ساد الهدوء عاصمة إمبراطورية سيليري. كانت أكبر مدن الإمبراطورية، ومركز الحكم والتجارة، وقد ظلت لمئات السنين خلية نحل لا تهدأ. لكن الآن، لاحظ شخص فارع الطول يرتدي رداءً بقلنسوة، بدت الشوارع ساكنة، خلت من العربات وقلّ فيها المارة. حتى الأسواق المفتوحة لزمت الصمت، وتجنبها معظم الباعة. لزم الناس بيوتهم، أو تكدسوا في المعابد للصلاة.
تقع إمبراطورية سيليري في النصف من عالم أجر الذي شهد قبل أسبوع توهج القمر "كايلوم"
كشمس ثانية في السماء. عبر القارتين، حدق كل كائن عاقل، وحتى الكثير من غير العقلاء، في ذلك المشهد المحير بذهول. ظن الكثيرون في البداية أنها معجزة، حدثٌ مهيب وعجيب.
ورغم أن الجميع لم يشاركوهم هذا التفاؤل، لم يتوقع أكثرهم تشكيكاً ذلك الإعلان من "النظام"
بأن حرب الملوك الثالثة قد بدأت. مضت 4536 سنة منذ نهاية حرب الملوك الثانية. وكانت تلك كارثة محققة. لم تتبقَّ سجلات معاصرة لتلك الحرب. بل إن الكلمة المكتوبة -وكل شيء آخر تقريباً- مُحيت من على وجه الكوكب حتى مر قرن كامل، وما سُجل من تاريخ بعدها لم يصف سوى جحيم شامل. انتشرت الصحارى والقِفار. جابت الوحوش الضارية الأرجاء وسيطرت على الكثير من المناظر الطبيعية. تعذر إنتاج الغذاء، وشحت الخبرات.
لقد كان عصراً ميتاً. لم يدرك الناس حينها حقيقة الأمر، ولم يكتشف [علماء الآثار] وجود حضارات سبقت الحرب إلا بعد آلاف السنين. وهكذا، بالنسبة للعاقل المعاصر، لم تكن الحرب الثانية سوى كارثة تاريخية تأسيسية لعالمهم، أسطورة ضاعت في غياهب الزمن، وبدت بلا أهمية. شيئاً استحال تكراره. يا لخطئهم. تحرك الرجل في أرجاء المدينة، يتصنت على من تجرأ على الحديث عن مجريات الأمور. اشترى قطعة لحم مشوي من أحد الباعة القلائل في السوق، وشق طريقه عائداً إلى المبنى المهجور، متسللاً عبر الباب ومصعداً الدرج.
توقف للحظة أمام باب الغرفة، ثم نفض رأسه مستهجناً حماقته، ودخل. ألقى بجسده بلا مبالاة على المقعد الوحيد في الغرفة، وبدأ يقضم قطعة اللحم، بينما ظل الكائن المجنح على السرير يحدق في يديه اللتين لا تزالان متضررتين من الإفراط في استخدام السحر الحقيقي. لم يُبدِ المستلقي أي إشارة على ملاحظة دخوله حتى تناهت رائحة اللحم المشوي إلى منخريه، فاستنشقهما.
"عدت."
"أتريد قضمة؟"
"ليس حقاً."
خيم الصمت الثقيل عليهما مجدداً بينما تحولت الاثنتا عشرة قطعة إلى إحدى عشرة، ثم عشر.
"ألن تخبرني بما يدور في خلدك؟ لماذا لا تزال يداك على هذه الحال؟"
"أنا أفكر."
"كم تعتقد أن لدينا من الوقت لتستمر في التفكير؟"
"لم يحدث شيء منذ ذلك اليوم الأول. الملوك صبورة إن لم يكن هناك ما يُقال."
صارت القطع العشر تسعاً.
"اللحم جيد. أظن أن فيه فلفلاً أحمر."
"همم. فُتح طريق تجاري جديد بينما كنت غائباً."
صارت القطع التسع ثمانياً.
"المدينة لا تزال ساكنة. الناس خائفون. انزووا في بيوتهم أو معابدهم، يصلون في الحالتين. حتى أولئك الذين يتحسسون الفرص في الكوارث لا يدرون ما يصنعون بأنفسهم."
صارت القطع الثماني سبعاً.
"أعني، الأمر لا يدخل العقل مطلقاً،"
لعن وضَرَب بقبضته على الفراش.
"ثمة شيء نغفل عنه، ومهما قلبت الأمر، لا يعقل أن نتلقى مهمة لقتل..."
رنين! تم تلقي مهمة: سافر إلى أرض الملوك والتقِ بأدونايت. ساد الصمت بينما حدق الاثنان في التنبيه. صارت القطع السبع ستاً.
"حسناً، ربما سنجد بعض الإجابات."