجلاً آخر يطلبه فحسب—«بايل»—وعليّ أن أقرر...
إنه ليس سيئاً. مرّ إلى أبعد حدود المرارة، حتى أشد من البيرة الداكنة على الأرض، لكنني بطريقة ما استمتعت بلسعته وقوته. إنه أفضل بلا شك من أي مشروب كحولي قدمته الطائفة، ويا للعجب، فالمحتاج لا يملك ترف الاختيار. أرهفت سمعي لأتابع المحادثات الدائرة بالجوار، لكن أغلبها كان عادياً—باستثناء نفر غير قليل أتى على ذكر هجمات قطاع الطرق.
لم يدر أحد لمَ حدثت هذه الطفرة المفاجئة ولا من هم قطاع الطرق أنفسهم، لذا بدا أن أسطورة «الآثار القديمة»
لم تنتشر بعد. ينبغي أن يجعل العثور على شخص يعلم أمرها أمراً يسيراً نسبياً، على الأقل... إن وجد أمثال هكذا أشخاص من الأساس. هكذا قضيت نصف يومي أتفقد المتاجر حول الساحة الرئيسية، وأستمع إلى مهذرة الناس، مستخدماً عيني الصانع أحياناً على أمل أن أصادف وحشاً آخر. ويا للأسف، تبدو الظروف في الطائفة استنائية نوعاً ما، إذ لا يملك أغلب هؤلاء حتى موهبة تذكر. كان الأمر منطقياً—فهذه في الأصل مدينة للبشر العاديين.
وإن وُجد ممارسون، فسيكونون أقلية ولن يتناولوا الشراب علناً ويثرثرون مع رفاقهم.
قررت العودة قبيل المساء، متجاوزاً عدداً لا بأس به من الشحاذين في طريقي نحو الحي «الصامت»
في المدينة.
عرفت عنه القليل اليوم، وتحديداً أنه يدعى «قرية الرواقيين»
وأنه مقصد الفقراء والمرضى والمارقين. هكذا تعلمون، الجنة بعينها. تلك الطبيعة المزرية، والنوافذ الموصدة، والعيون المتربصة من خلف شقوق الألواح... كان الأمر مألوفاً بعض الشيء في الواقع. ذكرني بديترويت في منتصف التسعينيات. قرر والداي أخذي في رحلة عبر البلاد، وبطريقة ما، انتهى بنا المطاف بالمرور عبر الجانب الشرقي. لم يكن هادئاً، ليس تماماً، بل كان... فارغاً بالأحرى. كانت البيوت مهجورة حرفياً، وممتلكات أهلها داخلها؛
ولا أحد يمشي في الشارع؛ لم يكن هناك سوى... لا شيء سوى عيون فضولية تختلس النظر من خلف شقوق الخشب. كرهت ذلك حينها، وأكرهه الآن. أطلقت زفرة ارتياح حين رأيت أنهم جميعا عادوا قبلي حتى—كانوا جالسين حول الطاولة يأكلون ويتحدثون في أمر ما حين اقتحمت الغرفة، مما دفعهم لتحيتي. حتى لونغ تاو حياني! بإيماءة رأس، لكن رغم ذلك...
قال: "أهلاً بعودتك، يا سيد!"
قلت وأنا أنتقي إحدى الوسائد وأجلس: "همم. لقد عدتم جميعاً في موعدكم أيضا. هل آذاكم أحد بسوء؟"
أومأ داي شيو: "قليلاً. لكن الأخ الأصغر طردهم جميعاً، هي هي!"
الطرد ليس تلطيفاً لكلمة قتل، أليس كذلك؟
ابتسم باحتشام وحك رأسه: "معظمهم سكارى يا سيد، أعماهم الههيان وأطلقوا كلمات غير لائقة بحق أخواتي."
أوه. صحيح. لقد نسيت أمر ذلك حقاً.
لا أعد داي شيو أو لايت «فتيات»، فضلاً عن «نساء».
بالنسبة إليّ فهما مجرد طفلين غريبين حقاً ربما بمقدورهما قتلي ببزاقهما، لكن، نعم... هناك وحوش هنا كما في كل مكان، لذا جدر بنا توخي الحذر في القادم من الأيام.
"أتعلمتم شيئاً؟"
"آه