اندفعت راهبة من أحد المطابخ المجاورة. جالت بنظرتها على المقعد المقلوب والخضار المتناثرة ثم الدماء على لوح التقطيع.
قالت: "باسم الملِك، ما الذي حدث هنا؟ أهناك مصاب؟"
قالت كلارا: "إنها الليدي هلينا. جرحت يدها. بدا عميقاً. حاولت مساعدتها لكنها فرت هاربة".
قالت الراهبة وضعت يداً على صدرها: "يا للهول. ليس مجدداً".
قالت كلارا: "مجدداً؟"
قالت الراهبة وهي تسارع بالخروج قبل أن تستفسر كلارا عن أي شيء آخر: "تلك المسكينة ترهق نفسها في العمل مهما حذرناها. سأذهب لأبحث عنها".
ظهرت راهبة ثانية في المدخل بعد لحظة وقد ابيضّت كمّاتها بالدقيق. تفحّصت الغرفة ونقرت بلسانها فرمقت المبتدئات بنظرة حارقة.
قالت: "ألم في المعاصم مجدداً؟ أم صداع ربما؟"
لم يجب أحد.
"الليدي هلينا ليست بغلتكم. لا تصغي إلينا حين نأمرها بتهدئة وتيرتها لكن كان حريّاً بكم ألا تدَعوها تؤدي أعمالكم. انهين هذا، وإن سمعت مجدداً أنها تحمل نصيب إحداكن فسأبعثكن مباشرة إلى المسؤول. وانتبهن لسكاكنكن أرجوكن".
تبادلت المبتدئات نظرات قلقة وشرعن في العمل فوراً كأن أمراضهن قد شُفيت بمعجزة. أعدت كلارا مقعدها وجلست مجدداً وأخذت نفساً عميقاً. عادت يداها إلى العمل من تلقاء نفسيهما لكن عقلها كان في مكان آخر. قيّمي الموقف. انظري إلى الأدلة. جرح عميق كهذا وكل ما همّ هلينا كان الجزر؟ وماذا عن الندوب المتقاطعة على ذراعها الشاحبة؟ بدت منتظمة أكثر من أن تكون نتيجة حوادث عشوائية كحاذثة اليوم.
'ستسطع الليدي هلينا أكثر من أي منا'. هذا ما قاله ليوفريك. أمن المعقول أنها تتعرض للتعذيب وربما من الكنيسة أيضاً مثلما حدث مع ستيلا؟ وأن بطريقة ما اكتشف أشخاص داخل المؤامرة أنها قديسة محتملة فحاولوا تشكيلها لغاياتهم؟ ومع ذلك بدت الراهبة للتو مهتمة لأمرها بصدق. وهلينا ليست يتيمة نكرة بل هي ابنة بارون. أكان البارون روزوود ليظل صامتاً بينما يحدث هذا لابنته؟ ولم التعذيب أصلاً؟
لا بد أن هناك طرقاً أخرى لغرس الولاء. تساءلت كلارا إن كان الأمير لوكلان على علم بالندوب. لا تزال هناك متغيرات أكثر من أن تسمح بقول أي شيء على يقين ولن تفيد التكهنات الجامحة أحداً. على حد علم كلارا قد يكون الأمر حالة إيذاء للنفس أو إساءة معاملة من شخص عومل أمره بالفعل مثل تلك القصص التي تبدأ فيها البطلة معذبة على يد خادمتها. ثم كانت تلك الدفعة. كان سحراً واضحاً لكن هلينا لم تكن تمسك عصا سحرية أو ترتدي خاتماً حتى ولم يكن هناك تعويذة فكيف حدث هذا؟
شيء واحد كان مؤكداً: أرادت كلارا معرفة المزيد. ليس فقط بسبب الخطر الذي تمثله المؤامرة عليها أو لمساعدة الدوق فون رينيا وأيريس بل ببساطة لأن هناك فتاة صغيرة قد تحتاج للمساعدة وأرادت كلارا مدّ يدها قبل أن يفرّ الاحتمال بعيداً. ولكن مجدداً لم تستطع نسيان أن هناك احتمالاً ليس بالهين أن تكون الفتاة نوعاً من الطغاة المهووسين بالسيطرة أو العابرين لعوالم أخرى أو كليهما.
مضى بقية اليوم في ضباب وتوجّهت كلارا بخطى مثقلة إلى غرفتها الجديدة ورأسها يؤلمها من كثرة الأسئلة التي بلا جواب. سألت راهبتين مختلفتين عن هلينا خلال الظهيرة وفي المرتين شُكرت على اهتمامها وأُخبرت بأن الفتاة ترتاح. نظرت كلارا عبر شق النافذة. لو كنت في ويستويك الآن فما كنت فاعلة؟ يا للهول لم يمر وقت طويل على فراقنا لكنني... يا له من شعور غريب. لم تغرب الشمس تماماً ومع ذلك أغواها النوم مبكراً ربما لتنال بعض الراحة قبل ظهور البومة.
في اللحظة التي همّت فيها بتبديل ثيابها إلى ثياب النوم طُرق بابها بخفة. فتحت كلارا الباب وكان على الجانب الآخر هلينا روزوود ممسكة بمصباح بيدها اليمنى. سقط الضوء على النصف الأسفل من وجهها كاشفاً عن ابتسامة عريضة ذات الابتسامة التي كانت لها في المطبخ وعند أحواض الغسيل كأن شيئاً لم يكن على الإطلاق. كانت يدها اليسرى ملفوفة بضمادة مرتبة.
قالت: "مساء الخير كلارا. أرجو ألا أكون مزعجة".
لم تستطع كلارا رؤية عيني هلينا في الظلام لكن صوتها حمل الدفء المعتاد.
قالت كلارا: "الليدي هلينا. كيف حالك؟ أتحسنت يدك؟"
"أه نجل، لم يكن الأمر شيئاً يذكر. أثارت الأخت مارسيا ضجة وغسلته أربعة مرات ولفته بنفسها ثم جلست معي طوال العشاء للتأكد من أنني أكلت جيداً".
رفعت هلينا يدها اليسرى وحركت أصابعها.
"بصراحة أنا ممتنة فقط لأنني لم أضطر لإهدار وقت المعالجين. إنهم دائماً مشغولون بمساعدة أهل القرية".
راقبتها كلارا بحذر.
"أرى هذا. يسعدني أنك تشعرين بتحسن. ماذا يمكنني أن أفعل لك؟"
"أنا فقط... أردت الاعتذار كلارا. على دفعك هكذا. لا أدري ما الذي انتابني. أكنت خائفة؟ أتمنى حقاً ألا تكوني قد أُذيت".
"أنا بخير ولم أُصب بأذى أو شيء من هذا القبيل. تفاجأت فحسب. لم يكن عليك مجيء كل هذه المسافة للاعتذار بينما يجب عليك الراحة".
"كل هذه المسافة؟ لا فنحن جارات الآن كلارا".
أشارت هلينا إلى الباب في الطرف الآخر من الممر.
"أرأيت؟ غرفتي هناك مباشرة. كنت متحمسة للغاية حين سمعت أنه تم نقلكم إلى الأعلى".
قالت كلارا بعد صمت: "إن كان الأمر كذلك فأشكرك على الاطمئنان عليّ الليدي هلينا. رغم أنني يجب أن أقول إنني قلقة عليك أنت أكثر. تلك الندوب على..."
"هذه الأشياء الصغيرة؟"
استمرت هلينا في الابتسام.
"ذكرت أنني كنت عليلة وأنا صغيرة أليس كذلك؟ حسناً جاءت تلك العلامات من العلاج الذي شفاني. لم تعد تؤلم أو شيئاً من هذا القبيل واليوم لا أستطيع أن أكون أكثر امتناناً للطريق الذي رسمه الملِك لي".
"أي نوع من العلاج يترك هذا العدد من الندوب؟"
قالت هلينا: "كان عملية طويلة. لكني بحسنة الآن حقاً لذا لا داعي لأن تقلقي بشأن ماضٍ بعيد. في الواقع سأكون ممتنة لو لم تذكري هذا لأحد آخر أيضاً فما كنت لأرغب في إزعاجهم".
لم تقتنع كلارا لكنها أدركت بوضوح أنها لن تحصل على أي شيء آخر من هلينا في الوقت الحالي على الأقل. لم تُبنَ إليسيا في يوم واحد كما يقال. على الأرجح.
"حسناً. إن شعرت يوماً برغبة في الحديث عن الأمر أو أردت تفريغ ما في قلبك فبابي هنا مباشرة يا جارتي. ويمكنك دائماً اللجوء إليّ في ويستويك أيضاً".
ضحكت هلينا بخفة.
"شكراً لك يا جارتي. أه! وهناك سبب آخر لقدومي. قلت إنكِ أردتِ رؤية المكتبة وقد أنهيتِ مهامك لليوم أليس كذلك؟ ولم يعطوني أي عمل إضافي أيضاً. أترغبين في الذهاب إلى هناك الآن؟"
ألقت كلارا نظرة إلى سريرها. أعتقد أنني سأنام حين أغادر من هنا.
"تقدمي الطريق".
نزلتا إلى الطبقات السفلى متجاوزتين غرف الغسيل وعبر صف من الأعمدة المقوسة التي تؤدي إلى برج الساعة. كان مصباح هلينا يتأرجح بلطف مع كل خطوة وتتمدد ظلالهما وتتقلص على الأعمال الحجرية أثناء مسيرهما.
"المقاعد الأمامية. نعم. احملي الاثنين هنا والأربعة هناك".
جاء الصوت الأجش من ركن مظلم في الفناء عن يسارهما.
قالت هلينا: "تلك الأم راديغوند!"
تبعت الفتاة الصوت وكشف مصباحها قريباً عن الأم راديغوند جالسة على مقعد وبها دفتر على حجرها وقلم رصاص في يدها. كيف يمكنها الكتابة هكذا؟ لا أرى عصا أو خاتماً عليها هي الأخرى أيضاً.
قالت هلينا وهي تضع المصباح على المقعد: "لا ينبغي لك الخروج متأخرة هكذا يا أمي".
لكن راديغوند لم تنظر إليها بل ثبتت عينيها الضبابيتين على دفترها.
"يا للهول سيصاب هذا بالخيبة! ها ها!"
أمسكت هلينا بيدي راديغوند.
"ما عساي أفعل معك يا أمي؟ تائهة في الأفكار دائماً. أتريدين مني إعادتك للداخل؟"
واجهتها راديغوند واستنشقت الهواء.
"إن لم تكن هلينا. همم. لقد تحركت. اقتربت من قلبك الآن أيتها العزيزة. أتشعرين بأي اختلاف؟"
أهذا مرتبط بـ'الخط' الذي ذكرته راديغوند؟
قالت هلينا: "أخبرتك أنني بخير يا أمي. افتقدتك حقاً. كانت هذه الزيارة مزدحمة جداً لدرجة أننا لم نقضِ وقتاً معاً كما اعتادنا".
"ليس منا أحد بخير إن فكرت في الأمر. سيأتي الملِك لأجلنا جميعاً في وقته".
رفعت راديغوند ذراعها وأشارت إلى مكان ما.
"تعرفين كنتِ تختبئين خلف ذلك العمود وأنت صغيرة. ظننتِ أنني لن أجدك ثم كنت تبكين حين أجدك".
نفخت هلينا وجنتيها.
"لم أكن أفعل!"
"بلا فعلتِ تماماً. والآن دعيني وشأني يا بنيّة. لقد صدرت القائمة وهو يوم الحساب. لدي الكثير من العمل لأقوم به. يمكننا استرجاع الذكريات حين يدفع الجميع ما عليهم. واعتني بنفسك! تحتاجين لأكل المزيد. ولكن ليس العصيدة".
ترددت هلينا لكنها استسلمت في النهاية وتركت العجوز وشأنها وتجهتا نحو برج الساعة. لم تجد كلارا صعوبة في دفع الباب المزدوج مما يعني إما أن البرغ مفتوح للجميع أو أن الحديد كافٍ. كانت المكتبة غرفة خشبية طويلة ذات مستويين مفتوحين ومملوءة بمكاتب طويلة على الجانب الأيسر وصفوف من رفوف الكتب على الجانب الأيمن. بالكاد سمحت الشقوق الصغيرة بمرور ضوء القمر لكن المصابيح أنارت الغرفة لتتيح الجلوس والقراءة.
ليس وكأن هناك الكثير من الناس هنا فباستثناء الاثنتين لم يكن هناك سوى حفنة من المبتدئات. أي حماس شعرت به كلارا لدى العثور على المكان تبدد وهي تتصفح رفوف الكتب. كانت مليئة بمجموعات خطب ومجلات بحثية في الزراعة والطب وتاريخ أركاديا والدول المجاورة وقسم صغير للقصص... إنه نفس نوع النصوص التي تجدها في مكتبة كلافيس. ربما يوجد المزيد في جزء مختلف. أو ربما هذه ليست المكتبة الوحيدة هنا.
مع ذلك لم ترد كلارا أن تبدو مثيرة للريبة بنظر هلينا فسحبت مجلداً عن التعاويذ السحرية وجلست. انضمت إليها هلينا بعد وقت قصير حاملة ديوان شعر. بعد فصول قليلة وضعت كلارا كتابها جانباً.
"الليدي هلينا هذه مجموعة رائعة لكنني كنت أتساءل عما إن كان هناك شيء أكثر تفصيلاً. جعلتني دروس الأب أنشيتا فضولية وأود التعرف على القديسات السابقات وقراءة روايات أولية عن المعجزات وما شابه. أليست دراسة أسلافنا أمراً مثيراً للاهتمام؟"
"همم".
لم ترفع هلينا رأسها فوراً. وحين فعلت اتجهت عيناها نحو باب ضيق في أقصى الطرف العلوي.
"أعتقد أن سجلات كهذه ستكون في الأرشيف هناك. الأمر فقط هو... حسنناً لا أعتقد أنك مسموح لك بالدخلول كلارا. إنه مخصص لكبار النساخ في الغالب".
تعلقت عينا كلارا بالباب ثم بالمفتاح الذهبي المستقر على رداء هلينا.
"لكن إن كان هناك شيء محدد تبحثين عنه فيمكنك سؤال الأب أنشيتا فقد رأيته هناك من قبل لذا قد يملك الإجابات التي تبحثين عنها أيضاً. أه ويمكنني دائماً الذهاب للتحقق نيابة عنك! هذا أقل ما يمكنني فعله من أجل صديقة!"
إذن يملك الأب أنشيتا حق الوصول إليه. هذا يعني أن المفاتيح الفضية تعمل.
"هذا عرض لطيف الليدي هلينا. سأعلمك إن أردت يوماً قبول مساعدتك فيه".
دندنَت هيلينا ترنيمة وهما عائدتان من المكتبة، والمصباح يتأرجح بينهما. وأمعنت كلارا الانتباه في كل خطوة، ترسم خريطة ذهنية لتعثر على طريق العودة وحدها بلا هيلينا إن احتاجت. وعندما بلغتا الممر حيث تقع حجراتهما، وقفت أخت دينية خارج باب كلارا.
فقالت المرأة: "أيتها السيدة كاسويل، حضورك مطلوب".
فرمقت كلارا السماء شديدة السواد عبر النافذة الضيقة في نهاية الممر.
وقالت: "الآن أيتها الأخت؟ كنت أمل في نيل بعض النوم".
"أخشى أنه أمر عاجل".
"موعد غرامي في منتصف الليل، يا له من أمر مثير!"
ولوحت هيلينا لكلارا تشجيعاً.
"ليلة سعيدة يا جارتي. أراك غداً".
ثم اختفت داخل حجرتها، وأغلقت الباب خلفها. وقادت الأخت كلارا صعوداً على درج البرج الخلفي المألوف، إلى الغرفة حيث كان الأب أنشييتا يعطي دروسه. وظنت كلارا في البداية أنه ربما توجد محاضرة ليلية استثنائية، لكن الكاهن لم يكن في أي مكان، ولم توجد داخل الغرفة سوى إبريق شاي، وفنجانين، وطبق مكوم بكرات صغيرة ذهبية اللون، وما زالت ينبعث منها بخار خفيف. جلست كلارا وانتظرت مدة لابد أنها بلغت نصف ساعة على الأقل، لكن أحداً لم يأتِ.
وقرطنت معدتها متأثرة بالرائحة الغنية الشهية المنبعثة من الطعام. لا، من وقحة الأكل قبل وصول ضيفك، حدثت نفسها. لكن بعد عشر دقائق أخرى، نقضت اعتراضها بنفسها وجربت واحدة. كانت طيبة — عجينة مقلية من الخارج، وجبن سائل من الداخل. وليس فيها ما يستدعي ذكره للوطن، لكنها قطعاً أفضل من عصيدة الشوفان. وكان الأسقف ديكتون سيهيم بهذه الأشياء. وكانت تتناول كرة الجبن الثالثة حين سمعت أصواتاً في الخارج.
"نعم، الوعاء في انتظارك بالداخل".
"شكرا لك يا كورنيليا. يمكنك الانصراف لهذه الليلة. اعلمي أنني أقدر كل ما تفعلينه لأجلنا، ويحزنني أننا لم نستطع تلبية رغبتك. اختار المجلس إعطاء الأولوية للأقدمية كما ترين. ربما في المرة القادمة".
ثم سمعت خطوات، وانفتح الباب. وكانت المرأة التي دخلت عجوزاً وقصيرة، ترتدي ثياباً داكنة بلون الفحم مع خيوط بيضاء رفيعة عند الأساور. وشعرها المقصوص خفيف وأغبر، ومفروق بعناية في المنتصف، وبدت تجاعيد حول عينيها الخضراوين. وتتدلى من عنقها مفتاح ذهبي، مما يعني افتراضاً أن هذه المرأة شخصية مهمة ضمن التسلسل الهرمي للكنيسة. نهضت كلارا.
فقالت المرأة وهي تلوح بيدها بينما جلست في المقعد الآخر: "اجلسي. أنت الشابة التي وقفت في قاعة محكمة علنية وأعلنت خطأ بركة الحقيقة للمملكة بأسرها، أليس كذلك؟"
شدّت كلارا يديها حول مسند الذراع، وأومأت ببطء.
"قولي لي، ما الذي يمنحك الحق في التشكيك في تقاليد امتدت قروناً برأيك؟ ألديك أدنى فكرة عن كم الصداع الذي سببه ذلك؟ إلى ما ترين أنه سيؤول إليه العالم لو كان لكل شخص رأيه الخاص في الأسقُف المقدسة، حتى حين يتعارض مع العقيدة الرسمية؟ ألا توجد حتى سبب واحد يمنع إرسال المفاتيح المحجوبة للتعامل معك بعد مراسم التقديس؟"
تلعثمت كلارا قائلة: "أنا، كل ما قصدته هو أن..."
"البركة تستطيع، أحياناً..."
ضحكت المرأة. وكان صوتاً جافاً ترددت أصداؤه داخل الغرفة الصغيرة.
"اغفري لي المزحة. يجد المرء في منصبي تسلية حيثما استطاع".
وسكبت لنفسها شايًا دون أن تعرض سكب شاي كلارا.
"يجب أن تتطور الكنيسة مع العصور، ولا يمكنني أن أحقد على أي شخص يبذل قصارى جهده لتحسينها، مع أن المحقق الأكبر يستطيع قطعاً. استغرق الأمر ثلاثة اجتماعات كاملة للمجلس المسكوني لتهدئة فالنتيا. وكأن لدي هذا النوع من الوقت لأضيعه!"
زال التوتر عن كتفي كلارا، وإن لم يزل كلياً.
"وأنت من؟"
"أنا إيميليا، الكاردينال الرئيسة ورئيسة الخدمة المقدسة".
قالت كلارا: "إنه لشرف، يا صاحب النيافة".
هذا أعلى حتى مما ظننت — إذن فهي نظيرة المحقق الأكبر. لم أكن أتوقع ذلك من مدى تواضع ثيابها.
"نعم، نعم. والآن، لنستمتع ببعض الطعام — لست عادة ممن يخلطون بين العمل والوجبات، لكني لم آكل منذ صباح اليوم. لا ألومك على البدء دوني، لكنه لمؤسف، إذ فاتتك نصف اللغز".
سحبت إبريق طين صغيراً من داخل ثوبها ووضعته على الطاولة بصوت مكتوم، ثم نزعت الغطاء. وانتشر في الغرفة عطر حلو زهري.
"أهذا عسل؟"
"بالحقيقة. من الخلايا التي أربيها في البستان. أُعجب بالنحل كما ترين، لأسباب منها أنه لا يكتب مراسلات ولا التماسات".
غمست إيميليا إحدى كرات الجبن في الإبريق وأكلتها كاملة. وفعلت كلارا المثل، وكانت الوجبة الخفيفة أفضل بكثير حقاً بفضل حلاوة العسل الممتزجة بالجبن المالح. أكلت الكاردينال الرئيسة واحدة أخرى، ثم لحست العسل عن إبهامها.
وقالت وهي تمسح أصابعها بقطعة قماش: "والآن، لنشرع في العمل، إذ الوقت متأخر ولدي مسائل كثيرة جداً لأعتني بها غداً. تلقى المجلس المسكوني طلب الأب أنشييتا لإعادة صياغة تصريحك. وفي ظل قربنا الشديد من التقديس، وجدت من الأبسط أن أحضر شخصياً وأحسم هذا مباشرة، لكي لا يتورط في البيروقراطية. لا تصدقين حجم صراع المجلس حول ترتيب المقاعد. لم ننتهِ منها إلا اليوم، بعد أسابيع من المشاحنات. يصر البابا على ضرورة أن يكون كل شيء مثالياً".
تنهدت الكاردينال الرئيسة، وتعاطفت معها كلارا. وتبين أن حياة موظف بيروقراطي مرهق هنا تبدو شبيهة بتلك التي عاشتها في عالمها.
تلت إيميليا: "تنزلت علي دفء الملكة، وغمرتني سعادة خالصة وأنا أسمع كلماتها عن الحب والرعاية لي وللمؤمنين".
"تلك كانت الصياغة التي اقترحتها قداستها. أخبريني بوضوح، أيتها السيدة كاسويل: ما هي المشكلات المحددة لديك معها؟ ولنركز على الجانب العملي منها. لست هنا لمناقشة اللاهوت".
استقامت كلارا في جلستها. يمكنني التعامل مع هذا.
"مشكلتي الكبرى هي أنني لم أسمع الملكة حقاً. شعرت بالدفء، نعم، لكنها لم تحدثني، ولن أصفها بتجربة مفعمة بالسعادة. كانت بصراحة تميل إلى الكآبة قليلاً".
"لا".
كان رفض إيميليا فورياً.
"لا يمكنك أبداً القول إنها كانت كآبة — هذا أمر مستبعد. أأحسست بأي راحة؟"
"نعم، لقد فعلت".
وكان ذلك صحيحاً بالقدر الكافي.
"جيد جداً. إذن ما رأيك لو استبدلنا بـ «سعادة خالصة» كلمة «راحة»، ثم غيرنا النهاية إلى «شعرت بحبها ورعاية لي وللمؤمنين»؟"
امم. فكرت كلارا في الأمر.
سيجعل ذلك التصريح بأسره: "تنزلت علي دفء الملكة، وغمرتني راحة وأنا أشعر بحبها ورعاية لي وللمؤمنين".
وما زال لا يتطابق تماماً مع ما شعرته، لكنه لم يكن كذباً، بمعناه الدقيق. ويمكنها الموافقة هنا وترك المسألة تُحسم. وبعد الأخذ والرد، كانت الكاردينال الرئيسة أكثر عقلانية بكثير مما توقعت. لكن إن فعلت كلارا ذلك، فلن تكون محامية صالحة للغاية. كانت كنيسة الملكة منظمة ذات ثلاثة فروع — الخدمة المقدسة الرعوية، ورهبنة إيلوين العسكرية، والتفتيش المقدس. ولن تهتم رهبنة إيلوين على الأرجح بإصلاحات كلارا المخطط لها، وستعترض عليها المحاكمات بلا شك مهماً يكن، إذ كانت تجرد المحققين من قاعة المحكمة وتستبدل بهم مدعين عامين.
لكن لم تكن المحاكمات هي التي تمتلك آذان الناس. ولم تكن المحاكمات هي التي تلقي خطب العظات من كل منبر في أاركاديا، والتي يمكن أن تحرك الجماهير — أو أعضاء البرلمان — نحو الفعل. كانت تلك الخدمة المقدسة، وكل كهنتها وأساقفتها وأخواتها. وقد حضرت رئيسة تلك المنظمة، الكاردينال الرئيسة بنفسها، طوال الطريق إلى هنا في منتصف الليل لمناقشة تصريح كلارا. إنهن بحاجة إلى مساعدتي لجعل المعجزة تبدو مثالية، مما يعني أنه يمكنني محاسبتهن على ذلك.
لقد حان الوقت لتتعلم الكنيسة أن ساعات عمل المستشار الأول القابلة للفوتر ليست رخيصة.