نظام الزراعة: نسخة الشيوخ الفصل 106 — غابة خشب الروح (الرابعة)

اقرأ نظام الزراعة: نسخة الشيوخ الفصل 106 — غابة خشب الروح (الرابعة) باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل 106 بستان خشب الروح (4)

منذ تلميح لونغ تاو غير الخفيّ بتاتاً، إن صحّ التعبير، صرتُ أحمل قدراً من... الريبة. كنتُ أقفز عند كلّ ظلّ --ولا ظلال كثيرة وسط حقول العشب وتحت لهيب شمس المساء اللافحة-- وأرتجف عند كلّ صوت، متوقّعاً دوماً أن يسوء أمر ما. وكما يغلب أن يحجار في الحياة، ما إن بدأتُ أسترخي وأظنّ أنّها مجرد ريبة شيخ عجوز طاعن، حتّى وقع المحتوم. بلغنا نهراً أخيراً، وإلى جانبه جسر، ممّا دلّ على أننا على مقربة من بعض العمران على الأرجح.

وعلى الضفة الأخرى، كثفت الأشجار عودها. لم تكن غابةً بعد، لا، بل كفت وكفَتْ لتستر خلفها بشراً، كما تبيّن. توقّفنا برهة عند ضفة النهر وتطهرنا قبل أن نعبر المنشأة الخشبية. وما إن وطئت أقدامنا الضفة الأخرى، حتّى التئمت خمسة ظلال في أشكال هيئات أحاطت بنا، وكلّها مسلّحة بنصول أو فؤوس أو خناجر، ومتلفعة بالعباءات واللثام. على الرغم من ميلي لنوبات الهلع، بقيت ثابتاً بالقدر الكافي لأستعمل عيون الصانع التي صدف أنها تضمّ خمس شحنات الآن، على الجميع وأطلق تنهيدة راحة.

كانوا ضعفاء جميعاً. أشبه بضعف مراحل تكثيف الرويح المتأخرة إلى الوسطى وبالكواد. بل إن زعيمهم لم يبلغ سوى المرحلة العاشرة وحدها. تنازلوا عن بضائعكم تعيشوا، وقاوموا تموتوا. هه، امتلكوا جملة افتتاحية شبه رائعة على الأقل. لكان الأمر مخيفاً أكثر لو كانوا مخيفين هم أنفسهم، تعلمون، على أرض الواقع. ليت، اذهبي أنتِ. لم أكن أنا من أمر فتاةً ذات ستة أعوام بالخروج وقتال ثلة من الرجال الأشداء وامرأة واحدة، بل لونغ تاو.

لم أظفر حتى بفرصة الاعتراض قبل أن تبرز الفتاة الصغيرة من بين الصفوف، وتفرقع مفاصل أصابعها، وبابتسامة غريبة على محياها وهي تسلّ سيفاً. مهلاً. متى وأين حصلتِ على سيف بحق الجحيم؟! لم تنبس ببسة وانقضت فوراً، فبلغت الشخص الأقصى يساراً بسرعة أرعبتني حقاً. لم تكن صدمتي بقرب صدمة ذلك الملثم، إذ بالكاد تبين ما جرى قبل أن يغرز سيف في قلبه. لم يفق أي من الأربعة الآخرين بينما واصلت حملتها، متخذة اتجاه عقارب الساعة لتقتل وكأن الأمر أطبع الأشياء في الوجود.

طالما شكّل مستواها موضع... هه، دعنا نقول التباساً عندي. تقنياً، وبحسب النظام، كانت في المرحلة الثالثة من عالم تكثيف الرويح لا غير. أقصد، كانت ابنة ستة أعوام، وهو أمر استثنائي بحد ذاته. لكن قوّتها بلغت ذروة عالم تكثيف الرويح بفضل جسدها الفريد وسلالتها. ولا سيما بعد ولادتها الجديدة حين غدت اللعنة منحة. أغامر بالحدس أنّه لو أتيحت لها طائفة يسيرة من الخبرة القتالية، لربما تفوقت على شي تشاو بقوة.

مع ذلك، ولأجل اللصوص... كفاهم ما حدث. رغم أنني... قلق بعض الشيء. أقصد إن كان لصوص العوام وغوغاؤهم يلامسون ذروة عالم تكثيف الرويح هكذا، فما بال المنظمين منهم؟ أيرتفع المعيار حقاً إلى حد يضاهي اللصوص تلاميذ الطوائف تقريباً؟ ثمة ما يعبق برائحة مريبة هنا. أبقوه حياً! بالكاد صرخت حتى طعنت آخر اللصوص، وأقواهم شكيمة. كظت غيظها واكتفت بإطاحة الفأس من يده، مع أنّه لم يبد الكثير من الاحتجاج.

بانت عينا الرجل مصدومتين حتى العظم، وكان يرجح أنه يندم على كل قرار اتخذه في حياته. أنتما الثلاثة، اعدما جثث الموتى دفناً، قلت. لونغ تاو، رافقني. وبينما كنت أفرّغ مهمة دفن الجثث المقيتة في أعناق الأطفال، وثمة خلل ما بي حقاً لكوني أنقاد للتيار هكذا هذه الأيام، صحبت الشيخ العجوز ومعي اللصوص الأسير صوب صف الأشجار وتحت الظلال. أخرجت حبلاً من الخاتم المكاني وربطته بأحد الجذوع، وإن بدا الأمر مبالغاً فيه على الأرجح، إذ بدا عاجزاً تماماً عن مجرد نسج فكرة الهرب.

أريدك أن تعذبه؟ سالني لونغ تاو، وبدا شغوفاً... بالأمر تماماً. أود لمرة واحدة أن تحسب حساب أفكارك قبل التفوه بها علانية، رددت عليه وأنا أطلق تنهيدة مطولة، ثم انحنيت لأكشف اللثام عن وجه الرجل. بدا في منتصف الثلاثينيات من عمره، مع أن العيون أكدت أن عمره اثنان وثلاثون فعلاً. سيناريو نادر يبدو فيه المرء أكبر سناً ممّا هو عليه في عالم الزراعة. امتلك شعراً أسود قصيراً وعينين بلون الشفق.

من حيث المظهر، كان عادياً تماماً. أعني لا تميزه طامة ولا ميزة. وإن برز شيء، فندبة غريبة عند الصدغ الأيسر على هيئة صليب، بأحد خطيه بنصف طول الآخر. بدا متعمداً... أكثر مما ينبغي ليكون وليد الصدفة. ما اسمك؟ سألت. تنقلت عيناه من العدم إليّ، ولا يزال الخوف راسخاً في أحشائه بعمق. يحق لك مناداتي بالسيد الساحر، قهقه لونغ تاو وهو يعوي نحوه باقتضاب. وهذا أمامي تلميذي، السيد الحاجب المقرون.

لا حاجة لي بحاجب مقرون— لم يسأل أحد، قاطعته. إذن، قل لي، ما بال شخص بمهارتك يسلب المارة العابرين في رحلة بريئة؟ وأنا أعني مهارته بحق، فقد كشف النظام أن موهبته بلغت ذروة عالم البشر، بما يكفي وحدها للولوج إلى طائفة مثل طائفة سيف الروح. م... م... من... من أنتم، من أنتم يا بشر؟ تلجلج، واهتزت شفتاه. قلت لتوي. مارة عابرين، بل نحن تجار في الواقع. ألهذا السبب هاجمتمونا؟ لأننا نبدو كالتجار الأحقاء؟

هه، ظننت أننا سنضطر لشراء خيول وعربات لنحبك الدور تماماً. التفتّ إلى لونغ تاو. تمتلك فعلاً وجه تاجر طماع يبيع أمه خصيصاً للمكسب. رمقته بنظرة للحظة قبل أن أحول انتباهي نحو الأسير. يا الهول، لم يطق الشيخ العجوز خسارة رهان قط، سواء في نزال أو في نكتة. هذه الندبة، أو الوشم، قلت، وأنا أضغط بإبعدي على هيئة الصليب. علامَ تدل؟ إلى أي جماعة تنتمي؟ ولِمَ تهاجمون البشر في قفر من الأرض؟

أ... أنا... أتعطش؟ أخرجت قربة ماء من الخاتم ونزعت غطاءها، ووضعفتها على شفتي الرجل فجرع جرعات وبدا أنه استرخى قليلاً. أستقتلني؟ أَعني... غالباً. وحتى لو أردت ذلك، فليس ثمة سيل يدعني يترك هذا الرجل طليقاً على قيد الحياة برعاية لونغ تاو. لا ينبغي لك طرح سؤال أستقتلني، قال لونغ تاو من الجانب. بل كيف؟ وهذا رهن بك وحدك تماماً. همم. أتعلمون، يمتلك لونغ تاو بعض خصال الأشرار الجميلة.

لعلّه لم يكن بطل رواية في حياته السابقة بل شريراً حقيقياً؟ ولعلّ هذا سبب انعدام أي سجلات عنه؟ لأنه سلب ونهب وقتل واختطف أي امرأة واتته، وأراد العالم طمسه من الوجود ومحوه من الذاكرة؟... همم. لِمَ سرت في جسدي قشعريرة فجأة؟ لا. حسناً، قد لا أكون أعدل حكيم طباع، لكن كل ما استخلصته من لونغ تاو حتى اللحظة يوحي بشخصية مأساوية أقرب منها إلى الشرير. أعني، نعم، يمتلك شططات، ولكن تباً، شاهدت للتو طفلةً بعمر السادسة تطعن أربعة بشر بدم بارد.

أنا أرحب بالشططات. على أي حال، بدا التحذير مجدياً، وأرخى الرجل شفتيه أخيراً. لسنا لصوصاً، قال. نحن... نحن تلاميذ طائفة من الشرق. بدأ كل هذا حين بلغتنا أنباء الكنز الدفين في غابة الروح الأبدية...