تعلو صيحات القتال وتصرخ حناجر اليأس حول بوابة الشياطين المتوهجة. ينير ضوء البوابة المجزرة الدائرة في محيطها بحدة. يطفو العشرات من محاربي شعب البحر في تشكيل يائس بينما تنهال عليهم جموع الشياطين بلا رادع. ترتسم نظرات الخوف وانعدام الأمل على وجوه البقاء جميعاً. يهتف أحد أفراد شعب البحر المكلومين من داخل التشكيل: "لماذا ظهرت زمرة من الشياطين؟ لم يسبق أن خرج سوى شيطان أو اثنين من أي بوابة، لا مجموعة كاملة. أهذا مصيرنا؟". يهز اهتزاز خفيف الماء من حولهم، لكن أحداً منهم لا يلاحظه. تمر دقيقة ويسقط محارب آخر من الصف المقدم للتشكيل. يتحول الاهتزاز الغافل إلى رجفة إيقاعية. تشتت الحركات العشوائية للمياه أنظار الشياطين ومحاربي شعب البحر على حد سواء حول تشكيلهم المتهالك. ينتبه الطرفان أخيراً إلى محيطهما بينما يبرز كيان ضخم من الظلام. تزداد كل رجفة أسوأ من سابقتها بينما يدفع الصوت المصمّ الطرفين إلى التراجع. يقترب الشكل الهائل الخارج من الظلام بسرعة من الطرفين المتحاربين. وبخطوة أخيرة يتبعها أثر مدمر يهز النفوس، يتوقف العملاق بجانب البوابة. وكأنه أمر صادر من السماء، تهوي ذراع العملاق المصنوعة من الجرانيت بين الطرفين لتفصل بينهما. وقبل أن يستجيب أي من الطرفين، تصطدم الذراع الضخمة بالشياطين. تقضي الضربة فوراً على الشياطين جميعاً بلا استثناء، وتطرحهم على بعد مئات الأمتار من البوابة. يهز صوت العملاق الساذج المجلجل تشكيل شعب البحر ليخرجه من ذهوله قائلاً: "حسنًا، لقد افترقت العناصر الصغرى بسلام. لا ينبغي لكم اللعب بخشونة هكذا". يسارع ميرك ومحارب آخر من شعب البحر للسباحة نزولاً من على كتفه نحو بقية المحاربين. تمتلئ نظراتهما بالغضب وهما تفحصان ساحة المعركة. ينادي ميرك قائد شعب البحر: "سيدي، ستحمد العقبى لوصولنا في الوقت المناسب!". يراقب قائد محاط بدرع من المرجان الذهبي، وتبدو عليه علامات القلق، الكشافة القادمين والعملاق الشاهق من خلفهم. يسأل القائد بصوت متعب وهو يرمق العملاق الساكن بيقظة: "هل لك أن تفسر ما يحدث، أيها الكشّاف؟". يدرك ميرك حالة القائد المنهكة فيسارع بالشرح: "سيدي، كُلفنا بحراسة بوابة الجرف الخاملة، لكنها نشطت فجأة وخرج منها شيطان. لم ننجُ إلا لأن هذا الكيان الخيِّر أنقذنا". ترتسم نظرة شك على وجه القائد وهو يسأل: "ولماذا يُقدم على إنقاذكم؟". يستطرد ميرك بصوت يتبدد تدريجياً مع كل كلمة: "حسنًا، لقد سقط فوق الشيطان وسحقه عن طريق الخطأ، لكنني أظن أنه لا يعلم أنه قتل الشيطان..."، يتحول تعبير القائد من الشك إلى الحيرة، وقبل أن يطلب من ميرك توضيح الأمر، يملأ صوت العملاق المجلجل المكان: "آه، يبدو أن العناصر الكبرى قد قررت أخذ قسط من النوم بدل مواصلة اللعب". يطلق ميرك ضحكة متوترة لدى سماعه هذيان العملاق وهو يقول: "قائد، مخلوق الصخور هذا غريب بعض الشيء، ولا فكرة لديه عمّا يفعله هنا، لكن ما أخبرتك به ليس الجزء الأكثر صدمة. لقد دمر المخلوق بوابة الجرف ووافق على مساعدتنا في تدمير البوابات الأخرى!". ينتقل وجه القائد المتعب إلى حالة من عدم التصديق قبل أن يستبدل بها تدريجياً تعبيرًا جادًا: "إن كان هذا صحيحًا فلا تزال لدينا فرصة". يسأل ميرك: "ماذا تقصد؟". يجيب القائد: "حسنًا، ممّا استنتجته من نشاط بوابة الجرف المفاجئ والتدفق الهائل للشياطين من بوابتنا، يتضح أن الشياطين تغزو بكامل قوتها. أخشى أن تكون البوابات الأخرى في وضع أسوأ بكثير من وضعنا". يستولي الذعر على قلب ميرك بينما يستطرد القائد: "الآن، ستكون بوابة المدينة بخير لأننا سيطرنا عليها، لكننا بحاجة ماسة لتعزيز البوابات الأخرى سريعًا. أيها الكشّاف، ليس لدرينا متسع من الوقت. اذهب سريعًا واطلب من وحش الصخور إغلاق البوابة. سأثق بما قلته الآن لأننا نفقت الوقت والخيارات". تشتعل شارة العزم في عيني ميرك وهو يسبح باتجاه وجه العملاق الهائل. يرتسم تعبير معقد على وجه العملاق وهو يراقب اقتراب محارب شعب البحر: "كل هذه العناصر بالغة الصغر؛ فرأسي وحدها تفوق أجسامهم بأضعاف. بدأ القلق يتسلل إلى نفسي بأن إخوتي القدامى قد رحلوا جميعاً، لكن لماذا تركوك ورائهم؟ لا أحب البقاء وحيداً، فالوحدة ليست ممتعة". على بعد أمتار معدودة من وجه العملاق المُرعب، يتوسل ميرك: "أرجوك أغلق كل البوابات، فلم يعد لدينا ملجأ سواك". تشرق ابتسامة لطيفة من بين تعبيرات العملاق المعقدة وهو يقول: "لا تقلق أيها العنصر الصغير، سأدمر الأنوار. لا أطيق الظلام، لكني سفعله إن كان ذلك يسعدك". ومع رد العملاق، يعود بعض الدفء إلى جسد ميرك المُنهك. بلا إضاعة ثانية، يخطو العملاق خطوة نحو البوابة ويضع يده المصنوعة من الجرانيت برفق على سطحها. تبدو قوة كأنها تحاول سحب يده عبر البوابة، لكن العملاق يقطب جبينه فحسب ويقول: "لست متأكداً إلى أي مكان ملتوٍ تؤدي هذه، لكن شيئاً ما في جوهرها يبدو خاطئاً. حسنًا، لا بأس في ذلك على أي حال". وبدفعة صغيرة، تنحني البوابة الواقعة تحت يد العملاق وتنطوي على نفسها قبل أن تختفي. يحدق جنود شعب البحر في ذهول أمام هذا الحدث غير المسبوق. تشتعل حماسة نارية في عيني القائد وهو يملي نظراته على شكل العملاق الذي يتلاشى ظلامه بسرعة. ودون إتاحة أي فرصة للجنود لاستيعاب الأمر، ينحني العملاق ويحمل برفق جميع جنود شعب البحر، أحياءً وأمواتاً، في كفه ليضعهم على كتفه. "أين البوابة التالية، فأنا أكره المكوث في الظلام طويلاً؟". يلتفت ميرك على كتف العملاق نحو القائد الذي يكتفي بإيماءة موافقة. يقول ميرك بلا تردد: "من هذا الاتجاه"، بينما يعود العملاق لاستئناف مسيره المدمر. يقتربان في غضون دقائق من البوابة التالية، وهي في وضع مشابه. ودون إبطاء، يدفع العملاق الشياطين بعيداً "برفق" بينما يضع المزيد من جنود شعب البحر على كتفه. يسارع القائد بشرح الموقف للجنود، لكن قبل أن ينهي كلامه، تفلت من شفاه الجنود شهقات صدمة بينما يسحق العملاق البوابة ليلف الظلام المكان. تمرين الساعات والعملاق يقترب من البوابة الأخيرة المجاورة للجرف في الجهة المقابلة للمحيط. يتمسك المئات من جنود شعب البحر بكتفيه في حالة ذهول وهم يداوون جراحهم ويجمعون الجنود الساقطين. وضع هذه البوابة مطابق لغيرها، وإن قلّ عدد الباقين من شعب البحر فيها. بينما يسحق العملاق البوابة الأخيرة، يتجمع جنود شعب البحر أمامه. يتقدم ميرك في المقدمة ويهتف: "لقد فعلناها، لقد أوقفنا أولئك الشياطين اللعينين وكل هذا بفضل، ولا أعلم كيف يمكننا رد الجميل". ينزاح بصر العملاق من جنود شعب البحر نحو الجرف ليقول: "لا بأس، أنا سعيد لأنني استطعت المساعدة. لم يسبق لأحد أن طلب مساعدتي، فشكركم يكفي؛ لكن حان وقت رحيلي، أتمنى لك التوفيق أيها العنصر الضئيل". تومض نظرات الحيرة على وجوه جنود شعب البحر بينما يلوح لهم العملاق، الذي يناهز طوله المئة متر، بيده المصنوعة من الجرانيت. ستتردد أصداء أحداث اليوم الصادمة في ثقافة شعب البحر بأسرها، وهم يتناقلون حكايات وحش الصخور الشرس الذي سحق أعداءهم أجمعين. وكلما شعر أطفالهم بالخوار، سيعلمون يقيناً أن حاميهم يرابط في الخارج. يلقي العملاق نظرة أخييرة على شعب البحر قبل أن يستدير مواجهاً الجرف. يقول وهو يغرس قدمه في جانب الجرف: "سأفتقد أولئك العناصر الصغار". وبكسر الثغرات في جانب الجرف، ينجح في التسلق تدريجياً نحو السطح. "لم أتمكن من العثور على أي من عناصر الماء القديمة، أظن أنني وحدي. وحدي تماماً..."، ينسج حزن عميق خيوطه في جسد العملاق المصنوع من الجرانيت الأبيض. وحين يقترب من السطح، تخترق أشعة النور الظلام. "قد أكون وحيداً، لكني ما زلت أحتفظ بحلمي. يحزنني عدم قدرتي على الاجتماع بالآخرين، لكني يجب أن أمضي قدماً. لقد مُنحت فرصة لأصبح ما حلمت به دوماً ولن أهدرها. سأطارد النور الكامن في قلبي". بشدة أخيرة، يخترق سطح الماء ليتدثر بدفء ضوء الشمس. تمتلئ عيناه بالمشهد الأخضر الماثل أمامه ليؤكد: "هذه مجرد بداية". وبينما يستعد لخطوته التالية، يظهر إشعار فجأة أمامه لتفلت تنهيدة خافتة من شفتيه الحجريتين: "دائماً ما يأتي في أسوأ اللحظات".
عابر المحيط
لقب مُنح له لأنه سار عبر أعمق جزء من قاع المحيط.
حلم العملاق
استوفيت المتطلبات... جار التطور.
زمن الإتمام
ألف عام.
قبل أن يخطو خطوته الأولى على القارة الخضراء، يهوي العملاق في سبات عميق. يرتطم جسده الغرانيتي الهائل بالأرض ارتطاماً عنيفاً. يسقط على وجهه في الرمال، فيُدفن جزء من جسده. لا يبقى مكشوفاً إلا أسفل ظهره وساقاه. يبرز رمح زيكشو الأسطوري، الذي لا يزال مغروساً في قدم العملاق، بوضوح من الأرض.