كانت عربية الكنيسة عملية ولا تشبه البتة تلك المركبات الفخمة التي تستخدمها عائلة فون رينيا أو عائلة دي براغانسا. بدا طلاؤها الخارجي أسود ونظيفاً، ولا يزيّنه سوى مفتاحين ذهبيين متقاطعن مطبوعين على كل باب، بينما غطّيت مقاعدها بجلد قرمزي مهترئ.
قال كونراد وهو يجلس مقابلها ويطالعها بابتسامة ماكرة: "من وجهك العبوس، قد يظن المرء أنك متوجهة إلى الإعدام لا إلى خلوة دينية".
حسناً، نعم، فهي لست مسرورة بالعزلة، ناهيك عن «العمل الإضافي»
الذي ذكره الدوق. ولكن بغض النظر عن ذلك، سرّها أن كونراد بات يشعر بالارتياح الكافي لمزاحها.
"من يدري، فمع حظي قد يتحول أي احتكاك بالكنيسة إلى هلاكي بسهولة".
ضحك كونراد بخفة، ثم أدار نظره نحو الريف الذي داهمهما الظلام عبر النافذة. ببطء، عاد وجهه ليقسوا بعبوس مألوف يبعث على الاطمئنان. أخيراً، وبعد أن غربت الشمس تماماً، تراجعت الأشجار على جانبي الطريق وظهر الشاطئ الشرقي لبحيرة إيلوين أمامهما. مالت كلارا نحو النافذة وتابعت عيناها ممراً حجرية طويلاً يمتد من الشاطئ إلى داخل البحيرة بمحاذاة سطح الماء تقريباً. وهناك، عند نهاية ذلك الممر، كانت سان ميشيل.
كانت جزيرة وجبلاً وحصناً في آن واحد، ترتفع من البحيرة كرأس رمح. وتشبثت قرية بقاعدتها بينما ومضت مصابيحها مع حلول الليل، وارتفعت الأسوار من فوق القرية. طبقات عديدة منها، كل واحدة أسمك من سابقة، مع أبراج دائرية شُيدت على مسافات منتظمة. وخلفها ما يمكن وصفه حصراً بمزيج بين قلعة ودير، مع برج دقيق يخترق السماء بعلوّ شاهق. توقعت هذا المشهد وجهزت نفسها له، بل أعدت سيلاً من الشكاوي لتلقيها على مسمع الملكة وكاتب معيّن بشأن افتقارهما للإبداع.
ومع ذلك، وحالما وجدت نفسها هنا، لم تستطع إلا الإعجاب به.
قال كونراد: "سيبدأ المد قريباً. لو تأخرنا لغمر الماء الممر. أراهن أنهم ضبطوا موعد وصولنا بدقة".
"مدّ؟ ظننتها بحيرة".
"تتصل بالبحر عبر نهر، وتستخدم الكنيسة سحر المياه لضبط مناسيب المياه. عندما يأتي المد، لا تخضع الوزارة المقدسة لأحد سوى الملكة. هذا ما يقولونه على الأقل، ويبدو لي عرضاً استعراضياً بلا داع".
ارتجت العربية وهي تقتحم الممر، واستغرق الأمر عدة دقائق للوصول إلى الطرف الآخر. ترجلا في باحة صغيرة تواجه بوابة الحصن الخارجية، وكان في انتظارهما ثلاث نساء يرتدين ثياباً رمادية وفاتح شعر يرتدي ثوباً بنياً مع وشاح أحمر. حملت اثنتان من النساء فانوسين، وأمسك الفتى بصندوق صغير. اقتربت المرأة الثالثة، وهي الكبرى سناً. كان شعرها أحمر فاتحاً، وتميز ثوبها بحواف ذهبية على عكس بقية رفقاتها.
وتدلى عقد يضم مفتاحاً فضياً على صدرها، بينما استقرت عيناها الخضراوان الباردتان على كلارا.
قالت: "الآنسة كلارا كاسويل. أنا الأم كورنيليا، حارسة سان ميشيل".
والتفتت إلى كونراد.
"وأنت من تكون؟ لم يُخبرنا أحد بأن السفينة ستصل برفقة".
تقدّم كونراد قبل أن تتمكن كلارا من الرد.
"أنا كونراد فون رينيا، وجئت لأرافق صديقة مهمة لعائلتي، رغم أنني لن أقيم هنا. وهي السيدة كاسويل، فارس رتبة المطرقة، وهو لقب منحته إياها جلالة الملك شخصياً. لعل الأخبار لم تصلكم في الوقت المناسب".
تحول تعبير كورنيليا إلى الجدية.
"أؤكد لك أن الوزارة المقدسة تحتفظ بسجلات دقيقة لكل ما يعد مهماً. ومع ذلك، فالألقاب الدنيوية لا تعني شيئاً داخل هذه الجدران، بغض النظر عمن منحها".
انحنت كلارا باحترام محاولةً تجنب إشعال عراك قبل دخولها حتى.
"شكراً لاستقبالنا، أمّنا كورنيليا".
سألت كورنيليا: "قبل أن تجتاز أي روح أبواب سان ميشيل، ثمة شكليات. أيتها السفينة، هل تحملين تصريح دخولك؟"
لا يمكنني القول إني أستمتع بلقب السفينة. أدخلت كلارا يدها في حقيبتها وناولتهما مظروف المفتش العام. قرأت الحارسة الرسالة ببطء، ثم رفعتها نحو فانوس وقلبتها.
"التصريح نظامي. والآن، ستخضعين لبركة الحقيقة، وفقاً للوائح الوزارة. إنها تُطبق على كل ضيف دون استثناء. لا داعي للقلق بشأن أي إزعاج، ما لم يكن لديك ما تخفينه".
تباً. أظن أن هذا هو السبب وراء عجز الدوق عن انتزاع أي شيء من هذا المكان.
قال كونراد: "إنه إجراء روتيني على حد قولك. لا يمكن البتة أن تنوي إخضاع فارس من أركاديا، ناهيك عن حاصلة على معجزة أكدتها قداستها، لاستجواب مطول".
"لا استثناءات. لقد حرست هذه البوابة بصفتي حارسة سان ميشيل لأكثر من عشرين عاماً الآن، ولم أفتحها قط على عجالة".
"همف".
رمق كونراد كلارا بنظرة وأومأ لها برأسه برفق. أشارت الأم كورنيليا إلى الفتى. تقدم إلى الأمام، وهناك تعرفت عليه كلارا: إنه محقق تحت التدريب سبق وساعد وارن في ويستويك. وكان يرتدي مفتاحاً برونزياً حول عنقه.
سألت: "توبياس، يسرني لقاؤك مجدداً. كيف حالك؟ وما الذي تفعلونه هنا؟"
"آنسة... أعني، السيدة كاسويل، يشرفني لقاؤك مجدداً أيضاً".
وبحسب وجهه، بدا أنه لم يتوقع منها تذكره.
"أُرسلت إلى هنا للتدريب بينما كان اللورد وارن خارج البلاد، لذا كنت أساعد في إدارة البركة. إن كنت مستعدة".
لست مستعدة بتاتاً، لكنني لا أظن أن لدي خياراً. بذلت قصارى جهدها للحفاظ على تعبير محايد وأومأت برأسها. تناول كأساً مرصعة بالجواهر من الصندوق، وسكبت إحدى الراهبات الخمر فيها.
هتف توبياس: "في الخمر الحقيقة".
ثم أشرقت الكأس بنور، وناوله إياها. استعدت وشربت. بدا الكحول مخففاً للغاية لدرجة أنه أشبه بعصير العنب. نبض نور ذهبي خافت من صدرها، لكنه بدا مختلفاً هذه المرة، إذ استطاعت إدراك وجود طاقة تتوارى بداخلها حقاً. ربما يكون ذلك عرضاً جانبياً آخراً لقدرتها على استخدام السحر.
قفت الأم كورنيليا خطوة إلى الأمام وقالت: "لقد سرت البركة. كلارا كاسويل، سفينة معجزة الملكة، اكشفي عن روحك لي وأنت تسعين لدخول هذا المكان المقدس. اعترفي: هل طلب منك أحد التجسس على الوزارة المقدسة أو أي جزء آخر أو شخص متعلق بكنيستها؟"
فعلت كلارا ما بوسعها لكبح رغبتها، لكنها عجزت بالطبع عن مقاومة البركة.
"لا".
انتظري، لا؟ ثم تذكرت ما قاله دوق فون رينيا بالفعل.
«أنا لا أطلب منها التجسس. كل ما أريده هو أن تدون ما تراه وتسمعه».
أه، كم أنت داهية. لم تكن تطمئن ضمير إيريس بتاتاً، بل كنت تبني الإجابة التي رغبتَ في أن أدلي بها عند هذه البوابة. رغبت في الضحك.
سألت كورنيليا: "هل طلب منك أحد جمع أي معلومات لصالحهم داخل هذه الجدران؟"
"لا".
الحقيقة مجدداً. لقد طلب منها تدوين وتذكر ما تراه، لكنه لم يذكر شيئاً عن كون ذلك لصالحه، تقنياً. لم يطلب منها تقديم تقارير، وأكد لها أن لديها من الأسباب ما يجعلها ترغب في تطهير المؤامرة بقدر ما لديه.
"هل طلب منك أحد إحضار أي شيء إلى سان ميشيل؟"
"لا".
انتظرت الأم كورنيليا، وبدت شبه خائبة الأمل عندما لم تُجبر البركة كلارا على قول المزيد.
وقبل أن يطرح السؤال التالي، ربما شيئاً أكثر إدانة مثل «أين كنت تنوين الإبلاغ عما ترينه أو تسمعينه؟»
- تدخل كونراد.
"يكفي هذا بالتأكيد، أيتها الأم. لقد نطقت البركة ثلاث مرات، وأذكرك مجدداً بأنها تحمل حظوة الملكة في جسدها، ناهيك عن دعم التاج وعائلة فون رينيا وعائلة ألبيون. هل أبلغ الملك ودوقين أن شخصاً يحظى بدعمهم - ومن اختارت الملكة شخصياً إنقاذها - تخضع لاستجواب مهين في وقت متأخر من المساء، وكل ما تبتغيه هو الحصول على نوم هادئ ليلاً؟ ما العواقب التي ترين أن ذلك قد يخلفها على علاقات الكنيسة المتأصلة أصلاً مع النبلاء؟"
رمقت الأم كورنيليا كونراد، ثم انتقلت بنظراتها إلى كلارا، لتزن الموقف قبل أن تتوصل إلى النتيجة المحتومة.
"انتهى الاستجواب".
نجحت مناورة الدوق. فكل شيء - الطريقة المحددة التي تحدث بها مع كلارا، وإرسال كونراد - خُطط له بعناية كي يتمكن من تهريب شخص تقنياً لا يتجسس لصالحه إلى داخل سان ميشيل. شعرت بشيء من الاستغلال، لكن كان عليها الإقرار ببراعة اللعبة التي لعبها. كم أنت عديم الضمير، أيها الدوق. وكل ما ترجته هو ألا تكون هذه إحدى تلك الحركات التي تتطلب بيدقاً للتضحية. اقتربت الأم كورنيليا من كلارا، ثم أدخلت يدها في ثوبها لتخرج مفتاحاً خشبياً صغيراً مربوطاً بحبل كتاني بسيط.
"ستحتفظين بهذا معك طوال الوقت، وتقدمينه لي كل صباح لإعادة التميمة. إن أخفقت في ذلك، فقد تجدين نفسك محاصرة في ظروف مزعجة للغاية".
وضعته حول عنق كلارا كعقد، ورفعت يدها، وهتفت: "كلافيس إمبلاتور".
شرعت قطعة الكوارتز المثبتة على مقبض المفتاح في التوهج. ماذا يعني هذا؟ أشيء يتعلق بمفتاح يستجيب للأبواب؟ سرعان ما خفت النوار وابتسمت الأم كورنيليا بفتور.
"أهلاً بك في الوزارة المقدسة، آنسة كاسويل. قبل أن توجهي إلى غرفتك، سيتعين عليك ترك أي عصي أو خواتم أو أحجار كريمة بحوزتك هنا عند البوابة. ستُعاد إليك عند مغادرتك".
تلعثمت كلارا. لم يكن البقاء عالقة في أملاك الكنيسة لأسابيع دون الوصول إلى سحرها جزءاً من خطتها، سيما بعد تحذير الدوق. لكنها استسلمت في النهاية، لسبب رئيسي وهو عدم امتلاكها خياراً آخر.
استعدت كلارا لتمرينات مراسم صارمة، أو لأيام طويلة من الصلاة راكعة على الحجر البارد، أو حتى لساعات لا تنتهي في دراسة النصوص المقدسة. بل وهبوها جلباباً وقميصاً داخلياً على طراز المبتدئين، فبدت تماماً كطالبة سلك كهنوتي، باستثناء الحقيبة التي وضعتها فوق زيّها. غير أنّه بدلاً من الدراسة الدينية، وخلال يومها الأول الكامل من العزلة، سُلّمت دلواً وممسحة، ثم زُجَّ بها وسط المبتدئين لتتولى سيلاً لا ينتهي من الأعمال المنزلية الضرورية لإبقاء قلب الكنيسة نابضاً.
"الروح تشبه حجراً قديماً"، هكذا كانت تقول لها الأم كورنيليا كل صباح وهي تعيد تعويذة القلادة.
"تتجمع الأوساخ والغبار في عيوبها الكثيرة. والجهد المبذول في تنظيف الحجر يطهر الروح أيضاً. وحدكِ بالتفكر التام للملكة، مثلي تماماً، تظفرين بنعمتها".
ووجدت كلارا نفسها مكلفة بأداء نوبات عمل يومية إلى جوار مجموعة تضم عشرة مبتدئين يرتدون جلباب تدريب بنيّاً، بينما تراقبهم راهبات يرتدين ثياباً رمادية مكتوفي الأيدي في كل خطوة. لاحظت كلارا أن المبتدئين يضعون جميعهم مفاتيح خشبية حول أعناقهم مثلها، بينما تقلدت الراهبات مفاتيح من حديد أو برونز. شعرت بأن في هذا التفاوت ما يكشف أمرها، وزاد من شعورها بالعري غياب عصاها السحرية.
وكانت هذه المرة الأولى منذ استعادت سحرها التي تنقطع عنه طوال هذه المدة. لم ترَ أحداً يحمل مفتاحاً فضياً بعد، بغض النظر عن الأم كورنيليا. وكل باب في الدير تقريباً وُضع في مقبضهِ حجر كوارتز، وشكت كلارا في ارتباطه بالقلائد بشكل ما، كجزء ربما من تعويذات تقيد حق الوصول إلى أجزاء مونت سان ميشيل. والحقيقة أن أبواب غرف النوم لم تكن تحتوي حتى على أقفال حقيقية، وعدَّت كلارا ذلك دليلاً على أن مقابض الكوارتز تؤدي تلك الوظيفة.
هذا إن تمكنت من اختبار أيٍّ من ذلك وسط تكليفها بشيء أو بآخر طوال ساعات يقظتها. وكانت تلك مشكلة حقاً، فبالتفكير فيما مضى، خلصت كلارا إلى أن الدوق فون رينيا أراد منها حقاً التجسس لصالحه، وصاغ كلامها بالطريقة التي تجعلها تجتاز مباركة الحقيقة عند بوابة الدير. وبالنظر للظروف، لم تكن متأكدة إلى أي حد يجب أن تغضب، ولا إن كان هناك جدوى تذكر من الغضب منه أصلاً. وبدلاً من الاستغراق فيما لا تستطيع فعله، قررت أن تكون عملية.
فحتى إن لم تلتزم بشيء مع الدوق، فلن يضرها معرفة مكان الأرشيف ومحاولة تعلم كيفية عمل هذه المفاتيح، تحسباً لظهور فرصة للحصول على بعض المعلومات. وكما لخّص الأمر ببراعة، فإن جلدها على المحك أيضاً، ولعلّها تفيد نفسها هنا ريثما تجوب إيريس ووارрен أرجاء غرفة اللوردات في الخارج. كان بإمكانها سؤال الراهبات ببساطة عما إذا كانت هناك مكتبة — ولعل الأرشيف جزء منها. إنه لسؤال عادي تماماً، ولا بد أن هناك كتباً عادية هنا يقرأنها لقتل الوقت.
حاولت سؤال الأم كورنيليا، لكن أمينة الدير نهرتها لتعد إلى واجباتها. ولعل كلارا تتمكن من الاستكشاف حالما تحظى ببعض وقت فراغ. سيمنحوني وقت فراغ في نهاية المطاف، أليس كذلك؟ ومع ذلك ولمفاجأتها، لم تمتعض من العمل الشاق كثيراً. لقد كان عملاً أثقل بكثير من فترتها القصيرة خادمةً في منزل آل فون رينيا، لكن غريزة ستيلا خدمت بالقدر نفسه، وكل ما تطلبه الأمر من كلارا هو ترك جسدها يتولى الزمام ومتابعة الإيقاع.
وبينما تذمر المبتدئون الشباب حولها من البثور، انسابت كلارا في حركات قديمة بيسر متمرن. وتساءلت عما سيظنه واررن لو رآها على هذه الحال — أترى يطلق تعليقاً ماكراً بأن التنظيف لا يليق بمنافسته؟ أم لعلها... هزت رأسها وعادت إلى عملها. في المساء، تناولت كلارا طعامها مع المبتدئين في قاعة الطعام الرئيسية. لم يكن الطّعام مميزاً — عصيدة في الغالب — ولكنه ظل مقبولاً، وتمحورت المحادثات حول التكهنات بشأن ترتيب مقاعد مراسم إعلان التقديس.
بدا أن الناس يراهنون على المكان الذي ستجلس فيه الراهبات الكبار والأمهات. وكانت المعركة الأشرس على المكان المرغوب بشدة في الصف الأمامي، حيث يُدعى عضو عادي واحد من رجال الدين للجلوس بجوار المجلس المسكوني. أدرك تماماً سبب احتدامهم على ذلك، إن كان هذا يشبه جدول مقاعد الفعاليات المؤسسية.
وكانت تلك وجهاً آخر من وجوه الشبه بين المجالس الإدارية والفتيات المراهقات — استخدام "من يجلس بجوار من"
لإرسال رسائل مبطنة. فضلت كلارا معرفة من يدير هذه الرهانات، بما أن القمار لم يكن عملاً مقدساً قط حتى في هذا العالم، لكن حين سألت، جاء الرد على شكل جوقة من الضحكات المتوترة وتغيير للموضوع. كان الليل هو الجزء الأسوأ، حين حُشرت كلارا في صندوق أحذية لا يضم سوى شق صغير بنافذة. ومما زاد الطين بلة، وجود بومة تنعق باستمرار في الخارج. وتمنّت لو أن إحدى قطط مونت سان ميشيل الكثيرة المخصصة لصيد الفئران تصطادها، لعلها تنعم ببعض النوم.
في اليوم الثالث رأت هيلينا روزوود. لقد توقعت كلارا بالطبع وجود الفتاة أيضاً في مونت سان ميشيل. فإذا كانت متلقية المعجزة تمتلك استعدادات لتقوم بها، فمن باب أولى أن تمتلك مانحة المعجزة استعدادات أكثر. لكنها لم تتوقع أن تقوم سيدة نبيلة وقديسة مرتقبة بالأعمال الشاقة ذاتها التي تقوم بها. كانت الفتاة في الطرف الأقصى من الرواق الشرقي، برفقة مجموعة أخرى من المبتدئين، تركع وتفرك الحجر بفرشاة.
رُبط شعرها الأشقر العسلي بمنديل خُفيت تحتمه أطرافه البيضاء، وتلطخت يداها برماد رمادي. وحين لمحت كلارا لأول مرة، أشرق وجهها ولوحت بسعادة، كأنهما التقتا في حفلة لا في جلسة تنظيف أرضيات تكفيرية. لوحت كلارا بالمثل وعادت إلى واجباتها، إذ فصلت الراهبات المشرفات بين المجموعتين بمسافة تحول دون الحديث الفعلي. لكنها ظلّت ترقب ومضات هيلينا متى استطاعت خلال الأيام التالية، ظانةً أنها فرصة سانحة لترى إن كانت القديسة المرتقبة تظهر أي علامات على كونها عابرة عوالم.
وما لفت انتباهها هو أن هيلينا روزوود كانت بارعة بشكل ملحوظ في الأعمال الوضيعة، على الرغم من كونها ابنة بارون. ولم يكن ذلك بأسلوب يوحي بأن أحدهم يتظاهر بالتواضع. بل كانت كفؤة وفعالة، وتعمل دون انقطاع. فكلما رأت كلارا إياها عبر فناء أو في ممر، كانت الفتاة تحمل شيئاً، أو تفرك شيئاً، أو تؤدي عموماً مجموعة واسعة من المهام بابتسامة لطيفة دائماً. وكان المبتدئون الآخرون يعشقونها بوضوح، وبدت الراهبات الباردات أكثر دفئاً حين تكون بقربهن.
في اليوم السادس، جمعت بينهما نوبتا العمل أخيراً. كُلّفتا بالمعرض الطويل في الطابق الثاني من القاعة الكبرى. كان ممراً يتردد فيه صدى الأصوات وتصطف على جانبيه نوافذ عالية، ووُكِّل أمر تنظيفه إلى ستة مبتدئين، إضافة إلى كلارا وهيلينا. وما إن صارت قريبة من هيلينا، حتى لفت انتباه كلارا أمر آخر — المفتاح الذهبي المعلق حول عنق الفتاة، وهو يتلألأ تحت الشمس. إذا كانت أمينة الدير تملك مفتاحاً فضياً، وهي من تعوذ المفاتيح، فماذا يعني الذهب؟
وضعت كلارا هذا السؤال في ملف آخذ في الاتساع يضم ألغاز مونت سان ميشيل، وبدأت عملها. مرَّ نحو ساعة على الشروع في العمل حين بدأت الشكاوى المعتادة.
تمتم أحد المبتدئين ضاغطاً بظهر معصمه على جبهته: "لم أعد أشعر بيديّ على الإطلاق. والجو حار جداً".
وأضافت الفتاة التي تليه: "أظن أن الأكتاف أسوأ حالاً. الألم شديد لدرجة تجعلني أوشك على الاستسلام".
بدت شكاوى اليوم مسرحية أكثر من الأيام السابقة، لكن كلارا تجاهلت المبتدئين المتذمرين وواصلت التنظيف. أما هيلينا فلم تفعل.
اقتربت من المبتدئين وهي تمسح يديها بمئزرها وقالت: "يا لكم من مساكين. لا يجب أن تجهدوا أنفسكم إن كنتم لا تشعرون بحال جيدة. اذهبوا واجلسوا قرب النافذة حيث الهواء عليل، ودعوني أتولى أقسامكم. فقد كدت أنتهي من قسمي على أي حال".
"آنسة هيلينا! أمتأكدة أنت؟"
نظرا إليها المبتدئان بعيون متوسلة.
"بالطبع! لا مشكلة البتة. امضيا الآن، واحظيا ببعض الراحة المستحقة".
وانتهى الأمر عند هذا الحد. تمتم الاثنان بشكر لم يبد عليه شعور بالذنب، فانزلت هيلينا دلوها وضاعفت وتيرتها. لربما لم تهتم كلارا كثيراً بالأمر — فلم تكن رقة شخصية تشبه البطلات مفاجأة صادمة — لولا أن التبادل نفسه حرفياً تكرر بعد نصف ساعة مع مبتدئ آخر لديه بثور في راحة يده. بادرت هيلينا بعرض تولي جزئه قبل أن يفلت شكوى من فمه، مصرة على أنه ليس مشكلة. يبدو في الأمر شيء مريب.