أحسّ بن بقبضة معلمه المستقرة على ظهره، وشعر بتعويذة اليتي وهي تؤتي أكلها، وإن ببطء شديد، بينما كان يسدي لفالك كل النصائح الممكنة مستعيناً بالطريقة التي عالجه بها سحرة الأرواح مراراً في الماضي كلما أمعن في إهالك نفسه وإلحاق الأضرار بكيانه حتى تنجلي تدريجياً.
قال: "يا لك من الأفضل حقاً، أتعلم ذلك يا فالك؟ كما أن الوصول إليك أيسر بكثير. سأتوجه مباشرة إلى مصنعك في المرة القادمة، أو أطلب من نار أن يدلني عليك".
تمتم معلمه: "حريّ ألا تكون هناك مرة قادمة".
هزّ بن كتفيه وقال: "مع الأسف، بعض الأمور لا تقبل التغيير"، ونهض مسرعاً متجهاً نحو سترته ليرتديها، ثم شرع في سحب المانا إلى جوفه مجدداً، مما أدى إلى قفزة هائلة في عدد الأرواح التي تتشكل حوله بينما أطلق معلمه تنهيدة عميقة.
فقال له: "مهما يكن العذر الذي تذره لعلل هذا الفعل، فهو لا يبدو مبشراً بحال".
ردّ بن: "أنا متأكد، لكن الأمر يبدو آمناً إلى حد بعيد. صحيح أنني قد أعطب روحي قليلاً، لكن طالما استمرلت في علاجها، فلا ضرر يذكر غالباً".
تمتم معلمه وهو يرمقه بنظرة صامتة لوهلة قبل أن يهز راسه أسفاً: "هذه الـ(غالباً) تحمل وزناً ثقيلاً للغاية. لكن ما دام تعذّر عليّ منعك من ارتكاب هذا الفعل، فيجب عليّ على الأقل محاولة الحد من أضراره. امنحني بضع دقائق وأحد أسرار الميثريل خاصتك، لأرى ما يمكنني صنعه".
حدق فالك في روح بن وهو يواصل عمله، فأمعن في نقوش السوار وطورها ثم هدمها مراراً، متمتماً لنفسه طوال الوقت وهو يحاول ابتكار تعويذة ملائمة، إلى أن استقر في النهاية على شيء لم يكن اليتي راضياً عنه تماماً، لكنه اضطر للاعتراف بأنه أقصى ما بوسعه فعله حالياً فشرحه له بالقول: "إنها تعويذة خارجة إلى حد ما عن نطاق كل ما اشتغلت عليه طوال هذا الوقت، لكني حاولت أن أدمج التعويذة التي استخدمتها عليك لتصبح نقشاً ثابتاً. لن تكون مثالية، لكنها ستخفض احتماحية اضطرارك لرؤيتي أو رؤية سحر روح آخر للإصلاح، شريطة أن تلتزم الاعتدال".
"أحقاً؟ يا فالك، أنت الأفضل حقاً. إن حظي لوفير للغاية بوجودك معلماً لي".
"لكان كلامك عذباً بحق يا بني، لو لم أكن أراك تسحب قدراً أكبر من المانا إلى تلك الروح التي كابدت الأمرين لإصلاحها للتو. هل تظن أن إعطاءك شيئاً يخفف الأضرار المستمرة التي توقعها بنفسك يمنحك التبرير لتبلغ في العمل مبلغا أشد؟"
"أجل؟"
"...أنت مشاكس مزعج يصعب الاكتراث لأمره، أتعلم ذلك؟"
"لن يدوم الأمر طويلاً يا فالك. فكلما أكثرت من الإنتاج، عجلت بإنهاء مهمتي الحالية. متى ما وجدت في نفسي استعداداً لدفع طاقتي إلى أقصاها، فسأختصر المدة إلى أضعاف قليلة وأفرغ نهائياً من الاضطرار إلى فعل أمر شبيه بهذا مجدداً".
"وتترجى مني أن أصدق أن توفير أيام قلائل يستحق كل هذا العناء؟"
"وهل كان العمل حتى الهلاك محاولة لبلوغ المرتبة الثالثة أمراً يستحق العناء؟"
"...حسناً، لكن إن أوقعت نفسك في الأذى مجدداً بسبب حماقاتك ولم تعثر على ساحر أرواح، فتعال إليّ. سأجد الوقت الكافي لرتق ما فسد منك".
"ولهذا السبب بالضبط أنت الأفضل. والآن، بما أنني سببت لك شيئاً من الصداع، فلماذا لا نبادل ذلك بشيء من الفخر بطالبك؟ تعال وانظر لما أفلحت في صنعه".
سحب اليتي خلفه إلى مستودع ليُظهر له بافتخار ثمرة جهده الشاق، وهي أجهزة التجسيد الجديدة خاصته، فانتقل من جهاز إلى آخر ليعرض عليه تفاصيل عملية خلقها برمتها، تاركاً معلمه يطلق صصفيرة إعجاب مع النهاية.
فقال فالك: "حسناً، بغض النظر عن مدى إزعاجك يا بني، لا يسعني إلا أن أقر بأنك مبهر. بالطبع، قد لا يبدو الأمر بالقدر نفسه من الإبهار لأصهارك المستقبليين، بالنظر إلى أن أول جهاز جمعته يوشك أن يهدد احتكارهم لسوق المواد السحرية".
أوضح بن: "لا أبتغي الإنتاج الضخم أو بيع هذا النوع بالتحديد. فأبروس قادر بالفعل على توفير ما يزيد عن حاجة العالم، وفي هذه المرحلة من الحرب، لن تشكل زيادة الإمدادات أي فارق لذا لا أبالي. جُلُّ ما يهميني هو صنع الطعام".
كان هذا الرد كفيلاً برسم ابتسامة على شفتي فالك، فقال: "وأنا واثق من أنه سيلاقي التقدير المنشود، وسيتعين عليك جعلي أذوق النتائج النهائية".
"هاه، بالطبع، لكن خذ حذرك، فلن يكون مذاقها رائعاً على الأرجح. إنها للطوارئ وحدها لا غير".
"ربما، لكن الطوارئ تتكرر بما يكفي لجعلها ذات نفع عظيم في مستقبل بعيد. حين تصبح في عداد الأموات منذ أمد بعيد ويعجز أي شخص آخر عن إعادة ابتكارها، ستغدو هذه الأشياء قطعا أثرية ثمينة لكل إنسان أو أمة تتبجح بامتلاكها، ومثلها أسوار المانا خاصتك".
أخبره بن وهو يجسم أحدها بالكامل ليؤكد على فكرته: "هاه، لقد خلقت عشرات الآلاف الكثيرة منها لدرجة تصعب معها نيلها أي قيمة ندرة حقيقية في أي وقت. لا أعلم كم من البعد في المستقبل ينبغي للمرء أن يمعن النظر ليفترض اختفاء عدد كافٍ منها أو تلفه حتى تصبح شحيحة".
"آه، لكن إن انتصرنا فسنبلغ تلك الغاية ذات يوم، المسألة مسألة وقت لا غير. على أي حال، أأنت مقبل على شيء آخر أم ستغادر الآن بعد أن فرغت من ذلك؟ كان يجدر بك أن تعتصر بعض الساعات لتنال قسطاً من النوم على الأقل".
"إيه، سأمكث وأواصل العمل. لست متعباً حقاً، ويمكنني الحديث مع الملوك غداً ليلاً عما بوسعي محاولة تجسيده لاحقاً. وطالما أنني استعدت القدرة على استخدام سترتي، فأنا أرغب في استغلالها إلى أقصى حد ممكن".
"افعل ما بدا لك، وحسبك ألا تدمر روحك مجددا فوراً في غمرة ذلك. حتى وإن طلبت مني قصدي، فأنا أفضل ألا أراك تقرع بابي في منتصف الليل".
"علمت. طابت ليلة يا فالك، ألقاك حين تمر هنا صباحاً".
قال بصوت يبدو عليه الحرج: "آه، ليس غداً على ما أظن. لقد، آه، استخدمت بعض معارفي. بالنظر إلى أنك صنعت تلك الأسوار وما إلى ذلك، ولأن كل ساحر على وجه الكوكب يرتدي واحداً منها، فقد تمكنت من الحصول على يوم إجازة لنفسي، كما أن سونيا لم تنل إجازة منذ مدة، و..."
"إذن، كفّ عن الترهات وخذ قسطاً من الراحة لتحظى بيوم طيب برفقتها. ثيرا ستمر في الصباح لذا لا داعي لقلقك إزاء العثور علي منهاراً على الأرض كلما عدت أدراجك".
"ممم، ينبغي لك حقاً أن تحاول الحيلولة دون وقوع أمر كهذا من الأساس، لكن لا بأس. إن كان الأمر هكذا، فألقاك المرة القادمة التي أمرّ فيها".
"آمل أن أكون قد أعددت جهاز التجسيد التالي وأطلقته بحلول ذلك الحين، لذا ترقب الأمر".