مضى نصف عام في سلام. تبدلت الفصول، وصارت الليالي الباردة صقيعاً قارساً. خمدت الطبيعة ودخلت سباتها السنوي. تتسكع أوراق الشجر البنية على الأرض، كأطفال تائهين ضلوا طريق العودة إلى ديارهم.
وجهة نظر زون: مضى نصف عام منذ انضم دوكين إليّ فوق قمة هذا الجبل. يبدو الأمر وكأنه وصل بالأمس فقط. قد يبدو نصف العام زمناً طويلاً للبعض، لكنه لا يعني لي شيئاً. كم سنة انتظرت؟ مئتي عام؟ ربما أكثر؟ من يدري. توقفت عن العد بعد المئتين الأولى. يبدو كأن كول سيستيقظ في أي لحظة. ألتفت أحياناً لأحدق في مركز القمم، منتظراً أن تنفتح عيناه الجرانيتيتان الضخمتان، لكنني أعلم أنه لن يستيقظ.
ليس الآن على الأقل. أشعر بذلك في الهواء. طنين من القوة ينمو تدريجياً مع مرور كل عام. يبدو أن كول ينمو عاماً بعد عام. لا يظهر منه سوى رأسه، لكن بطريقة نموه هذه، أتوقع أن حجمه النهائي سيفوق ضعف حجمه الأصلي. أؤمن أن كول سيخرج من سباته العميق بعد مئة عام تقريباً، أو ربما أكثر قليلاً. مجرد التفكير في مقدار الوقت الذي أمضيته على قمة هذا الجبل يجعلني أرتجف. لم أقترب من الأرض منذ تسلقنا هذا الجبل المنعزل لأول مرة.
أفضل تشبيه لنفسي، بعد العيش هنا لمئات السنين، هو ذاك الناسك الحكيم. أعيش فوق قمة جبل وأقدم المشورة للحجاج الذين يتسلقونه. للأسف، لم يتسلق أحد هذا الجبل، أو حتى حاول، باستثناء دوكين. كما لا أعتقد أنني سأقابل أحداً من بني جنسي مجدداً، ليس بعد الكارثة التي غيرت هذا العالم. لا يزال الدمار والقوة المطلقة التي شهدتها يتركانني في ذهول. قوة مطلقة لم أستطع قط... يجب أن أكف عن التفكير في مثل هذه المواضيع الكئيبة.
لا يسعني إلا أن أتساءل لمَ انضممت إلى كول في رحلته بهذه السهولة والطواعية، أو حتى لمَ قطعت ذلك العهد. هل كان حماس الشباب هو ما دفعني لفعل شيء جنوني دون تفكير سليم؟ لم أكن شاباً حين التقيت كول لأول مرة، لكن مقارنة بعمري الآن، كنت طفلاً حقاً. لا أندم على القرارات التي اتخذتها وأدت بي إلى هذه النقطة. لو كان عليّ اختيار كلمة واحدة تلخص سبب انضمامي لكول، فستكون الوحدة.
كنت عجوزاً تجاوز ذروة عطائه، بلا عائلة ولا وريث ولا تلاميذ. كنت مشهوراً بالطبع، لكن هوسي بالرمح عزلني عن العالم. لم أحاول يوماً صنع صديق أو إيجاد زوجة، كنت أتدرب كل يوم. حين بدأ جسدي يخذلني، قررت التقاعد. كنت قانعاً بقضاء أيامي الأخيرة بجانب الرمح؛ فقد قررت تكريس حياتي له منذ كنت شاباً، ولم أكن لأتراجع عن ذلك القرار. كنت عجوزاً قانعاً، لكنني في نهاية المطاف كنت لا أزال وحيداً.
كان شعوري بضمور جسدي يوماً بعد يوم، مع قدوم الشيخوخة، يزيدني وحدة. حين نهض كول من ذلك الشاطئ وتسامق في السماء، شعرت بالخوف، لكنني لم أستطع التخلي عن الرمح. كان قرار طلب مرافقته جنونياً، لكنني كنت يائساً. لم أكن أعرف هذا الكائن الغريب، ومع ذلك قررت اتباعه. حاولت في البداية معاملته رسمياً، لكن حين بنى لي منزلي الجديد، الذي لا أزال أستخدمه اليوم، بدأت أراه بصورة مختلفة.
لم يكن ذاك الكائن النبيل المتغطرس الذي ظننته في البدء، بل كائناً عطوفاً ومحباً. ومع تمضيتنا الوقت معاً، لاحظت تشابهاً بيننا. النظرة ذاتها التي نحملها، واحدة على وجهه الجرانيتي العملاق وأخرى على وجهي العجوز. نظرة الوحدة ذاتها. بدا منعزلاً ووحيداً، تماماً كما كنت حينها. وبينما كنا نتحدث، كنت أشعر بأنه يهتم لأمري بصدق. وبدافع الوحدة التي شعرت بها وفرصة امتلاك صديق حقيقي لأول مرة، قطعت العهد.
شعرت كأن قوة خفية تدفعني لقطعه، لكن القرار ظل قراري في النهاية. حين أعطاني الرمح، قررت اتباعه للأبد. كان هدفي الوحيد في الحياة الحصول على الرمح، وبه، لم تعد لدي أي أهداف. تحدث عن طموحاته ورغباته. وحتى إن كان وحيداً، كان لا يزال يملك غاية. ولأنه أنجز غايتي، قررت لنفسي غاية جديدة. غايتي هي مساعدته على تحقيق رغباته وأحلامه. من العدل أن أساعده كما ساعدني. أعرف الآن أنه يجب عليه اكتساب الألقاب، وسأساعده في ذلك.
حين خلد إلى النوم، قررت تحسين قوتي. لم أرد أن أكون عبئاً، بل عوناً، ولأفعل ذلك، كان عليّ التدرب بجدية أكثر من أي وقت مضى. كان الزمن في صفي، فبدأت التدرب بصرامة كل يوم. حين بلغ جسدي ذروته، دربت عقلي. راقبت العالم من حولي ودرست ألغازه. بعد مئات السنين من مراقبة الطبيعة، حصلت على بصيرة في خبايا هذا العالم. ومتسلحاً بهذه البصيرة، بدأت التأمل. أراقب الطبيعة والقوة التي تشع منها تلقائياً.
بدأت امتصاص هذه الطاقة غير المرئية. أتأمل أياماً طوالاً، أنمي قوتي ببطء شديد مع مرور كل عام. هذه القوة ليست مما ينبغي لكائن فانٍ أن يدركه. استغرقني الأمر مئات السنين لاكتشافها، وأكثر من ذلك للبدء في صقلها. كان غيري سيموت منذ زمن بعيد بسبب الشيخوخة. منحتني هذه القوة فرصة، فرصة أن أكون قادراً أخيراً على مساعدة كول في تحقيق حلمه.