77
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 77: مسرحية 'شين دوليانغ' الصغيرة
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
بقي (باي تشيهان) في غرفته ولم ينصرف إلى التدريب في ذلك اليوم، وهو أمر غير مألوف منه؛ إذ عادته أن يقضي جل وقته في ممارسة طقوس التطهير وزيادة القوة.
ونظر نحو قمة القمر الغامض، فوجدها هادئة جميلة، ساكنة كعهدها دائماً.
لكن هذا السلام لم يدم طويلاً.
فقبل أن يهنأ (باي تشيهان) برشفة من كأس الشاي في فناء داره، تناهى إلى سمعه وقع خطى منظمة وثقيلة تقترب من المدخل.
وإذا بجمع من التلاميذ يرتدون أردية سوداء مطرزة بالفضة يقبلون نحوه، يتقدمهم شيخ صارم الملامح، بدت لحيته الكثيفة وكأنها تجسد الجفاء والجهامة.
ومن ورائه، كان اثنان من حراس المحكمة الخارجية وأربعة من تلاميذ الطائفة الداخلية يحيطون به، كأنهم على أهبة الاستعداد لسوق (باي تشيهان) إلى ساحة القصاص.
«باي تشيهان!» صاح الشيخ بصوت جهوري آمر: «اخرج إلينا!»
رفع (باي تشيهان) حاجبيه، وخرج في تؤدة من تحت ظلال بيته.
«من الطارق؟»
سألهم دون أن يظهر في عينيه أي أثر للوجل، على الرغم من إحاطة هؤلاء القوم به، والذين بدا جلياً أنهم لم يأتوا لغاية طيبة.
«ما الخطب؟ إن كنتم جئتم لتناول الشاي، فليس عندي إلا الأصناف الثمينة الفاخرة، ولا أظنكم تحسنون تذوقها.»
لم يحرك 'الشيخ شان' شفتيه بابتسامة، وبالطبع لم يكن ليفعل؛ فقد بدا الرجل وكأنه نسي كيف تبسم الوجوه منذ نصف قرن.
وكانت هذه المرة الأولى التي يلقى فيها تلميذٌ هيبتَه بمثل هذا الاستخفاف، بل ويبدو كمن يسخر منه جهراً.
«يا 'باي تشيهان'، أتدري ما جرمك؟»
سأل 'الشيخ شان' وهو يقطب جبينه بحدة.
«جرمي؟»
أعاد (باي تشيهان) الكلمة وعلائم الحيرة ترتسم على وجهه.
«ماذا تعني؟ لا أظنني اقترفت شيئاً يستوجب المساءلة.»
وبطبيعة الحال، لم يكن ثمة مجال لأن يصدقه 'الشيخ شان'، أو بالأحرى، لم يكن ينوي تركه يفلت من العقاب بمجرد الإنكار.
«أنت أعلم بما جنته يداك! والتظاهر بالجهل لن ينجيك!»
هكذا أعلن 'الشيخ شان'.
«إن التهمة الموجهة إليك واضحة لا لبس فيها.»
وانفجر 'الشيخ شان' زاجراً، فدوى صوته في أرجاء الفناء كوقع المطرقة.
«لقد زعم العديد من الشهود أنهم رأوك تتجول خلسة حول مغتسَل النساء، بل وشهدت تلميذة مقربة بأنها عاينتك بنفسك تسرق ثيابها الخاصة!»
وخيم صمت ثقيل على أرجاء الفناء.
أخذ (باي تشيهان) يرمش في ذهول.
ثم ضيق عينيه مستنكراً.
«…ماذا تقول؟»
وتبع ذلك صمت طويل.
«أأنت جاد فيما تقول الآن؟»
امتقع وجه 'الشيخ شان' واشتد غضبه.
«لا تختبر صبري وطاقتي.»
«أوه، أنا لا أختبر شيئاً»، قالها (باي تشيهان) وهو يرفع كلتا يديه.
«كل ما في الأمر أنني أحاول فهم أي نوع من الخلل العقلي يحتاجه المرء ليرميني بسرقة ثياب النساء.»
وأدار رأسه ملتفتاً حوله، يتفرس في وجوه الحراس والتلاميذ كأنه يبحث عن ذلك المعتوه بينهم.
«حتى لو افترضنا جدلاً حدوث ذلك، أليس الأمر شأناً يخص الفتيات؟ وهل أنا في مكانتي هذه بحاجة إلى التسلل وراء النساء؟ ألا ترون أنكم تصرفتم برعونة وطيش؟»
«باي تشيهان!» صاح 'الشيخ شان' زاجراً: «كفى! ستقر بذنبك الآن وتسلم نفسك إلى قاعة العقاب!»
«آه، إذن القاعدة هنا هي أنني 'مذنب حتى تثبت إدانتي'. فهمت الآن!»
تمتم (باي تشيهان) وهو يهز رأسه متعجباً.
ثم التفت إلى 'الشيخ شان'، وقد بدت عيناه حادتين حاسمتين.
«اسمعني جيداً أيها الشيخ. لا أدري أي نفس بائسة نفثت هذا الهراء في أذنك، لكني لم أغادر فناء داري منذ يومين كاملين، ويمكنك سؤال الطيور الساكنة هنا.»
«أما زلت تأبى الاعتراف بصنيعك؟»
انخفضت نبرة صوت 'الشيخ شان' مشوبة بالوعيد والتهديد.
«ألن تفعل؟»
«ليس ثمة ما أعترف به أيها الشيخ.»
قالها (باي تشيهان) في برود تام.
«إلا إذا كنت تريد مني أن أتبنى جرماً لم أرتكبه لمجرد أن تسهل عليك مهمتك، وهذا أمر لن يكون أبداً!»
احتد 'الشيخ شان' واشتعل حنقاً؛ فقد رفض (باي تشيهان) حتى مخاطبته بلقبه الرسمي، ومن الواضح أنه لم يلقِ للأمر كله بالاً.
«إذن ستمثل رغماً عنك في قاعة العقاب، وهناك سيفصل في جرمك وتلقى جزاءك.»
وبإشارة سريعة من كم ثوبه، تقدم الحراس نحو الداخل.
ولم يبدِ (باي تشيهان) أي مقاومة، ولم يحاول القتال.
كل ما صنعه أنه أصلح ياقة ثوبه، وتأكد من حسن هندام شعره، ثم سار إلى الأمام بثبات.
«أرجو أن تفلح في إثبات هذه التهمة، وإلا فلا تلمني إن ثأرت لنفسي ورددت الصاع صاعين.»
وبعد ذلك، مضى بهدوء بين الحراس، كأنه في طريقه لحضور مجلس رتيب، لولا أن هذا المجلس معقود لرميه بالانحراف.
وبينما كانوا يسوقونه إلى الخارج، انتشر الخبر في الأرجاء كالنار في الهشيم.
انتشر بسرعة تدعو إلى الريبة والشك.
وكأن هناك من دبر هذه الأقاويل وأعدها مسبقاً قبل هذا الوقت.
وعندما بلغ (باي تشيهان) الطريق الرئيسي المؤدي إلى قاعة العقاب، كان الجمع قد التأم بالفعل؛ إذ وقف عشرات التلاميذ من العامة والخاصة، يتهامسون فيما بينهم في حماسة بالغة لا يكادون يخفونها.
«أهذا هو؟ ذلك المنحرف الذي شوهد يتسلل إلى مغتسل النساء، بل وسرق ثيابهن؟»
«أجل، هو بعينه (باي تشيهان)!»
«أمر مقزز… وهو الشقيق الأصغر لـ 'باي يوتشينغ'.»
«لقد كنت أحسب تلك الشائعات السابقة محض كذب، لكن تبين أنه شخص ينضح بالسوء والقبول أكثر مما قيل عنه.»
«يجب على طائفتنا طرد هؤلاء وأمثالهم دون إبطاء.»
• • •
نظر إليه التلاميذ جميعاً با੍شمئزاز ونفور.
وكان الأمر يدعو إلى الغرابة -بل الشك الريب- كيف طار هذا النبأ في الأرجاء بهذه السرعة الفائقة، في حين أنه هو نفسه لم يعلم بالاتهام إلا قبل دقائق معدودات.
ولم يكن (باي تشيهان) بحاجة إلى إطالة التفكير ليدرك هوية العقل المدبر وراء هذه الخديعة.
إنه 'شين دوليانغ' لا أحد سواه!
ويا للمصادفة العجيبة، فها هو ذا يقف هناك.
على الدرجات الأمامية لقاعة العقاب، منتصباً بمرأى من الجميع، كأنه سيد شاب نبيل يمر من المكان بالمصادفة المحضة.
متعجرفاً، ووادعاً!
وقد كسا وجهه بملامح الغضب المتزن، وكأنه هو الآخر مصدوم ومستاء من هذا الانحطاط الأخلاقي.
‹أداء تمثيلي بارع حقاً!›
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي (باي تشيهان).
مجرد ابتسامة خفيفة، باهتة وعابرة.
لكنها كانت كافية لتفصح عن كل شيء.
«أوه؟ إذن هذا هو الأسلوب الجديد الذي سنلعب به الآن.»
ارتعشت عين 'شين دوليانغ' للحظة خاطفة فحسب.
فلا بد أنه تلمح تلك النظرة، وقرأ فيها انعدام الذعر تماماً.
بل لقد لمح بريقاً من التسلية يلمع في عيني (باي تشيهان)، وكأن خيوط اللعبة كلها تدار في واقع الأمر بين يدي (باي تشيهان) وتحت طوعه.
لكنه سرعان ما نفض الشك عن رأسه، معتقداً أن (باي تشيهان) إنما يمارس الخداع والمكابرة ليس إلا.
وفي اللحظة التي فُتحت فيها الأبواب الثقيلة لقاعة العقاب، تبدل الجو العام تماماً.
إذ جلس الشيوخ في مقاعدهم المرتفعة، وملأ أتباع القاعة الصفوف، وانصبت عيون الفضوليين نحو الأسفل، يتلهفون بشغف لمشاهدة إذلال هذا «المنحرف».
وكان يشرف على هذا المشهد كله 'الشيخ شين'، وهو عم 'شين دوليانغ'.
وكان من المفترض أن يكون هذا النوع من الضغط كافياً لجعل أي تلميذ يرتعد فرائصاً، حتى لو كان بريئاً من التهمة.
ولكن ماذا عن (باي تشيهان)؟
لقد ولج القاعة وكأنه أمير يصعد إلى منصة ملكه.
فبدت وقفته مسترخية، ورفع رأسه في شموخ قليل.
وكانت عيناه تجولان في أرجاء القاعة، وتتفحصان الحاضرين كأنه هو من جاء ليحكم عليهم، لا ليكون متهماً بين أيديهم.
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN
أعمال أخرى لنفس المترجم
إمبراطور الخيمياء
ملك سمات الفنون القتالية