~~~ الشعرة بين العنف والبيروقراطية أرقّ من الورقة. بعد أن أخمد الشيخ بي القتال لمجرد حضوره، توجه الجميع إلى دار العقاب مباشرة. هؤلاء التلاميذ أنفسهم الذين كادوا يذبحون بعضهم قبل لحظات، وُقفوا في طوابير، وملا الاستمارات، وخضعوا للاستجواب قبل زجهم في الزنزانايت. وحد الإصابات البليغة نجت من هذا المصير، ومؤقتاً فقط. سيمثلون أمام دار العقاب فور انتهاء الجناح الطبي. وسيدلون بشهاداتهم كسابقيهم من التلاميذ، وكسابقيهم أيضاً، ستكون تلك الشهادات محملة بتجميلات خفيفة ومبالغات فادحة وأكاذيب سافرة.
كعادته القديمة، قال ليو جين الحقيقة، لا أن الأمر يهم. سيخرجه الشيخ شو في الوقت المناسب، ولو لعدم استطاعتها تحمل سجن هذا العدد من تلاميذها. والأمر سيان بالنسبة للشيخ الباقين. وبينما كان التلاميذ ينتظرون في الطابور، تصاعدت طاقة العديد من الشيوخ بصورة شرسة، ومنهم الشيخ شو. وفور انتهائهم من الجادل —إذ لا يمكن أن يفعلوا شيئاً سواه— سيُطلق سراح الجميع تقريباً. وحتى ذلك الحين، عالق ليو جين في الانتظار.
في المرة الأولى التي وطئ فيها دار العقاب، وُضع في الطابق السفلي الأول، وهو الأقل حراسة. كانت الغرفة مظلمة وتكاد تخلو من الطاقة المحيطة. موقع سيء للاستزراع، لكنه بعيد عن البشاعة. إنه في الطابق الثالث هذه المرة. لا ضوء هناك. ولا صوت ولا رائحة ولا طعم ولا لمس. يعلم ليو جين أنه جالس، لكن فقط لوعيه التام بجسده عبر روحه. وما وراء ذلك، يكاد يعجز عن الإحساس بلحمه. إن حرمان الحواس بمثل هذا الكمال ينبغي أن يخلق ظروفاً مثالية للاستزراع، بيد أن هذه الزنزانة تخلو كلياً من أي طاقة محيطة.
حتى التأمل صار متعذراً على ليو جين الآن. وحالما يحاول الغوص في روحه، يُقذف بوعيه بغتة إلى عالم اليقظة. حضور مزعج وقامع يحوم حوله في كل الأحيان. وحش يتنفس على قفاه. لا يدع ليو جين ينام. لا يدع يسترخي. لا يدع يتجاهله. السلام مفهوم عابر. والهدوء أثر بعد عين. قضى ليو جين ثلاثة أعوام يصارع سمّاً زعافاً هدد بقتله في كل منعطف. ويستطيع الجلوس في هذه الزنزانة للمدة اللازمة. بيد أن الأمر لا يصدق على غالبية التلاميذ الآخرين.
لقد أجبره الانضمام إلى طائفة اللهب الأبدي على الإقرار بأن تكوينه كمستزرع استثنائي للغاية. وحتى عند المقارنة مع أمهر المستزرعين في الإمبراطورية، فقليلون ممن تقارب أعمارهم يبلغون مستواه. وهذا ينبئ بالسوء بالنسبة لهم في الوقت الحالي. القفزة بين الطابقين الأول والثالث لدار العقاب هائلة جداً بحيث تعجز أغلب الأطراف التي تقاتلت في قاعة النزال عن احتمالها. لكان حسناً لو أُرسلت الأغلبية إلى زنازين الطابق الأول، لكن احتمالات حدوث ذلك ضئيلة.
لا يشبه هذا المرة التي ضبط فيها ليو جين والآخرون يقتتلون في الغابة الصيفية. كانت الجريمة هذه المرة أفدح بكثير، وظروف طائفة اللهب الأبدي أكثر تقلبًا بما لا يقاس مقارنة بالماضي. من المرجح أن بان تشيو والعديد من التلاميذ يعانون وحيدين. بالتأكيد، كان كثير من أولئك التلاميذ يتهافتون لنيل المجد بغض النظر عن عدد الجثث التي يتخطونها، لذا لا يشعر ليو جين بالأسف الشديد حيالهم.
غير أن بان تشيو لم يكن في قاعة النزال إلا لأن ليو جين أقنعه بذلك. وإلا، لترك بان تشيو نفسه يذوي في العطارة. سجن من نوع آخر، لكنه أرحم بمراحل من الذي يقبع فيه الآن. ومع أن ليو جين لا يزعم اهتمامه بشخص بان تشيو، إلا أنه يشعر بنوع من المسؤولية تجاه وضعه الحالي. كان حريّاً به تدبير خططة أفضل. يخبره الجانب العقلاني في عقله بأن تعذيب نفسه بما كان مجرد عبث. إنه تمرين عبثي استغرقه مراراً من قبل، ولم يرضه قط مرة واحدة.
بل حريّ بليو جين التركيز على ما استخلصه من تلك التجربة. القوة الداخلية تقف وراء الهجوم على الأخ الأكبر لو بصورة شبه مؤكدة. وفوق ذلك، يمكن استخدام قدرتهم على تعطيل الأساور على عديدين منهم بالتزامن فوق مساحة واسعة نسبياً وبلا أي إنذار ظاهر. لم يشعر ليو جين بأي اضطراب حين عطلها بو جين. بو جين… قطّب ليو جين جبينه. أو هكذا يتهيأ له فعله. فمن عسر بمكان تبين ذلك حين يعجز المرء عن الإحساس بوجهه.
أثبت بو جين أنه أكثر تقلبًا مما توقع ليو جين بأشواط. وحين اقتتلا، استطاع ليو جين استشعار روح بو جين مع كل تلامس. لم يماثل الأمر حين هاجمته طاقة الين الخاصة بونغ شو في مدينة الخيال الليلي. كان هذا… أنقى. حذره كتاب معلمه من وقوع أمر مشابه إذا تقاتل المرء مع شخص لا يزال في خضم إتقان روحه. قوي بالقدر الكافي لاستخدامها في هجماته، لكنه أعزل عن حجب نفسه بصورة ملائمة. بالطبع، ربما أسهمت حالة بو جين العاطفية في ذلك.
الغضب. الإعجاب. الجرح. بو جين… يحترم الشيخ تشيونغ حقاً من أعماق قلبه. أأيتمحض هذا الاحترام فقط لكون بو جين يجهل حقيقة طباع الشيخ تشيونغ؟ يصعب تصديق ذلك. كان بو جين أحد التلاميذ الذين أطعموا بان تشيو السم حين كان معاقباً في الجناح الطبي. ومن المفترض بشخص ببراعة بو جين أن يميز الغاية الحقيقية وراء عقاب بان تشيو. إلا إذا كان إعجابه بالشيخ تشيونغ عظيماً لدرجة أعفته عن رؤية الاحتمال.
أشاح ليو جين بوجهه. ما كان له أن يفكر في أمور كهذه الآن. مهما تكن ظروف بو جين، فهو ليس بالشخص الذي يمكن ليو جين الاستهانة به. وما اضطراره لاستخدام فن اللص الجوال أثناء قتاله إلا دليل ساطع. في المعارك القادمة لن يقوى على التساهل مع بو جين. تفتح باب الزنزانة. للحظة مباركة، عادت إلى ليو جين حواسه بأسرها. لم يذق الهواء قط عذوبة أشهى، ولا بدا الضوء ساطعاً هكذا. وحتى أمر بسيط كالنسيم على جلده غدا رائعاً.
إنه هائم عثر على واحة بعد أسابيع في الصحراء. دخل رجل إلى زنزانته. شعره كحجر السج وجلده كاليزيد. وُسم وجهه بتعبير صارم، وتدلّ رداؤه على كونه شيخاً. تقع طاقته في المستوى التاسع من عالم السماء، لكنها تبدو مختلفة كلياً عن طاقة الشيخ تشيونغ. لهيبتها ثقل، وكثافة في هالتها، لم تُعهد قط لدى الشيخ تشيونغ المُدان. مقارنة الاثنين تضاهي مقارنة السماء بالأرض. إنه الشيخ تشانغ، سجان دار العقاب.
أثناء المأولة، جلس إلى جانب اللورد فينغ شانغ.
"إذن أنت المعجزة التي تفاخر بها شو."
"أنا تلميذ في العطارة أخدم طوعاً للشيخ شو. ولا أتجاسر على ادعاء معرفة رأيها فيّ، أيها الشيخ المُوقَّر"
يرد ليو جين، مستغرقاً لحظة واحدة للتعود على استعادة حواسه. سخر الشيخ.
"أنت صنيعة شو بلا شك."
يُغلق الباب. تُسلب حواس ليو جين كرة أخرى. ويُترك ليو جين وحده في الظلام برفقة شيخ من طائفة اللهب الأبدي.
"قرأت استجوابك. نظريتك حول طبيعة الحادثة كانت مثيرة للاهتمام للغاية."
لا صوت في الغرفة، غير أن الطاقة قادرة على حمل الرسائل. حضور الشيخ تشانغ لا يمكن تقليصه بمكان كهذا. تبث طاقته أفكاره وكأنه يتكلم.
"أيعتقد الشيخ تشيونغ بصحة كلمات هذا التلميذ؟"
مثل الشيخ تشانغ، يرسل ليو جين أفكاره عبر طاقته. غير أن الشيخ تشانغ لا ينتظر وصول طاقة ليو جين إليه. تفتح طاقته فكيها كالنمر وتقبض على رسالة ليو جين. يستشعار ليو جين قدرة الشيخ تشانغ على إنهاء حياته بذات السهولة. بيد أن أمرين يمنحانه الأمل. أولهما أن الشيخ شو حرصت على إدراك الشيوخ الآخرين لأهميته النسبية بإحضاره إلى المأدبة. فموته تحت إمرة دار العقاب سيخلف عواقب ما.
وثانيهما ما أفصح عنه هوانغ شينغ أثناء قتالهما. لا يكترث الشيخ تشيونغ للقوة الداخلية.
"أتعلم أنني أؤيد اللورد فينغ شانغ، أيها التلميذ؟"
"ظننت ذلك، أيها الشيخ المُوقَّر."
"ومع ذلك اتهمت القوة الداخلية بارتكاب المخالفات، عارماً بكم التهاون الذي سيمنحه لك ذلك أمامي."
"أيها الشيخ المُوقَّر، قد تكون هذه دار العقاب. وقد تؤيد اللورد فينغ شانغ، لكن هذا التلميذ يعجز عن تصديق أن كل مؤيدي اللورد فينغ شوي قد تقبلوا اللوم بسذاجة عن الحادثة."
الأمر لا يعني أن دار العقاب ستؤذيهم. فلو خرج كل تلميذ يؤيد اللورد فينغ شانغ سالماً وتعرض غيره لخلاف ذلك، لبان ما حدث جلياً.
"حقاً، بيد أن أحداً منهم لم يضف شيئاً مستفزاً لتلك الدرجة في شهادته."
"أنا مطلع أفضل من أقراني. ولا شيء مميز في الأمر."
لا يرد الشيخ تشانغ فوراً. يحكم عليه بصمت، تاركاً ليو جين يغلي في ظلام زنزانته.
"أتعلم لمَ أؤيد اللورد فينغ شانغ، أيها التلميذ؟"
"لا أدري، أيها الشيخ المُوقَّر."
"يُعلي اللورد فينغ شانغ شأن الاستقرار. لقد أزهرت طائفتنا، طائفة اللهب الأبدي، لأكثر من ألف عام. نتائج بطولة سحاب القرم مؤسفة، لكنها لن تعيق مسيرتنا بجدية بحال من الأحوال. أما اللورد فينغ شوي، فمتهور. لا يكترث للتقاليد وسيحطم بفرح أي قواعد تخدم غاياته. يوالي أبناءه ما دامت فيهم منفعة له. ويوالي نساءه ما دمن يروقن له. إنه رجل رؤيا، ولهذا السبب سيبيد كل عقبة تعترض تلك الرؤيا. هذا هو الرجل الذي تتبعه."
"يجب أن أعترف أنني لم أتعامل قط مع اللورد فينغ شوي."
ومع ذلك، لا تبدو كلمات الشيخ تشانغ كاذبة.
"غير أن رجال اللورد فينغ شوي هم من خرقوا معظم القواعد، أيها الشيخ المُوقَّر."
"النزاعات الداخلية خارجة عن السيطرة"
يقول الشيخ تشانغ.
"حقاً لا أستوعب طريقة تفكير الشيخ دانغ. بيد أنك تجهل الأسوأ."
يميل ليو جين رأسه ويطرف. لم يتوقع موافقة الشيخ تشانغ له بهذه السهولة.
"الأسوأ؟"
"أترَ الشيخ دانغ أحمق لا يحسن سوى إثارة الفوضى؟ إن كنت تظن ذلك، فأنت من ثبت حمقه. القوة الداخلية مجرد جلبة، وليست سوى ستار دخاني. وبينما انشغلت بتلك الشرذمة من الأوغاد، دأب تلاميذه على العمل بجد."
"أيها الشيخ تشانغ، أخشى أن هذا الحقير لا يفهم."
"طبعاً لا تفهم. لو فهمت، لما دعت الحاجة لوجودي هنا. طوال هذا الوقت، عملت النزاعات الداخلية على الإجراءات اللازمة لتحرير أحد مسجوني."
يرتفع حاجبا ليو جين. الشعرة بين العنف والبيروقراطية أرق من الورقة حقاً.
"أنا سجان دار العقاب"
يقرر الشيخ تشانغ. واليقين في صوته يترجم كقوة جسدية.
"ليست هذه وظيفة أمارسها لمتعة. بل لأنها ضرورة ملزمة. لست ضعيفاً كتشيونغ. كان بإمكاني الانعزال لبلوغ عالم الإمبراطورية إن شئت، لكن ذلك يتطلب ابتعادي عن واجباتي في أشد اللحظات حرجاً. هذا أمر مرفوع. غير أنهم يخبرونني الآن بعجز تام سوى مراقبة مجنون يُفك قيده ليطلق على التلاميذ. كلا، لن أقبل بهذا."
"ستحمل رسالة مني إلى الشيخ شو."
~~~