مع أنني أملكت كل ما نحتاج إليه... حسنًا، ما زلت أجهل ما يجب عليَّ فعله تحديدًا لكي أنبت هذا الشيء.
أأزرعهما جنباً إلى جنب وأشرع في الغناء؟ وبأي شيء أغني أصلاً؟
لا أظن بحال أنَّ الصراخ ببضع أغانٍ لموسيقى الميتال التي أحبها حقاً سيأتي بالنتائج المرجوة.
قلت لدبدوب: "أعندك أيُّ فكرة يا صاح؟"، وبدأ الديك يتأمل سؤالي بوضوح.
لقد كانت صدمةً طفيفة حين شعرت فجأة بطاقته الداخلية تتوهج. ارتبكت في البداية حيال ما كان يجري، لكن بايلو وسينيو كانتا جازمتين بأنه صار الآن وحش روح، حيواناً واعياً معززاً بالطاقة، وذكياً بالقدر نفسه الذي يكون عليه الإنسان تقريباً. لم يتغير رجلي الصغير، حسنًا، أبداً في الواقع. سألته عما أراد فعله بحياتي، لكنه اكتفى بالقفز على كتفي، وصاح، ثم شرع في مهاجمة الحشرات كعادته.
مهلاً، إن كان هذا ما يبتغيه، فهذا ما سيعطى له. اللعنة، لقد رفض حتى فراشه ومقعده على المائدة، ومضى ينام معي كالمعتاد، فبدا جلياً أنه يستمتع بقضاء الوقت معي.
وبدَت عليه أيضاً حاسة سادسَة لمعرفة متى كانت بايلو وسينيو تقومان بأمر سخيف مجدداً، وكان دائماً يستدعيني لأضع حداً لذلك.
نظرت إلى الرجل الصغير وهو يتأمل سؤالي، وحين أومأ دبدوب، قفز عن كتفي. التفت إلى الوراء وقفز صعوداً وهبوطاً، باحثاً بوضوح عن أن أتبعه.
لذا توجهنا نحو حافة الجزيرة، حيث قفز دبدوب فوق صخرة ضخمة وصاح.
قلت على سبيل البديهة وأنا أتسلق الصخرة إلى جواره وأرمش ببصري نحو الأفق الواسع: "أسمعهما ما تقول يا دبدوب".
كان المنظر خلاباً، إذ تمتد آلاف الجزيرة التي تتألف منها أرخبيل السماء الشاهقة فوق بحر يتلألأ. داعبت الرياح شعري، ونشر جناحيه، كأنه يود أن يرييني إياه أجمع.
أعني، ظللت لا أملك أدنى فكرة عما يجب فعله، لكن تحية تقدير على هذا الجهد أيها الرجل الصغير.
انتهى بي المطاف مستغرقاً في النوم فوق تلك الصخرة برفقة ديكِي، ناظراً إلى النجوم المبثوثة في الأعالي.
* * *
تلك الليلة، راودني حلم غريب نوعاً ما.
حلمت بأيل ضخم، بحجم منزل. كان وبره بلون بني فاحم، وبطنه أبيض. وبدت حوافره مصنوعة من الحجر، بينما كانت قرونه خشباً حياً ينمو.
سألني الأيل العظيم: "عَمَّ تتوق أكثر من أي شيء آخر يا بني؟".
فكرت في السؤال، لأنه كان غريباً. عَمَّ كنت أتوق أكثر من غيره؟ وُجِدت أشياء كثيرة أردتها. لكن ما الذي أردته أكثر من سواه؟
لا أزعم أنني كنت قانعاً بحياتي، لكنها لم تكن سيئة في الوقت الراهن. كان بطني ممتلئاً، وكان لدي بايلو وسينيو ودبدوب ومينيان لأونس بهم.
لكنني عرفت أنه لا يمكن أن يدوم إلى الأبد.
لقد مت مرتين الآن، في ظروف خارجة عن إرادتي. وكنت شخصية تحظى بالاهتمام من طائفة قد تقتلني إن انكشفت الحقيقة. وكنت حبيساً لجزيرة تافهة. خلافا للأبطال الآخرين، لم أملك حتى جداً في خاتمة أو نظام غش!
فكرت دهراً ولمحة بصر في الإجابة، قبل أن أتكلم أخيراً.
قلت للأيل العظيم: "أريد... أريد أن أكون حراً. أريد أن أرى هذا العالم العظيم، وكل ما يقدمه! لا أكتراث لي بالسياسة، ولا بأن أصير أقوى! أريد فقط أن أرى ما وراء الأفق!".
الحرية من الشعور الخانق الذي يمنحني إياه العيش على هذه الجزيرة. الحرية من الخوف من انفضاح أمري بأنني دجال. الحرية من الالتزامات والتوقعات.
الحرية لأحيا حياتي كما أهوى، شاقاً طريقي بنفسي.
ابتسم الوحش العظيم لي.
قال لي: "إنه لحلم جميل أيها الصغير"، ومد أنفه ليضغط به على جبيني.
طرفْت بعيني نحو الوحش، إذ شرع ينكمش، قبل أن يذوب في النهاية متحولاً إلى ضباب، ومختفياً تماماً.
كل ما تبقى كان لفافة قديمة... وشعوراً غريباً في أحشائي.
* * *
واجهت بايلو معضلة.
بدا مكان سيدها الشاب على الصخرة مريحاً للغاية. فالتمدد تحت النجوم بعد يوم شاق والالتصاق بأحدهم سيجعل يومها رائعاً لا محالة.
بيد أن الطائر اللعين كان لا يزال مستيقظاً، ويحدق فيها مباشرة، واعداً بالموت... أو بإيقاظ سيدهما الشاب على الأقل وتوبيخها إن هي حاولت.
عبست في وجه وحش الروح لكنه وقف بثبات. وعلى مرغم الكره، وفي خلوة عقلها وحدها، وجب عليها احترام تلك الكرة الصغيرة من البغضاء والصلف. عرفت بايلو ممارسين في عالم الروح ممن تبولوا على أنفسهم وهربوا طلباً للنجاة حين واجهوا هالتها أو مجرد التفكير في استيائها. ورغم ذلك، حين تعلق الأمر بسيدها الشاب، وقف الطائر صلباً بوجه هالتها في كل مرة، صاكاً على منقاره وراسخاً في مكانه، غير متنازل عن خطوة واحدة لا لها ولا لسينيو.
لقد كان أمراً جيداً أن يمتلك سيدها الشاب وحشاً شجاعاً ووفياً كهذا... مع أنه كان سيصبح أفضل بألف مرة لو كفَّ ذلك اللقيط الصغير عن الوقوف في وجهها.
تنهدت، وتراجعَت. ربما تتحدى الديك المتبختر في يوم آخر، أما اليوم... حسنًا، اليوم.
"من النحس ترك هذا القدر من الدمار وراءك".
تنهدت بايلو وهي تعيد تشغيل الكلمات في رأسها. ظنت أنه تجاوز الأمر تماماً... لكن إيذاءه بذلك القدر قد ترك أثراً جلياً بلا شك. بايلو الغبية! بالطبع كان سيدهما الشاب روحاً صاحبة ضمير، يسعى، كواحدة من جنيا القدامى، كي لا يترك آثار معاركه على وجه العالم.
عبست بايلو قليلاً وهي تستعيد في رأسها كل معركة خاضتها طوال حياتها. لم تكن تُدعى جناح الإعصار عبثاً. الرياح الممزقة وصواعق البرق الحارقة والأمطار القاطعة التي ميّزت نهج زراعتها كانت تترك خلفها دماراً أكثر من القليل، ولم تكن سيو أفضل حالاً.
كان جناح التسونامي يعتاد ببساطة على سحق أي شيء يعترض طريقه، وبالنظر إلى مدى تكرار قتالهما معاً... حسناً. ربما كان هناك المزيد من الجبال في العالم قبل أن يصلا إليها.
لم يسبق أن قال لهما أحد شيئاً قط، سوى عدم إلحاق الضرر بال طائفة... ولهذا السبب كانتا في الجزر المهجورة لإيذاء السيد الشاب في المقام الأول.
قطّبت بايلو حاجبيها. كان الأمر سيئاً لأنهما آذاه... لكنه كان جيداً لأنهما التقتا بسيدهما الشاب.
تأملت بايلو هذه الثنائية.
تأملتها أكثر.
بدأت للتو تشعر بالإحباط لقلة استيعابها عندما نهض سيدها الشاب فجأة، وبدأ يسرب طاقة الكي. كانت بايلو وسيو إلى جانبه في الفورة، تحسباً لأي نوع من الهجوم.
لكنهما عوضاً عن ذلك أدركتا العلامات فوراً؛ علامات التجلي.
بدأت عيناه تتوهجان باللون الأخضر؛ وتكونت قرون أثيرية فوق جبينه؛ وارتفعت البذور والجوهر التي جمعها في الهواء وبدأت تدور حول جسده.
ثم نظر إليها.
لمست طاقة اليانغ الخاصة به طاقتها، متسائلة، لكن بحزم. احمرّ وجه بايلو.
أه، أيها السيد الشاب! كم كان جريئاً! كم كان حازماً! كم كان يشبه سيداً شاباً حقيقياً!
كيف يمكنها رفضه عندما يكون على هذه الحال؟ راحت طاقته تسري صعوداً وهبوطاً عبر طاقة اليين الخاصة بها، كأنه يدعوها للرقص، واستطاعت أن تدرك أنه يفعل الشيء نفسه مع سيو.
لقد... بدا الأمر صحيحاً.
سلّمت بايلو نفسها لطاقة سيدها الشاب، وكذلك فعلت سيو، بينما كان سيدها الشاب يرفع البذور وتفيض طاقته من جسده.
انضمت حالة ثانية من طاقة اليانغ إلى الأولى، من الرياح والنار، وتأففت بايلو بأن الدجاجة كان لها دور تلعبه، مضيفة شرارتها الخاصة إلى البذور والجوهر.
لكن الدور جاء بعدها هي وسيو. شعرت بطاقتها تمتزج بطاقة سيدها الشاب بينما تشكلت أجنحة للحظة قصيرة على ظهرها، وتسلل صوت الطيور إلى أذنيها.
ارتفع صوت سيدها الشاب في أغنية قديمة بلا اسم وبلا كلمات، مدوية وعميقة؛ وارتفعت أصواتهن معه.
لم تكن إحداهن قائدة لهذه الأغنية؛ ولم تكن إحداهن تابعة. لقد عمل اليين واليانغ وتمازجا في تناغم تام.
تساقطت القرون عن رأسه؛ وانفتح الأرض لتتلقى البذور والجوهر.
سقطت الأجنحة عن ظهورهن، وامتصت الريش في الأرض.
ركع سيدها الشاب، وغطى البذور برفق.
ثم سمعته يبدأ بالهمس؛ وكان ذلك نوعاً من الشعر، أو القسَم، متمرداً وفخوراً.
خذ حبي، خخذ أرضي، خذني إلى مكان لا أستطيع الوقوف فيه؛ خذني بعيداً، أبعد بعيداً، أخبر أمي، أنني ضللت الطريق؛ يمكنك حرق الأرض وغلي البحار—
—لكنك لا تستطيع أخذ سمائي مني.
حدثت نبضة من طاقة الخشب والأرض... ثم تهاوت جميعهن. شعرت بايلو بالإرهاق فجأة، وكانت سيو بجانب سيدها الشاب عندما سقط هو الآخر فجأة.
رمشت صديقتها بنعاس، ثم حدقت في الديك. لكن هذه المرة، لم يقدم بي دي أي توبيخات صارخة. اكتفى بالوميض... وأشار بجناحه صعوداً نحو النجوم.
...بدا وكأنهما تمكنتا من الاحتضان مع سيدهما الشاب بعد كل شيء!
مشتا نحو الصخرة، دون أن تلتقتا إلى الوراء.
وبرزت براعم خضراء صغيرة من الأرض.