~~~ "محال تماماً! لا يمكنك الوثوق بهذا الرجل قط!"
قالت الأخت الكبرى باي، وهي تشير بفضاضة نحو فنغ تشو. كان الثلاثة قد عادوا لتوّهم إلى قصر تنين العاصفة. استردّ ليو جين جزء روحه المفقود ودمجه في جسده، وانضمت إليهم لو مي.
قالت لو مي وهي تعقد ذراعيها: "بالطبع لا نثق به".
استقرت نظرة باردة في عينيها وهي ترمق فنغ تشو الذي ركع في وسط قاعة العرش مرتدياً ابتسامة ساذجة.
"مع أن الثقة لا صلة لها بهذا الأمر بتاتاً يا آنسة باي".
قال فنغ تشو متباكياً وهو يطأطئ رأسه: "ما أقسى هذه الكلمات حين تخرج من فم أختي. ألا تبالغون في ريبتكم هذه؟ لا أرى مشكلة تستدعي كل هذا. الأمر كما شرحته لجلالته تماماً. الفائدة عميمة للجميع".
ضاق قطرا عيني ليو جين وهو يستعيد ما قاله له فنغ تشو قبل أقل من نصف ساعة. ربما لطّخ كشف نسب لو مي سمعة اللورد فنغ شانغ، ولربما وجد اللورد فنغ غوي في ذلك شيئاً من التشفي. غير أن الحقيقة بقيت ماثلة، فقد وضعه الأمر في موقف حرج رغم علمه المسبق به. إن السماح لابنة أخيه، بغض النظر عن كونها ابنة غير شرعية، بالزواج من إمبراطور إمبراطورية تنين العاصفة سيمححه ميزة واضحة. لذا، احتاج اللورد فنغ غوي إلى ما يوازن الكفتين، ولو ظاهرياً.
ولن يتحقق ذلك إلا بتحقيق النصر في بطولة السحاب القرمزي. ولا أهمية لحقيقة أن ليو جين كان نوى المشاركة بالفعل. فكل ما يحتاج أفراد عشيرة اللهب الأبدي لمعرفته هو أن إمبراطور إمبراطورية تنين العاصفة قد قرر انتزاع النصر لصالح اللورد فنغ غوي حيث أخفق اللورد فنغ شانغ.
أوضح فنغ تشو قائلًا: "كان صهري ينوي المشاركة أصلاً. نحن لا نزيد على استغلال ذلك لصياغة قصة مثيرة. أما إن أردتم رواية قصة مختلفة لشعب هذه البلاد، فلا مانع. لكنكم كنتمضطرّون لفعل شيء مشابه على الأرجح. المهمة الوحيدة هي بلوغ الغاية المنشودة، وهنا بالضبط يتدخل هذا الفنغ تشو، الذي يشبه طموحه برجاً يخترق أعلى السحاب".
فتح فنغ تشو ذراعيه وكأنه ينتظر تصفيقاً.
"حماقة!"
لم ينل شيئاً.
قالت الأخت الكبرى باي: "ومن يأتمنك على تدريب أحد؟ من يثق بك أساساً؟! إن تطلّب الأمر توجيهاً، فمن البديهي أن...".
قطعت الأخت الكبرى باي كلامها فجأة. تعذر عليهم رؤية وجهها، لكن الغيظ المنبعث منها كان أظهر من أن يخفى. ابتسم فنغ تشو بخبث.
"أهلاً؟ أكنتِ على وشك عرض خدماتك؟أنتِ؟ عضوة قصر الثلج السماوي؟"
اتسعت ابتسامته لتبدو مستفزة إلى حد بعيد.
"مشاعر نبيلة، لكنها حمقاء يا آنسة باي. لا يمكنك التدخل لمساعدة منافس في البطولة. فهذا يتعارض مع ولائك. أما وبما أن الإمبراطور تشينغ جين وأختي عضوان في عشيرة اللهب الأبدي، فيمكنني تعليمهما ما أشاء بلا أي تعارض في المصالح. بل يمكنني إعطاء أختي دروساً في اللهب الأبدي كذلك. وأنتِ تفتقرين للأهلية التي تؤهلك لفعل شيء مشابه".
هبط البرد على الغرفة فجأة.
قالت الأخت الكبرى باي في اللحظة ذاتها التي تحركت فيها لو مي لتستقر بجانب ليو جين مطلقة دفقة من الحرارة: "احفظ لسانك يا فنغ تشو".
ابتسم فنغ تشو بلا خوف.
"أيتها الآنسة باي، التعرض للضرب على يد امرأة جميلة هو سمة الرجل الناجح. وإن أردتِ إلقاء الدروس عليّ، فجسد فنغ تشو هذا مستعد لتلقيها بكل سرور".
عجز ليو جين عن تبين تعبيرات وجه الأخت الكبرى باي بسبب النقاب الذي يغطيه. ومع ذلك، أدرك أن الاشمئزاز هو الكلمة الأدق لوصف ما تختلج به.
سألت الأخت الكبرى باي بصوت محبط متجاهلة فنغ تشو تماماً: "ألا تدركون جميعاً إلى أي مدى يعد إبقاء رجل مثله طارئاً خطيئة كبرى؟ وجوده بمعيته إهانة للذوق السليم".
قاخت لو مي مبادرة بالحديث: "هذه ليست مسألة ثقة يا آنسة باي. فمن تملك عينين وأذنين تدرك تماماً أن خُلق الآنسة باي يفوق الوصف. وأما أخي فهو كذاب مفطور كما يبدو جلياً، وعاجز عن إلهام أي شيء شبيه بالثقة، فضلاً عن نزواته التي تضر بكل من حوله".
صاح فنغ تشو متهللاً ومتجاهلاً كل شبر آخر من حديث لو مي: "لقد نعتّني بالأخ للتو!"
تابعت لو مي حديثها غير عابئة به كأنها لم تسمعه: "مع ذلك، لا أظننا في وضع يتيح لنا رفض مساعدته".
أغنى كلام لو مي ليو جين عن الكلام. فظهوره بمظهر المنحاز لفنغ تشو على حساب الأخت الكبرى باي سيلحق به الضرر. وللأسف، صدق قول لو مي. لم يكن طرد فنغ تشو خياراً متاحاً. فستفسره عشيرة اللهب الأبدي تفسيراً سيئاً، كما سيجردهم من الحماية الضمنية التي يوفرها وجوده هنا في مواجهة شخصيات كالآنسة فنغ واللورد فنغ شانغ.
قال ليو جين: "بغض النظر عما تبتغيه عشيرة اللهب الأبدي يا أختي الكبرى باي، كنت قد عزمت على المشاركة والفوز ببطولة السحاب القرمزي على أية حال. وأعتقد أن الاتفاق الذي عقدته مع الرياح الهائمة يفرض عليّ ذلك، وإن لم يُصرح به جهاراً".
فعلى أي حال، كيف له أن يثير إعجاب ممارس في مرتبة العالم السماوي بنموه إن أخفق حتى في حصد الفوز؟ ضحك فنغ تشو بالتزامن مع تشكل الصقيع حول الأخت الكبرى باي.
وقالت: "وتلك طامة أخرى!"
توجه غضبها هذه المرة صوب ليو جين. استطاع رؤية عينيها الزرقاوين الباردتين تحدقان به من خلف النقاب.
"لست في موقع يسمح لك بالحديث عن الرياح الهائمة! ربما صرت إمبراطوراً لدولة. وربما تمتعتموه بمواهب فائقة، وربما كنتم إحدى أعظم الموهوبين المولودين خلال القرن المنصرم".
احمرّ وجه ليو جين قليلاً.
تابعت الأخت الكبرى باي: "لكن! الرياح الهائمة تظل الرياح الهائمة! حتى سيدي لن يجرؤ على معاداتها بلا سبب مبرر. وعليك ألا تقدم على ذلك قط!"
قال فنغ تشو: "أوه، أراكِ تحامين عنه، أليس كذلك؟"
ردت الأخت الكبرى باي: "العدالة تقتضي السماح للأخيار بالازدهار. والعقاب وُضع للملتوين والفسدة".
حدقت في فنغ تشو نظرة معبرة للغاية حين نطقت بالجزء الأخير.
قال ليو جين: "أشكر لك قلقك يا أختي الكبرى باي، بيد أن هناك أموراً لزام عليّ إنجازها. وهناك شخص ينبغي لي استرجاعي حتى لو بطل وجوده".
رسم ليو جين صورة سو آن في مخيلته، وتراكبت عليها صورة سو داجي. ومهما تكن حقيقتها في الوقت الراهن، ظلت سو آن شخصاً عزيزاً عليه للغاية. ولا عبرة إن كانت الرياح الهائمة تحتجزها. فسيلتقي بها ثانية. مهما كلف الأمر.
فرك فنغ تشو ذقنه قائلاً: "أراك ترمي بعيداً حقاً أيها الصهر. لا قِبل لي بجعلك قادراً على مواجهة شخص كهذا. لو دريت كيف، لفعلت ذلك بنفسي. لكن، إن اقتصر الأمر على الفوز بالبطولة، فسيكون هذا الفنغ تشو أنفع مما تتوقع".
برقت في عيني فنغ تشو ومضة لم يستساغها ليو جين قط. ولم تكن الأخت الكبرى باي بأحسن حال منه إن دلّ الهالة المنبعثة منها على شيء.
قالت الأخت الكبرى باي بصوت طغى عليه الاستسلام: "لا قِبل لي بمنعك عن سعي وراء غاية نبيلة كهذه يا إمبراطور تشينغ جين. ومع رغبتي الجامحة في مد يد العون، فموقعانا المتبادلان يحولان دون تمكيني من إرشادك. رغم ذلك، سأبقى هنا في الوقت الراهن".
لإبقاء العين على فنغ تشو. لم تنطق بها، لكنها لم تحتاج لذلك. حنى ليو جين رأسه في اتجاهها.
"أشكر لك حسن تفهمك".
~~~ قالت لو مي حين انصرف الجميع إلى غرفهم: "أظن أن الأمر سار بأفضل صورة ممكنة".
لم يكن هناك سواهما. حتى الكلب الذي دأب على مرافقة ليو جين غاب عن المكان. ومنذ قدوم فنغ تشو، أرسله ليو جين إلى ابن عمه. ومع بقاء فنغ تشو والأخت الكبرى باي هنا في المستقبل المنظور، كان الأفضل للكلب أن يظل بعيداً عن الأعين.
ردد ليو جين ناظراً إلى السقف: "بأفضل صورة ممكنة. أظن ذلك. إذا ما أخذنا البدائل بعين الاعتبار...".
لم تكن ثمة حاجة لمزيد من الكلام. قياساً على الكوارث التي كانت ستحدث، يعد التعامل مع فنغ تشو ومحاولة اغتيال فاشلة ثمناً زهيداً للغاية. فعلى الأقل، كل ما يتطلبه الأمر الآن هو الاستعداد لبطولة السحاب القرمزي في أمان إمبراطورية تنين العاصفة. فالدخول في صراع حقيقي مع عشيرة اللهب الأبدي ليس ترفاً يملكونه.
أردفت لو مي: "علاوة على ذلك، يبدو أنني ظفرت بمعلم جراء هذا. فقد بدأت اللفائف التي منحني إياها الشيخ شون تفقد نفها. ويبدو أن إتقان اللهب الأبدي يتطلب أكثر من مجرد نظريات".
سألها ليو جين: "أتنوين قبول عرضه إذاً؟"
"الفرصة أثمن من أن ترفض. وإن أراد تقمص دور الأخ الأكبر، فلا مانع لدي".
أشرقت ابتسامتها.
"سأجعله يشري لي الكثير من الأشياء".
بادلها ليو جين الابتسام. ساوره شعور بأن فنغ تشو يستهين تماماً بالقدر الذي ستجعله لو مي يندم فيه على قطع وعد بشراء غفرانها.
"أأنت محبط؟"
"لكون أخي ذا وجهين؟"
هزت لو مي رأسها نافية.
"لا أظن. فهذا مألوف على الأقل. لكان تعاملي معه أصعب لو كان غير ذلك".
خبت ابتسامة ليو جين. لم يكن ذلك... شيئاً يدعو للسرور.
قال ليو جين مستدعيًا نظرة فضولية من لو مي: "عليّ الاعتذار. فقد قلت أشياء كثيرة قبل مغادرتنا إلى جناح السماء الحمراء. وإذا نظرنا إلى كيفية انتهاء الأمور، فمن الواضح أن كلماتي كانت طائشة".
ابتسمت لو مي بحزن وقالت: "آه. حتى أنت تعجز عن إصلاح ما فسد منذ البدء. أما ما يخص أمي... حسن الأسوأ قد تجنبناه. فلولا إلحاحك عليّ بالمحاولة، لما دريت ما آلت إليه الأمور. والآن، لا شأن لي بهم، ولا شأن لهم بي. وحسبنا ذلك".
لم يبدُ الأمر كافياً، لكن ليو جين صمت. والحقيقة أن لو مي أفضل حالاً بلا عائلتها على الأرجح.
استطرد ليو جين بعد هنيهة: "تحدثت إلى شياو شوانغ. وددت إخبارك مسبقاً، لكن أخاك غير الشغي يتقن لفت الأنظار إليه باستمرار".
علقت لو مي بأسلوبها المعتاد: "آن أوان تخلصكما من مخاوفكما السخيفة تلك".
ضحك ليو جين على نفسه رغماً عنه: "كنت أحمق حقاً. تركت الخوف يبعدني عن شخص عزيز عليّ طوال تلك المدة. وكم كان الوضع سيختلف لو لم أفعل".
"حسن، ستملك وافر الوقت لتعويض ذلك الآن، أليس كذلك؟ أستزورنا؟"
رمق ليو جين لو مي بنظرة. لم يكن في طريقة حديثها أو نبرتها ما يثير الريبة، ورغم ذلك لم يستطع دفع شعور غريب يتخفى تحت سطح هالتها.
أجاب بتردد طفيف: "لست أدري. تبدو الآنسة مينغ يويه وبقية أعضاء قصر الثلج السماوي حريصين على حمايتها بشدة".
أشارت لو مي: "نحن وحدنا هنا. لا مانع يمنعك من وصفهم بالمقيدين والمانعين".
"هذا صحيح".
تحول وجه ليو جين إلى الجدية.
"ثمة أمر ينبغي لي فاتحتك بشأنه".
بقيت لو مي ساكنة.
"أجل؟"
"منذ صرت إمبراطوراً، والجميع يحدثني عن النساء اللاتي يجدر بي اختيارهن، وأهمية الزيجات في توطيد التحالفات، وضرورة إنجاب النسل. وفي خضم هذا كله، كان اتحادنا أمراً محسوماً. يعتقد الجميع أنه واقع لا محالة. ولم يتبق سوى حسم المرتبة التي سأمنحها لكل زوجة".
"وهل حسمت أمرك؟"
لم يغب عن ليو جين كون لو مي تحاشت النظر إليه حين سألته.
هز ليو جين رأسه دافعاً لو مي للالتفات إليه: "ليس هذا قصدي. ما أحاول قوله هو... لم أطلب منك يدك... بمعنى آخر، تركت الأمور تجرفنا إلى هذه النقطة بدلالة الضضمن، لكن هذا... أنا أسيء تصريف الأمر".
فاجأ ليو جين لو مي حين نهض بغتة. سار نحوها وأمسك بيديها بين يديه قبل أن يركع أمامها.
قال ليو جين: "أريدك إلى جانبي. لم أطلب ذلك منك، وكان حري بي فعله. لا طمعاً في تحالف أو ما شابه، بل لأنك أنتِ أنتِ".
لم يسبق ليو جين أن رأى تعبيراً يشابه ما ترسمه ملامح لو مي الآن. فبين احمرار وجنتيها وبريق عينيها، لم تبدُ بمثل هذا الجمال قط.
"أنت... ظننت..."
أقر ليو جين محمرّ الوجه: "أنا رجل أخرق. أقحم نفسي في مواقف ما كان لي أن أقربها وأغازل الموت أكثر مما ينصح به. ولا أظنني سأقلع عن ذلك. لكني أكفل لك السعادة".
احمرّ وجه لو مي حتى صار بلون شعرها.
"لكن حينئذ... الزواج... أنا... التوقيت..."
قال ليو جين: "من الأرجح التريث ريثما نقيم أي مراسم. لا أريد لعشيرة اللهب الأبدي استعجالنا لإنجاب الأطفال".
ارتجفت لو مي وأومأت برأسها: "يبدو ذلك حكيماً".
استطرد ليو جين: "لا أود ظنك بأنني أعتبر وجودك أمراً مسلماً به. وفيما يخص الألقاب الرسمية وما شابه، فلعلّ الأفضل أن أترك أمر حسمها لك ولشياو شوانغ. فاتفاقكما على شيء يقلل من فرص الضغائن. إذن... ما ردك؟"
لم تجبه لو مي بالكلمات. بل هجم جسدها عليه محتضنة إياه لتلتقي شفاههما في المنتصف. وبوسعه الجزم بكامل الثقة أن ما من ذرة في هذه اللحظة كانت خاوية. ~~~