46. نبوءة (4)
دعونا نناقش الماضي بإيجاز.
في الفترة التي كان فيها نيت الشاب منغمسًا بالكامل في رحلاته الطهوية، مرّ وقت ركّز فيه بشكل خاص على أطباق المأكولات البحرية.
وخلال إقامته لبضعة أيام في مدينة ساحلية مشهورة بأطباق الروبيان، التقى برجل مسنّ يحمل هالات سوداء تصل إلى ذقنه.
قدّم الرجل نفسه على أنه حامي ديلكروس ، وكان حينها على وشك الانهيار من شدة التعب بسبب القتال ضد خطر هائل يهدد البُعد الذي يحميه.
— يا للهول…
حتى في ذلك الوقت، كان الفتى، الذي امتلك بصرًا روحانيًا فطريًا وقدرًا استثنائيًا من القوى المقدسة، قادرًا على إدراك أن كلمات الرجل العجوز لم تكن مجرد تبجح.
وبكل صدق، تمنى نيت أن تصل مشاعره المتعاطفة إليه، بينما كان يمضغ قطعة روبيان مقلية مقرمشة.
— إذًا ساعدني قليلًا! لا تكتفي بالتظاهر بالاهتمام بالكلام فقط!
— يا للهول…
— أيها الوغد الحقير! هل تظن أنني أفعل هذا لمصلحتي الشخصية؟ أقول لك، البُعد الذي تعيش فيه على حافة الدمار!
المشكلة لم تكن هل سيدمَّر، بل متى.
— إذًا، الأزمة وشيكة. في غضون مئة عام، لا، على الأقل خلال بضعة عقود، ستحل كارثة رهيبة بهذا العالم!
مئة عام إلى بضعة عقود… كانت فترة لا تدخل ضمن نطاق اهتمام نيت
فاكتفى بالإيماء:
— أتمنى لك دوام الصحة، وأن تستمر في العمل من أجل العالم.
— ماذا؟!
برز عِرق واضح على جبهة العجوز.
— أنت الشخص الوحيد الذي يمكنني طلب المساعدة منه في هذه القارة! كل ما أطلبه هو أن تستخدم سلطتي من حين لآخر عند الحاجة!
— أليس من المفترض أنك لا تستطيع استخدام سلطتك بحرية متى ما شئت؟
— لا أطلب منك الكثير، أيها البشري! فقط ساعدني قليلاً، فهمت؟ فقط مدّ لي يد العون! بهذا المعدل، انسَ أمر البُعد، سأموت أنا أولًا!
— حسنًا، انظر، أنا أيضًا من المقرر أن أموت خلال بضع سنوات، لذا…
— كراااااه!
بدا وكأن العجوز سينفث النار من فمه في أي لحظة.
ولكن، بعد عدة سنوات فقط، وقف حارس ديلكروس مذهولًا وهو يرى نيت يركض إليه بنفسه، وجهه شاحب كالموتى.
— سيدي… متى موعد الأزمة التي ستصيب ذلك العالم؟ وماذا ينبغي أن أفعل؟
كان ذلك قبل ولادة "ميلودي" بقليل، فور تلقّيه خبرًا من نقابة المعلومات بأنه أصبح أبًا لثلاثة أطفال آخرين.
***
«أليست هذه هي العدالة على ما حدث آنذاك، أيها العجوز؟»
تحت وطأة اهتزاز عنيف من قِبل أحد قطاع الطرق، فكّر نيت بحزن في ذلك.
كان من الأفضل لو أنه ساعد العجوز المنهك في وقت مبكر.
لو أنه اتخذ موقفًا أكثر إيجابية منذ البداية وسانده، لما كان يتجول بلا هدف، ويقع في الحب بشكل متهور هنا وهناك.
ولكن، في المقابل، لو فعل ذلك، لما التقى بأطفاله.
وعالم لا يحتوي على الأطفال الذين التقاهم بالفعل، لم يعد واردًا في مخيلته.
— أيها الصعلوك! لديك القليل من الجرأة ، ها؟ هل ستظل صامتاً حتى النهاية؟
صرخ الرجل الذي كان يمسكه من ياقته، وقد فقد أعصابه، ثم لوّح بقبضته.
لكن "نيت" أدار الجزء العلوي من جسده بسرعة وبشكل انعكاسي، فتفادى الضربة بصعوبة، ثم استمر في شروده الفكري.
بالمناسبة، ما الذي كان يدور في ذهن ذلك الفتى كايين بحق السماء؟
الطفل بدا وكأنه وُلد بعيون روحية، تمامًا مثله، لكنه لم يتوقع قط أن يخطر بباله فكرة التهام الأرواح.
هل كانت ذكريات الطفولة المبكرة عن الجوع هي السبب؟ أم أن شخصيته انحرفت نتيجة تعرضه للإساءة من قِبل "جيروم"؟ أم أنه تعرض لإصابة خطيرة في رأسه في صغره أفقدته القدرة على التفكير السليم؟
عندما علم لأول مرة أن الطفل يفعل أمرًا كهذا، اشتعل غضبًا حتى أعماقه، لكن عندما أمعن التفكير، أليس كل ذلك خطأه لأنه لم يعثر على الطفل في الوقت المناسب ولم يرعاه كما ينبغي؟
"هاه؟ هل هذا الوغد تَفادى الضربة؟"
رفع أحد قطاع الطرق قبضته الأخرى، لكن "نيت" لفّ جسده حول الياقة التي كانت تُمسك به، ولفّ ساقيه حول عنق الرجل.
لم يكن يملك من الوزن ما يكفي لإسقاطه أرضًا، لكن لحسن الحظ فقد اللص قبضته على رداء "نيت" وانهار جزئيًا محاولًا الاستناد إلى الأرض.
وفي تلك اللحظة الوجيزة، تدحرج نيت بسرعة إلى جانبه، وقف على قدميه، وأوقع اللص الآخر الذي كان واقفًا مذهولًا، وبنفس الزخم، دار وسدّد ركلة إلى فكّ لصٍّ ثالث كان قريبًا.
ـ خخخ! كح كح! ـ
ترنح اللصوص، لكنهم لم يسقطوا تمامًا.
جسد الهومونكولوس كان خفيفًا بشكل مفرط، ولم يكن بإمكانه تجديد طاقته عبر الهالة، مما جعله في ورطة.
كان سيكون الأمر أفضل لو استطاع استخدام الأصفاد كما في السابق.
"ذلك اللعين؟ ليس مجرد سجين عادي، بل خضع لتدريب احترافي!"
"دعونا نهاجمه جميعًا! اقتلوه!"
آآآآآه!
اندفع اللصوص نحوه واحدًا تلو الآخر، لكن "نيت" ظلّ غارقًا في أفكاره.
كان من حسن الحظ أنني شعرت بنذير سوء وجئت على عجل؛ لو كنت انتظرت نتائج تحقيق النقابة، لربما فقدت أثره تمامًا في القرية المحترقة التي اجتاحتها قوة العقاب.
في الوقت الراهن، يبدو أنه ينبغي عليّ أن أجد "كايين" وأجري معه حديثًا صغيرًا.
لقد وضعت حاجزًا على روح الطفل في أسفل الجرف، لذا يمكنني الآن تعقّبه في أي وقت.
ـ سوييش
بينما اندفعت قبضة أحد اللصوص نحوه بقوة مروعة، انحنى "نيت" ليتفاداها، ودار في ذات اللحظة ليسدد ضربة بساقه خلفية أوقعت عنق الرجل على الأرض.
ـ كراك!
رأى رجلًا آخر يندفع من خلفه، فدار بجسده، متفاديًا مروره، ثم استغل الزخم، ودار مجددًا ليسدد ركلة إلى فكّ اللص.
ـ طخ!
كانت الدوران مرهقًا قليلًا، لكنه جمع قواه وسدد ضربته، وهذه المرة شعر بأنها أصابت هدفها.
تحرك ببطء نحو الرجل التالي.
"…هذا الأحمق المجنون!"
"كيف لا يزال يتحرك هكذا رغم تمايله؟"
حقًا، كان الجسد بلا هالة في حالة بالكاد تسمح له بتوجيه ضربة قوية، لكن لحسن الحظ، بعد كل ضربة، كانت القوة السماوية تعيد ترميم جسده بما يكفي لتوجيه أخرى.
بمعنى آخر، لن يسقط "نيت" أثناء القتال. المشكلة فقط أن العملية مرهقة للغاية.
ركض نحو اللص الذي كان عند المدخل، وباستخدام زخم الركض، قفز وسدد ركلة إلى ذقنه.
ـ كح!
لسوء الحظ، كان ينقصه بعض القوة هذه المرة.
ترنح الرجل لكنه لم يسقط، مما أدى إلى إغلاق المدخل، فيما اندفع من خلفه المزيد من الرجال.
قفز "نيت" بسرعة إلى الخلف ووجه ضربة بالرأس إلى ذقن أقرب رجل إليه.
إن لم تنجح الضربة الأولى، فلتُوجَّه عدة ضربات.
***
"لم أتخيل قط أن ينتهي بي المطاف إلى هذا…"
عندما وصل كايين إلى الحظيرة الفارغة، كان جميع اللصوص في الداخل قد سقطوا بالفعل.
كان "نيت" قد قطع الحبال بواسطة الخنجر الذي استُخدم لتهديده، وكان يفكر في قطع ذراعه أيضًا.
لكنه تردد، لأن الخنجر كان قصيرًا للغاية لقطع الذراع من دون هالة، والأصفاد الثقيلة كانت مفيدة نوعًا ما في القتال بجسد الهومونكولوس.
فتح الفتى، الذي كان يراقب الحظيرة بهدوء، الباب بدهشة عند رؤيته المشهد غير المتوقع، فناداه نيت بهدوء.
"كايين."
قطّب الصبي وجهه باستياء ولوى شفتيه.
"ماذا؟ كيف تعرف اسمي؟ من أنت لتناديني به؟"
"…….."
"ما هذه الفوضى بحق الجحيم؟ هل أنت من فعل هذا؟"
توهجت عيناه السوداوان بحدة.
"هل أنت حقًا جاسوس من آسين؟"
"علينا أن نتحدث."
"……؟"
تفحّص كايين وجه نيت للحظة.
كان من الصعب قراءة أي مشاعر ذات معنى من وجهه، الذي لم يتغيّر.
وأثناء نظر الفتى إلى وجه نيت الخالي من التعابير، بدأت ملامحه الخاصة تهدأ تدريجيًا، كما لو أن المدّ قد انسحب.
استرخت حاجباه المتجعدان بشدة، واستقامت شفتاه التي كانت منحنية بشكل مبالغ فيه.
قرر أنه لم يعد هناك داعٍ لتقليد وجوه قطاع الطرق عمدًا، فقد بات ذلك غير ضروري.
وسرعان ما اتخذ الاثنان، وهما يتبادلان النظر، تعبيرات خالية من أي مشاعر، كما لو كانا مرآتين تعكسان بعضهما البعض.
نظر كايين إلى اللصوص الممددين داخل الحظيرة بوجه خالٍ من التعبير.
وعندما رأى الرجال المكبّلين حديثًا لا يُظهرون أي علامة على استعادة وعيهم، ترنح إلى الداخل وأغلق الباب. ثم التفت ببطء نحو نيت وسأله.
"…ما الذي تريد التحدث عنه؟"
كانت هذه المرة الأولى التي يلتقي فيها كايين بشخصٍ مثله يستطيع رؤية الأرواح.
وكان هناك وقت كافٍ قبل وصول قوة العقاب، لذا لم يكن هناك حاجة لرفض الحوار.
كما أنه أراد أن يعرف ما الذي فعله له هذا الرجل قبل قليل.
"لماذا تأكل الأرواح؟ ومنذ متى وأنت تفعل ذلك؟"
"ولماذا عليّ إخبارك بذلك؟"
كان الصبي يبدو وكأنه يسأل بدافع الفضول الصادق، لا بنبرة اتهام.
" معتمداً على أجابتك سأخبرك الكيفية التي سأتّبعها لإيقافك."
"كما فعلتَ في المرة السابقة؟"
"تمامًا كما في المرة السابقة."
عندما أومأ نيت ، عبس الفتى هذه المرة.
قد يكون ذلك مشكلة.
"إن كان الأمر كذلك، فحديثنا منتهٍ. إن كنت تنوي إيقافي بطريقة ما، فهل هناك جدوى من التحدث إليك؟"
أدار الصبي ظهره مغادرًا، لكنه توقف عند المخرج عندما سمع كلمات نيت التالية.
"هل سبق وأن تفحّصت روحك بنفسك؟"
"…؟"
"ألا تدرك فعليًا تأثير التهام الأرواح على روحك؟"
بدت كلماته وكأنها تلمّح إلى أن هناك ضررًا يصيبه.
تفحّص كاين روحه بصمت.
لم تكن تبدو مختلفة كثيرًا عن جسده المادي المعتاد.
وإن وُجد فرق، فهو أن الأرواح الكثيرة التي التهمها خلال الأيام القليلة الماضية لم تُهضم جيدًا، وكانت تبرز من أجزاء مختلفة من جسده.
[تريد قتل "آسلان"، أليس كذلك؟ لماذا أنا؟ هاه؟ لماذا أنا؟]
من بطنه، برز وجه "كونراد"، الملطخ بدموع دموية.
كان هو من قتله "كايين" قبل أيام عند الشلال، بعد أن اقتلع أظافره مع "رودريغو".
ومن ظهره، كانت إحدى ساقي "رودريغو" تخرج، ومن عنقه، كانت ذراع "مارثا" اليمنى تتدلّى.
أما وجه "جيروم"، الذي التهمه للتو، فقد كان يخرج من جانبه وهو يصرخ بعويل.
[آآآآه! مارثا، مارثا، مارثا!]
"حسنًا، يبدو أن الأمور فوضوية بعض الشيء."
لم يكن هذا يحدث عادة، لكن يبدو أن التهام عدد كبير من الأرواح خلال وقت قصير تسبب في بروز الأرواح التي أُكِلت من قبل.
ردّه العابر هذا جعل وجه "نيت" يتخذ تعبيرًا متحيرًا قليلًا.
أمال رأسه وسأله:
"ألا تشعر بالألم الذي تعانيه روحك؟ إن تدفق المشاعر المظلمة للأرواح التي التهمتها عليك دفعة واحدة ودون تصفية، لا يمكن لإنسان عادي تحمّله…"
"روحي تتألم؟"
أمال "كايين" رأسه، وكأن الأمر غريب عليه.
لم يكن يفهم ذلك.
فمنذ أن كان رضيعًا، كان كائنًا بلا مشاعر.
ومع مرور الوقت، بدأ يدرك تدريجيًا أنه مختلف عن الآخرين، لكن الفتى الذكي سرعان ما تعلّم تقليد تعابير وجه قطاع الطرق، وشيئًا فشيئًا، خفّف الانزعاج الذي يشعر به الآخرون نحوه.
لم يكن الأمر صعبًا.
فمعظم قطاع الطرق كانوا غاضبين على الدوام.
وبتجعيد حاجبيه، والصراخ، والسباب، كانوا يظنونه واحدًا منهم.
تلك كانت طريقته في الحياة حتى الآن.
ربما كانت روحه قادرة على الشعور بالعواطف مثل بقية الناس.
فهو لم يكن يرى تعبير وجهه، لذا لم يكن بوسعه التأكد.
لكن، طالما أنه لا يعاني الآن، فهل يهم ما إذا كانت روحه على ما يرام؟
عند سماعه ذلك، هزّ نيت رأسه.
"هل تظن أن جسدك سيبقى بخير بينما روحك تتدمر؟ عاجلًا أم آجلًا، ستضطر إلى مواجهة الأمر."
"أمم……"
تذكّر فجأة — جيروم ، الذي تمزقت روحه، اختفى نصف جسده في لحظة.
حتى البارحة فقط، كان الفتى يسخر من حماقة "جيروم" لعدم فهمه ما الذي تريده روحه بالفعل وهو يمزقها.
لكن، هل كان هو مختلفًا عن ذلك الأحمق؟
"على أية حال، دعنا نترك هذا الآن. لماذا تحاول منعي أصلًا؟ الرجال الذين أكلتهم لا علاقة لهم بك، صحيح؟ إن كانت هناك مشكلة، فهي مشكلتي. ما شأنك أنت؟"
عندها، التقت عينا "نيت" بالفتى، وقال بهدوء:
"ليس الأمر لا يعنيني. كل خطأ ترتكبه، سيكون مسؤوليتي في النهاية. والمشكلات التي ستواجهها، ستصبح أيضًا مشكلتي."
"ماذا؟ ولمَ يكون ذلك؟"
سأل الفتى بدهشة، لكن ما إن سمع كلمات نيت التالية، حتى تجمّد وجه "كايين" المعروف ببرودته، وبقي فمه فاغرًا.
"لأني أنا والدك."
…هاه؟ ماذا؟