الفصل 94. أرنبان (1)
اكتسبت أولى مباريات الترقية أهمية قصوى؛ فالظفر بالمركز الأول فيها يصنع فارقًا جوهريًا في مسار التصفيات بأكمله. فإذا انتزع اللاعب الصدارة في الجولة الأولى، كفاه الحلول ضمن العشرة الأوائل في الجولة التالية ليضمن العبور؛ أما لو هوى إلى المركز التسعين أو أدنى، فسيضطر لخوض نزال إضافي شاق حتى لو حصد المركز الأول في الجولة التي تليها.
لعل هذا ما أشعل حماس المتربصين:
[لن ندع آلموند يرتقي إلى رتبة الألماس أبدًا!]
[معك حق، سأدخل القائمة لقنصه بدوري.]
[بصفتي خبيرًا مخضرمًا في رتبة الألماس لخمس سنوات، لن أسمح له بالمرور!]
[سرب قناصي البث: فليمت آلموند! باب الانضمام مفتوح!]
امتلأت واجهة المنتدى بثلاثة وعشرين منشورًا تحرض على قنص آلموند في البث؛ فمنهم من أكل قلبه الحسد، ومنهم من هب دفاعًا عن رقم جونجابا القياسي، وآخرون استهدفوا إزعاجه لمجرد العبث والتسلية؛ وتوحدت غايتهم جميعًا في إسقاط آلموند.
لا بد أن تضم صفوفهم نخبة من اللاعبين المهرة، فالحد الأدنى للمشاركة في هذه التصفيات يبدأ من قمة البلاتيني أو قاع الألماس.
— أيمكن لآلموند إتمام التحدي وسط هذا الحشد المتربص؟
┘ في الحقيقة…
┘ واجه جونجابا جيشًا مماثلًا في أيامه؛ تلك ضريبة الشهرة لحياة صانع البث.
— مسكين آلموند…
— لا حيلة بأيدينا لنجدته…
┘ لأننا قابعون في رتبة البرونزي، ههههه
┘ هذا صحيح تمامًا!
┘ بلغوا البلاتيني أو الألماس إن أردتم مد يد العون لآلموند!
أشفق رواد المنتدى على آلموند من هول ما ينتظره، فالمعركة القادمة ستعصف به بلا هوادة.
←↓↑→
رمق آلموند الأرض من علٍ وسط هبوب الرياح الباردة، فرأى خضرة الأحراش الكثيفة تطل من بين طيات السحاب؛ فالنزال سيجري فوق خريطة الغابة مجددًا.
’فلأهبط على الفور.‘
تأهب للقفز عازمًا على حسم المباراة بأسرع وتيرة ممكنة؛ فقد استنزف طاقة هائلة على مدار اليوم، والإرهاق سيتسلل إلى أطرافه مهما بلغت حيوية بدنه. لا بد من إنهاء المعركة بضربة خاطفة.
’حان وقت الرمية المخاتلة.‘
اعتاد آلموند الرمي المباشر الصريح طوال مسيرته، فظن خصومه ثباته على الاستراتيجية ذاتها مهما تبدلت الظروف.
لم يكن لزومه للرمي المستقيم وليد عناد أعمى، بل انتظر هذه اللحظة بالذات ليطلق رميته المخاتلة التي تقلب الموازين؛ فكل ضربة مستقيمة سددها في الماضي كانت تمهيدًا لهذه اللحظة الفارقة.
’الآن.‘
ستثبت الخطة المفاجئة جدواها في أدق نزال مصيري.
طاخ!
وثب سانغهيون في الهواء دون أدنى تردد.
حفيف—!
بيد أنه لم يتجه صوب ترسانة الأسلحة هذه المرة.
— ؟؟؟
— لمَ يهبط هناك؟
— هاه؟
— ما الذي يجري؟
— أأخطأ الوجهة بسبب التوتر؟
أبصر المشاهدون نقطة هبوطه فلم يخفوا ذهولهم المطبق.
[تبرع جنسن بمبلغ 1,000 وون.]
[أيها الزعيم، تلك ليست ترسانة الأسلحة.]
بادر أحدهم بالتبرع ليوجه رسالة تحذير؛ وموقفهم مبرر تمامًا، فآلموند لم يهبط يومًا في موقع سوى ترسانة الأسلحة، ولم يحد عنها قيد أنملة مهما احتشد قناصو البث لافتراسه.
"أعلم ذلك جيدًا. إنها رمية مخاتلة،" ابتسم آلموند ابتسامة واثقة.
كما توقع بدقة، انفتحت عشرات المظلات في السماء متجهة نحو ترسانة الأسلحة؛ ورغم شعبية ذلك الموقع، فإن احتشاد ذلك الجمع الغفير هناك لم يحمل سوى معنى واحد: القدوم لاصطياد آلموند.
←↓↑→
"أعلم ذلك جيدًا. إنها رمية مخاتلة."
فور نطق آلموند بتلك العبارة، قبضت يداها على مسندي المقعد المتحرك بقوة، وانعقد حاجبها في عبوس حاد.
’رمية مخاتلة؟‘
كادت قسمات وجهها تنطق بالغيظ؛ لا استياءً من الخطة ذاتها، بل لكونها باغتتها على حين غرة. أغاظها ابتداعه لحيلة بارعة غابت عن ذهنها تمامًا.
’مستحيل.‘
استصعبت تصديق المشهد. أكان إصراره الدائم على ترسانة الأسلحة مجرد تمويه وتمهيد لهذه المناورة الاستثنائية؟ أي منطق يفسر هذا الدهاء؟
إذا ادخر هذه الاستراتيجية المباغتة، أفلا يعني ذلك فيضًا لا ينضب من الثقة في قرارة نفسه؟ كيف يعقل هذا؟
اتسمت خطط آلموند دائمًا بالكمال الباهر والجمال الآسر، فصعب عليها استيعاب امتلاكه لبديل أكثر قوة ورسوخًا في جعبته.
تجرع الصعاب سابقًا وآثر الاحتفاظ بمفاجأته الكبرى حتى هذه اللحظة. أيمتلك إنسان مثل هذا الجَلَد؟
لا، ذلك الرجل، حتى اللحظة الراهنة…
’أبلغت ثقته بنفسه هذا المدى الخيالي منذ البداية؟‘
ألم تمثل رحلة الألماس تحديًا شاقًا في نظره؟
"سنبدأ جولتنا من هنا اليوم."
حفيف.
انفردت مظلة آلموند وهبط بسلام فوق سطح مستشفى مهجور.
←↓↑→
"فعلها أخيرًا،" ابتسم جوهيوك وهو يشاهد شخصية آلموند تحط رحالها فوق أرض المستشفى.
سار كل شيء وفق الخطة المحكمة؛ وجاء التوقيت مثاليًا لإطلاق الرمية المخاتلة.
"ولا أثر لأي ملاحق خلفه."
حتى قناصو البث المزعجون تبخروا من الأرجاء. أراد حشد من المتربصين إفساد تصفيات ترقيته، لكن جوهيوك وآلموند استشرفا ذلك مبكرًا، مدركين أن هذه الجولة ستغدو أخطر النزالات وأهمها.
لهذا تدارسا عدة استراتيجيات مسبقًا؛ فعكف جوهيوك على تحليل خطط كبار صناع البث وتصنيفها، بينما رسخها آلموند في مخيلته بدقة متناهية.
أتقن آلموند صقل مهاراته الحركية نهارًا وتدبر تلك الخطط ليلًا؛ وحان الوقت لدمج الفكر بالفعل في ميدان المعركة.
استقر رأي آلموند مسبقًا على الاستراتيجية المثلى؛ فالهبوط في المستشفى المهجور خطة كلاسيكية معروفة بين قدامى المحترفين.
— ما هذا؟ بداية من المستشفى المهجور؟
— واو!
— يبدل استراتيجيته فجأة دون سابق إنذار؟
— جنون مطبق! أكان كل ما مضى مجرد فخ وتمهيد لهذه اللحظة؟
— يا للهول!
— أيها الزعيم، قلبي يرتجف خوفًا عليك.
— تخيلوا لو سقط ميتًا من اللحظة الأولى، ههههه
— وماذا لو خسرت المعركة؟!
ساور الشك قلوب المشاهدين لعدم اعتيادهم رؤية آلموند ينهج مسارًا تكتيكيًا مغايرًا؛ فقد عهدوه يسحق الخصوم بمهارته الخالصة فقط، حتى تنبأ بعضهم بهزيمته الوشيكة.
غير أن جوهيوك لم يخالجه أدنى قلق.
’لقد تدرب على هذا في مخيلته مرارًا.‘
ثق جوهيوك برفيقه ثقة عمياء؛ فآلموند عبقري لا يكتفي بالموهبة الفطرية، بل يقرنها بالجهد الدؤوب والمثابرة الصادقة.
←↓↑→
درس سانغهيون تفاصيل الخطة عبر متابعة كبار المحترفين مثل جونجابا ودودودو؛ ورغم عدم تجريبها في مباراة حية من قبل، فقد حفظ مساراتها عن ظهر قلب.
راجع تفاصيلها مع جوهيوك مرات لا تحصى، ودمجها في تدريبه الذهني الصارم؛ فالخيال المتوقد والتركيز العميق يثمران أثرًا لا يقل عن التدريب الميداني.
آمن آلموند بحصاد جهده وسعيه.
— واو، ما هذا؟ أداؤه متقن ورائع بحق!
— تدرب على الخطة مسبقًا بلا شك.
— من كان يتصور أن يلعب آلموند بروية وهدوء كهذا…
اقتحم آلموند المستشفى مستحضرًا نقاطه العمياء في ذاكرته، فالتزم المسار المحدد وجمع العتاد بهدوء وتؤدة.
خطوة بخطوة.
احتمى خلف عمود ضخم في الطابق الثالث وتفقد خريطة المنطقة الزرقاء باستمرار.
لم يعتد آلموند الاكتراث للدائرة الإشعاعية سابقًا؛ إذ صب جل اهتمامه على إبادة الخصوم من حوله دون النظر للخريطة، لكنه خاض النزال اليوم بعقلية مغايرة.
’أنا في مركز الدائرة تمامًا.‘
تأكد من استقراره في قلب المنطقة الآمنة، ومركز الدائرة يضمن الحماية غالبًا حتى في المرحلة اللاحقة من الانكماش.
"إذا سارت الأمور على هذا النحو، فسنكون في مأمن تام في المرحلة القادمة أيضًا. سأرابط فوق السطح في الوقت الراهن."
شرح آلموند خطواته للمشاهدين رغم تطبيقه للخطة لأول مرة، وبدا واثقًا متمكنًا من أدواته.
— واو، تدرب بجدية مذهلة حقًا!
— رائع للغاية!
— كيف يفيض بكل هذه الهيبة والجاذبية وهو لا يفعل شيئًا سوى الترقب…
— المهووس الجذاب!
— آلموند، المهووس الأكثر جاذبية على الإطلاق.
[تبرع فوربسالمعتمد بمبلغ ضخم قدره 100,000 وون!]
[أفخم أسلوب لعب سلمي وتكتيكي في التاريخ!]
[تبرع العقلالرسمي بمبلغ 50,000 وون!]
[رسميًا: أروع لعب تكتيكي مسالم شهدته عيناي!]
ألهب أداؤه الرصين مشاعر المتابعين فانهالت التبرعات السخية، بيد أن آلموند لم يظفر بفرصة للرد عليها؛ فتركيزه بلغ مداه لدخوله مبنى المستشفى لأول مرة في مسيرته.
أعرض عن مطالعة الدردشة واكتفى بتقديم شروحات مقتضبة وهو يخطو بحذر، وعقله يزن شتى الاحتمالات.
’التالي…‘
ألصق أذنه بأرضية الممر مرهفًا سمعه، ثم استطلع النافذة الكبرى المطلة على الساحة وتفقد درجات السلم تحسبًا لأي متسلل.
’لا أثر لأحد.‘
خلا المستشفى من أي أثر لحركة اللاعبين، وبات آلموند سيده الوحيد؛ والمستشفى يفيض بالمعدات الطبية الحيوية التي تجعل منه عادة بؤرة صراع مشتعلة في مستهل كل جولة.
فلا غنى للاعب عن التزود بالمؤن العلاجية في مطلع المعركة.
"المكان خاوٍ تمامًا."
ثمة سبب بديهي يفسر هذه الظاهرة.
"احتشدوا جميعًا في ترسانة الأسلحة لا محالة."
هرع أكثر من نصف لاعبي الخريطة صوب الترسانة طمعًا في رأس آلموند؛ فآلت أروقة المستشفى الشاسعة إليه وحده، مقتنصًا فرصة ذهبية قهر بها دهاء قناصي البث.
— ههههه فليذوقوا وبال أمرهم!
— آلموند: استمعوا إليّ جيدًا يا رفاق، فليصفِّ بعضكم بعضًا، حسنًا؟
— دع الأعداء يفترسون بعضهم في غيابك!
— آه، لا عجب في خلو المكان من الأحياء.
— لا أصدق أن مبنى المستشفى بأكمله بات ملكًا له وحده!
سيهلك قرابة ثلاثين لاعبًا بينما يرابط هو بسلام فوق السطح؛ بل لم تضطره الظروف للصعود فورًا إلى القمة.
’أستطيع جمع العتاد والمؤن على مهل في الطابق الثالث قبل الصعود.‘
سار آلموند في الردهات جامعًا الغنائم الطبية، وفي تلك الأثناء بالذات، سقط ستة عشر لاعبًا صرعى في المعارك البعيدة.
←↓↑→
في تلك اللحظات، غصت ترسانة الأسلحة بجموع اللاعبين وقناصي البث الهائجين:
"مهلًا، أين اختفى آلموند بحق؟!"
"اللعنة! مهلًا! لا تلقِ السكين يا أحمق! إياك أن تقذفه!"
"يا قوم! هذا نزال مصنف لتحديد الرتب! أتريدون منا الهلاك جميعًا كالمجانين؟!"
"أين ذلك اللعين آلموند؟!"
تكدس قناصو البث داخل الترسانة، وعجزوا عن اقتحام الطابق السفلي؛ فأشهروا سكاكينهم في وجوه بعضهم بعضًا في نهاية المطاف.
شرع المحرومون من العثور على موقعه في رشق السكاكين بعشوائية عمياء.
طاخ! طراخ!
سقط بعض قناصي البث صرعى ورد الباقون بالهجوم المضاد.
"فليذهب الجميع إلى الجحيم!"
"موتوا فحسب!!!"
صلصلة نضال متوحشة بالسكاكين!
مشهد فريد واستثنائي لجيش من اللاعبين يتطاحنون بالخناجر والشفرات قرب مدخل الطابق السفلي.
"أين آلموند اللعين؟!"
ترددت الصيحة ذاتها مرات ومرات في أرجاء المكان دون جواب.
————————
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.