~~~ «أنا أستسلم.»
جاءت كلمات ليو جين كخاتمة باهتة. وقف الحضور لبرهة يرمشون بذهول ويتساءلون عمّا حدث للتو. وحين استوعب الجميع الكلمات، كانت يد المُعلِن قد رُفعت بالفعل.
«ليو جين من طائفة شيا يستسلم. يون هان من طائفة يون يفوز!»
تردّدت الكلمات في أرجاء الحلبة وارتسمت عبوسات شتّى على وجوه الحاضرين. كثرت الهمهمات والتمتمات والاعتراضات، إذ لم يرغب أحد في أن تنتهي المعركة بهذه السرعة. ورغم تيقّن الجميع من استحالة فوز ليو جين على يون هان، فقد سمحوا لأنفسهم بالاندماج في القتال. تجاوزت كل ثانية توقعاتهم. وفي الاشتباك الأخير، وقف الجميع ليهتفوا للطرفين وغطّى ضجيجهم أصقاع الحلبة. انتهى كل ذلك الآن.
فاز يون هان. إنها النتيجة التي توقعها الجميع، لكن الطريقة التي تحقّقت بها تركت طعماً مُرّاً في أفواههم. مع ذلك، لا تقارن مشاعرهم بمشاعر يون هان قط. أُعلن فوزه، ومع ذلك لم تتبدّد هالة الطاقة المحيطة به. بل ظلت تشتعل بنوايا عدوانية.
«تستسلم؟»
ردد يون هان بصوت مزقه الغضب.
«أَتستسلم؟»
تفتّت الحطام من حول يون هان تحت وطأة طاقته. بدا وجهه شاحباً ويعلوه العرق. ظهرت علامات خضراء على بشرته وبدا تنفُّسه أثقل من المعتاد. كان واضحاً أن جسده يشعر بآثار السم. لكنه مع ذلك يمتلك من القوة ما يكفي لقتل ليو جين.
«أَتظن أنني سأسمح بمثل هذا!»
«قواعد البطولة ليست أمراً نتحكم فيه يا يون هان،»
رد ليو جين وهو يستعد للدفاع عن نفسه إن لزم الأمر.
«تخاتلنا، وبدا جليّاً أنني لم أكن نداً لك.»
كانت نظرة يون هان حارقة بشدّة.
«أجهدت نفسي أكثر من اللازم في هذه المعركة ولم أعد قادراً على المتابعة. لذا استسلمت. أتراني مخطئاً في هذا؟ تسمح لنا القواعد بالاستسلام في أي لحظة. أليس كذلك؟»
بلع المُعلِن لعابه حين وجّه ليو جين السؤال إليه. وأصبح فجأة هدفاً لغضب يون هان الذي تطلّب نظرتاه أن يُكذّب المُعلِن ليو جين ويسمح باستمرار النزال. لم يكن يون هان يرغب في شيء أكثر من ذلك الآن. ربما فاز بالمعركة، لكن ليو جين جرحه بعمق يتعذر معها الغفران. الأمر لا يتعلق بالسم. تيقّن ليو جين من أن جسد يون هان سيتغلب عليه عاجلاً أو آجلاً. لا، ما أفسده ليو جين لم يكن جسده.
بل كبرياؤه. قاتل شخصاً يفوقه في كل جانب تقريباً، وانتهى الأمر بأن تلقى طعنة منه. نوى إلحاق الأذى بليو جين، فخرج هذا الأخير سليماً معافى بينما تضرّر جسد يون هان. في الواقع، لم يسدد يون هان ضربة واحدة ليو جين طوال النزال. ومهما قلّب الأمر على وجوهه، بدت المعركة إهانة متعمدة لكيانه لا يطيق احتمالها. ومن الطبيعي أن يبلغ غضبه هذا المبلغ. لكن استسلام ليو جين حرمه فرصة الانتقام الفوري وأبقاه بلا متنفس لغيظه.
ومهما اشتهاه، لا يستطيع مهاجمته الآن. ولم يتبقَّ له سوى الوقوف متفرّجاً بينما يغادر ليو جين. إنه الموقف الذي يُكِمن لمن يقع فيه أن يسعل دماً بلا شك. وتوجّه ذلك الإحباط بأسره نحو المُعلِن الوحيد.
«أنا… أنا… المشـ… المشارك ليو جين محقّ،»
تمعن المُعلِن في التلعثم مما أثار إعجاب ليو جين. ثم إنه إن انحاز إلى يون هان، فسيصبّ غضب طائفة شيا عليه. وحين يقع المرء بين نارين، يكون الانحاز إلى طائفة شيا أمراً طبيعيّاً. خرج صوت غليظ من حنجرة يون هان.
«ما أتعس من يلقي بتبعة عجزه على الآخرين.»
دخل شيا فانغ بكل ثقة العالم. كان الجميع منشغلين بلوي جين ويون هان لدرجة أغفلتهم عن ملاحظة وصوله تماماً.
«هذا لا يخصّك يا شيا فانغ!»
ضحك شيا فانغ من ذلك.
«لا يخصّني؟ تهدّد نسيبِي وأُتوقَّع ألا أتدخل؟ ألعلّ ضربات نسيبِي كانت قوية لدرجة أفقدتك صوابك؟»
بذلك ذكّره شيا فانغ بأدائه المخيب للآام، معمقاً إهانته ومؤكداً في الوقت ذاته أنه لن ينال مراده اليوم. يُجيد شيا فانغ إهانة البشر، هكذا هجس ليو جين في نفسه.
«نحن في منتصف نزال بالبطولة.»
جاء ردّ يون هان واهناً. لو كان يفكر بهدوء لربما استطاع الدفاع عن موقفه بشكل أفضل.
«كنت في منتصف نزال بالبطولة،»
صححه شيا فانغ بخطوات واثقة حتى وقف بجانب ليو جين.
«استسلم نسيبِي. وأُعلِنتَ فائزاً. أظن أن هذه الوقائع لم تفلت من ذهنك؟»
لكان الشخص الأذكى قد توقف عن الجدال هناك.
«أيبدو بمنظر من عجز عن القتال؟»
صرخ يون هان رافعاً ذراعه ليشير إلى ليو جين.
«لا علاقة للأمر بذلك. نسيبِي يعرف حدوده، وهو أمر يتعذر قوله في حقّك بوضوح.»
تحولت ابتسامة شيا فانغ إلى مكر.
«إذا أردنا الحكم على قدرة القتال من المظهر وحده، فأخشى أنك ستكون أنت من يُعتبر غير مؤهل. بالطبع، إن كان هذا ما ترغبه، فطائفتنا لا تمانع هكذا نتيجة.»
ضحك بعض الحاضرين مما ألهب غضب يون هان. الجميع يضحكون عليه، ولا حول له ولا قوة.
«سيدي الشاب يون هان،»
جاء صوت وو يان ألين مما عهده ليو جين. بلغ ابن الطبيب وو الحلبة المحطمة ليقف على بعد خطوات خلف يون هان. لم يجرؤ على الاقتراب أكثر.
«إنهم على حق… المعركة… انتهت. لقد فزت.»
قد يخبره بأنه فاز، لكن ليو جين تيقن أن عقده لا يزال عالقاً عند الجملة السابقة. لقد انتهت. تبددت طاقة يون هان الغاضبة في تلك اللحظة. واختفت ملامحه الساخطة، ولولا الحقد المتأجج في عينيه لظن ليو جين حقاً أنه قد هدأ.
«حسناً. أبعد نسيبكَ عن نظري يا شيا فانغ. سنكمل هذا النقاش في النهائيات.»
اتسعت ابتسامة شيا فانغ عند ذلك.
«سأترقب تلك اللحظة بشغف،»
قالها بينما بدأ هو وليو جين بالابتعاد.
«انتـ… انتظر!»
ناداهما وو يان الذي شرع بالفعل في علاج يون هان.
«على كلا المشاركين البقاء لتلقي العلاج.»
«سأحرص على اصطحاب نسيبِي إلى العيادة،»
قال شيا فانغ.
«سيكون بخير. ففي النهاية، لقد تعرض لأضرار بالغة أثناء النزال كما ترون جميعاً.»
كانت كلمات شيا فانغ بلا خجل. فليو جين لم يصبه أذى. ومن يراه لن يخطر بباله أبداً أنه الخاسر في النزال. ومع ذلك أومأ ليو جين برأسه.
«أكاد أتعثر وقوفاً،»
أضاف ليو جين بلا مبالاة. ولم يزدد يون هان بهذه الكلمات إلا غضباً. فها هو يُجبر من جديد على مواجهة حقيقة أنه المحتاج للعناية الطبية بعد نزاله مع ليو جين.
«دعوهما يذهبان.»
ويُحسب لوو يان أن يون هان لم يكررها سوى مرة واحدة. فمواجهة يون هان الغاضب ليست خطوة ذكية. ترك وو يان محاولة إيقاف ليو جين وشيا فانغ ليوجه اهتمامه إلى يون هان، وتألقت يداه بالطاقة وهو يفحصه. غادر ليو جين وشيا فانغ الحلبة ببطء شديد. بلغا عتبة الابتعاد عن أنظار الحاضرين حين سمعا النداء.
«انتظروا!»
ناداهما وو يان مرة أخرى وبدت على وجهه ملامح انزعاج واضحة.
«ألا تراني آخذاً نسيبِي لتلقي العلاج؟»
«معذرة يا سيدي الشاب شيا فانغ،»
قال وو يان مقترباً منهما. ثم تابع بصوت أدنى.
«لكن الأمر لا يحتمل الانتظار. لا بد لي من طرح سؤال على نسيبِك بصفتي طبيباً زميلاً.»
«أهكذا إذن؟ إذن اطق بما في جعبتك!»
على عكس وو يان، لم يبذل شيا فانغ أي جهد لخفض صوته.
«أخشى أنني أستفسر عن طاقة السم التي استخدمتها في نزالك مع سيدي الشاب يون هان. إنها ضرورية لعلاجه،»
قال وو يان بصوت يكاد ليو جين يسمعه.
«وما عساي أقول؟ إنها مجرد طاقة متوافقة مع السم.»
هز ليو جين كتفيه.
«من المفترض أن يتمكن شخص بمستواك من علاج حالته بسهولة. فأنت ابن الطبيب وو، أعظم أطباء مدينة الميناء الشرقي. ألم تكن متلهفاً لاستعراض مهاراتك الطبية؟ كيف لمن تتلمذ على يد طبيب لا يملك طاقة أن يتفوه بما يساعدك؟»
لم يتفوه وو يان بحرف. وأطال ليو جين أمد الصمت.
«إلا إن…»
قال أخيراً.
«كنت تعترف بعجزك عن علاج يون هان. في تلك الحالة، أؤكد لك أن يون هان ليس في خطر. سيتغلب جسده على السم طبيعياً بمرور الوقت. رغم أنني لست متأكداً إن كان ذلك سيحدث قبل انقضاء البطولة. وأظن طائفة يون لن تستحسن الأمر.»
شحب وجه وو يان، وهو ما لم يخفَ على شيا فانغ.
«أهذه هي الحال إذن؟ أتقول إن مهاراتك واهية لدرجة تجبرك على سؤال من جرح يون هان كي يداويه؟»
لم تكن كلمات شيا فانغ خفيضة البتة. بل بلغت أبعد مقعد في الحلبة. سمعها الجميع. وعلم بها الجميع. لقد كان النزال ضد يون هان نجاحاً تامّاً.
~~~ «لقد سارت الأمور بأفضل مما توقعنا.»
«لقد أُصيب وو يان بالذعر،»
قال ليو جين.
«أرعبه احتمال عجزه عن شفاء يون هان. وإلا لما خطر بباله طلب المساعدة على الملأ أبداً.»
كانا يشقان طريقهما عائدين إلى غرفة طائفة شيا الخاصة.
«التفكير في أنه جلب العار لنفسه ولين هان إلى هذا الحد.»
كانت ابتسامة شيا فانغ أصدق ما عهده ليو جين منه.
«هنيئاً لك، لقد أديت دورك بإتقان.»
بطلبه المساعدة من ليو جين، أقرّ وو يان بأن مهاراته لا تكفي لدرء سم ليو جين. وعلاوة على ذلك، وضع يون هان في وضع يحتاج فيه إلى مسونة ليو جين. وقد قدّمها ليو جين بالطبع، ليجلب العار ليون هان مرتين في يوم واحد. وللحق، أدهش ليو جين أن يون هان احتفظ بقدر من ضبط النفس يمنعه من مهاجمته وهو يداويه.
«أظنني فعلت.»
رمقه شيا فانغ بطرف عينه.
«لا تبدو سعيداً. قاتلت يون هان واقتربت من النصر قدر استطاعة أمثالك. توقعت أن تزهو بنفسك أكثر.»
«لست متأكدًا من وجود ما يثير زهوي،»
أجابه ليو جين بصدق. لقد استدرج يون هان متعمّداً، وأجج غضبه وأهانه. أفي هذا ما يبهج؟ تنهد شيا فانغ.
«عجبي منك، فلا أستطيع سبر أغوارك قط. حسناً! سأحرص على الابتهاج نيابة عنا نحن الاثنين.»
وهذه المرة رمق ليو جين شيا فانغ بطرف عينه.
«أستكون بخير؟»
ففي النهاية، خرج ليو جين من المنافسة، بينما لا يزال شيا فانغ فيها. وقد مُني كل من يون هان وو يان بالإهانة اليوم. ولن يستطيعا الانتقام من ليو جين عبر البطولة، لكن شيا فانغ لا يزال هدفاً قائماً.
«لا زلت أصغر من أن تقلق بشأني. أديت دورك على أكمل وجه. دعني أتولى الباقي.»
~~~