76
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 76: تحطيم الشائعات، وولادة السمعة من جديد
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
كفَّ (باي تشيهان) عن مضايقة 'يون تشنغمي' و'فاي لينغ'.
ولم يكن ذلك رغبةً منه، بل لأنه لمح 'الشيخة تشينغلان' و'لين شوان' يقبلان نحوه.
لم تدرك الفتاتان السر وراء توقفه المفاجئ، لكنهما لم تنتظرا لاستجلاء الأمر، بل آثرتا المضي قاصدتين وجهتهما.
ومع تواريهما خلف المنعطف، أسرع 'لين شوان' خطاه نحوهم، ولمعت عيناه ابتهاجاً فور رؤيته لـ (باي تشيهان).
«سيدي الشاب، هل أنت هنا؟»
وانطلق صوته مفعماً بحماسة بالغة وإعجاب شديد لا يكاد يخفى.
«هنيئاً لك! لقد شهدتُ كل شيء! وإني لفي غاية السعادة لأنك استطعت أن تثبت جدارتك وقيمتك أمام الجميع.»
كانت كلماته نابعة من وجدانه، ونبرته صافية لا تشوبها شائبة تصنع.
ثم انحنى 'لين شوان' برأسه قليلاً مكملاً حديثه: «كل هذا بفضل معونتك لي يا سيدي الشاب».
«فلولاك… لما بلغتُ هذه المكانة أبداً.»
تابعت 'الشيخة تشينغلان' هذا الحوار الدائر بينهما بملاحظة دقيقة.
وتبين لها مما رأته أن الأراجيف والاشاعات التي بلغت مسامعها من قبل كانت عارية تماماً من الصحة.
فقالت 'الشيخة تشينغلان': «يمكنكما متابعة الحديث لاحقاً. هيا بنا الآن».
«أيتها الشيخة، هل لي أن أطلب منكِ طلباً؟»
سأل 'لين شوان' في تهيب وتردد.
فقد كان يستشعر أنه مدين لها بالكثير، وجعله التماس مزيد من الفضل -وإن كان يسيراً- يشعر ببعض الحرج والذنب.
«بالتأكيد. ما هو طلبك؟»
أجابته 'الشيخة تشينغلان' دون أدنى تردد.
ولم تحتج إلى إطالة التفكير؛ فمن أجل كسب موهبة فذة مثل 'لين شوان' لينضم إلى قمتها، كانت مستعدة لإجابة أي رغبة له، ما لم تكن أمراً منكراً.
«هل يمكنني الإقامة في مسكن قريب من السيد الشاب؟»
هكذا طلب 'لين شوان'.
«إذ سيكون من الأيسر عليَّ القيام بخدمته إن كنت على مقربة منه.»
وقد أثار هذا الملتمس دهشة 'الشيخة تشينغلان' و(باي تشيهان) معاً.
إذ كانت 'الشيخة تشينغلان' تعلم مقدار وفاء 'لين شوان' وعجلته بالعرفان، لكنها لم تظن قط أن يبلغ امتنانه هذا الحد من العمق.
فحتى بعد أن تجلت حقيقته كموهبة فذة مباركة من السماء -يتحرق الجميع في ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳ شوقاً لتقديرها وإعزازها- أيزال 'لين شوان' حريصاً على خدمة (باي تشيهان)؟
لقد كان بمقدوره مكافأة هذا الصنيع بطرق أخرى، كأن يطلب من الطائفة تقديم الدعم له، وإعادة الموارد التي نالها من (باي تشيهان) أضعافاً مضاعفة.
ولم يكن ثمة داعٍ لأن يستمر في وضع الخادم.
ومن المؤكد أن الطائفة لن ترضى لزعيمها المرتقب -أو على الأقل لأحد شيوخها الكبار مستقبلاً- أن يضع نفسه في مرتبة دنيئة من أجل امرئ مثل (باي تشيهان)، الذي بلغت سمعته غاية السوء والاضطرار.
إذ لم يكن لأحد في ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳ قاطبة -وربما في إمبراطورية السماء القاحلة بأسرها- ذكر أشنع من ذكره.
ولو كان مكانها شيخ آخر، لبادر على الفور بالتدخل ونهي 'لين شوان' عن إهدار قدره ومكانته في مثل هذا السبيل.
غير أن 'الشيخة تشينغلان' لم تكن تجري على نسق كبار السن وعاداتهم؛ فلم تكن تلتفت إلى المظاهر والشكليات، بل كان جل اهتمامها منصباً على الجوهر والقيم.
وطالما أن 'لين شوان' قد اختار رد الجميل بالقرب من (باي تشيهان) ومتابعة خدمته، فإنها لم تجد مسوغاً يضطرها لمنعه.
«لك ما أردت! هناك دور عديدة تقع بجوار منزل (باي تشيهان)، وبإمكانك اختيار ما تراه ملائماً لك منها.»
فأومأ 'لين شوان' برأسه موافقاً.
«المنزل الأقرب سيكون كافياً جداً.»
لقد اعتاد العيش في كوخ حقير مخصص للخدم، فلم تكن الفخامة تعنيه في شيء، وكان كل همّه أن يكون على مقربة من (باي تشيهان).
وفي أثناء ذلك الحوار الدائر بين 'الشيخة تشينغلان' و'لين شوان'، كان (باي تشيهان) يصغي إليهما بابتسامة هادئة تكسو محياه.
وبدا له جلياً أنه على الرغم من تلك اللحظة الحاسمة والمثيرة التي عاشها 'لين شوان'، إلا أنه حافظ على عهده ووفائه، وكان هذا النبأ ساراً ومطمئناً.
إذ تبين أن 'لين شوان' من أولئك الذين يحفظون الود ويردون الصنيع بأحسن منه، مهما تبدلت الأحوال.
وعلى النقيض من بعض الأبطال الذين ما إن ينالوا قسطاً يسيراً من الدعم من أحدهم حتى يتصرفوا وكأنهم قد سددوا دينهم كاملاً، ثم يشرعون في الصعود والارتقاء نحو آفاق المجد، متناسين تماماً أولئك الذين مدوا لهم يد العون في بداياتهم.
ولا يستفيقون من غفلتهم تلك إلا بعد مضي مئات الفصول، ليجدوا أن ذلك المحسن القديم قد قضى نحبه على يد شرير ضعيف، في الوقت الذي كانوا فيه مستغرقين في أداء دور البطل الأوحد.
• • •
واستطار خبر اختبار التقييم في أرجاء ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳ استطارة النار في الهشيم.
ففي نهاية الأمر، بدأ النبأ يتردد خفوتاً على شكل نجوى وهمسات؛ إذ زعم زاعم أن 'لين شوان'، ذلك العامل البسيط والمستكين الذي قضى أيامه في كنس الدرج وتنظيف المرافق، قد تمكن بالفعل من إيقاظ موهبة نادرة من المرتبة السماوية.
سخر الناس من هذا القول، وظنوه ضرباً من المزاح، بل حسبوه كذباً لا خفاء فيه!
ولكن مع تواتر المزيد من التفاصيل -وتأكيد الشيوخ، وشهادات مختلف التلاميذ الذين عاينوا الحدث بأنفسهم- استحالت تلك الهمسات الخافتة إلى عاصفة هوجاء.
لقد تجاوز ذلك الخادم كل التوقعات والظنون.
بيد أن الأمر الذي فاق نتيجته المذهلة -والتي بلغت المرتبة السماوية- في إثارة الصدمة، هو الكشف عن كونه لم يرتقِ الجبل بمفرده واعتماداً على نفسه فحسب.
فبناءً على رواية بعض التلاميذ الذين شهدوا الواقعة، فقد استعرض 'لين شوان' مهارة فائقة في استخدام تقنية سيف من الدرجة العميقة خلال الاختبار القتالي، وهي تقنية حصرية تملكها ❲عشيرة باي❳ دون غيرها.
وكان هذا الأمر وحده كافياً ليلفت الأنظار ويثير التساؤلات.
ولكن عندما بدأ الناس يربطون الخيوط ببعضها -من حبوب علاجية ثمينة، وزيادة مفاجئة في القوة البدنية، وثبات وهدوء غير معتاد، فضلاً عن ملازمته الدائمة لـ (باي تشيهان) كحارس أمين ومخلص- أخذت الحقيقة تتجلى أمامهم بوضوح.
وما تكشف بعد ذلك أحدث هزة عنيفة في أرجاء الطائفة كلها.
«تمهل… أتقول إن (باي تشيهان) قد منحه أسلوب تدريب من الدرجة الأرضية؟ أتهزأ بي؟!»
«لقد بلغني أنه قطع وعداً لـ 'لين شوان' بوهبه إياه إن وافق على العمل كخادم شخصي له. وبالنظر إلى هذا التقدم الهائل الذي أحرزه 'لين شوان'، يبدو أن النبأ صادق تماماً!»
«ولكن ما الذي يدفع (باي تشيهان) للتفريط في كنز كهذا لشخص غريب؟»
«هنا مكمن الغرابة تماماً؛ فما كان ينبغي له الإقدام على هذا الفعل قطعاً! إن هذا يمثل خرقاً خطيراً لأسرار العشيرة الحصينية، ولو علمت ❲عشيرة باي❳ بأمره، فلن يقتصر العقاب على التوبيخ بل قد يواجه الإعدام، أو يُطرد من العشيرة في أدنى الأحوال ويُجرد من كل ميزة فلا يبقى له سوى اسمه!»
«ما الذي يدور في رأس هذا الرجل بحق الصانع…»
كانت ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳ تموج بحالة عارمة من الصخب والاضطراب.
فقد كانوا ينظرون إلى (باي تشيهان) على أنه سيد شاب مفسد ومتغطرس، يخلو من أي موهبة يرتجى منها أو رادع من خلق.
وقد حيكت حوله أقاويل شتى، تزداد كل واحدة منها غرابة عن سابقتها، حتى صار مثالاً حياً للابن المدلل الطائش.
لكنهم أدركوا الآن أنه يتجاوز بجموحه وطيشه كل ما دار في تلك الشائعات.
إذ بدا أن (باي تشيهان) -بإقدامه على تعليم أسلوب عشيرته الخاص لشخص غريب- لم يقم وزناً لقوانين أهله وعشيرته أو يخشَ عاقبتها.
فإذا كان تعليم مهارة من الدرجة العميقة لشخص غريب من أجل كسب طاعته كخادم أمراً لا يقبله عقل، فكيف بتقديم تقنية من الدرجة الأرضية الرفيعة؟
لو عُرض مثل هذا العرض السخي، لكان حتى مزارع [أصل الروح] مستعداً لتجريد نفسه من مكانته وقبول الخدمة دون تردد.
«قف هنا، أف يعني هذا أن تلك الأقاويل حول إساءة (باي تشيهان) معاملة 'لين شوان' وتعذيبه كانت محض افتراء؟»
«بالتأكيد! فـ 'لين شوان' يمثل الآن موهبة من المرتبة السماوية، وستبذل الطائفة كل ما في وسعها لضمان بقائه وراحته، حتى لو اقتضى الأمر طرد (باي تشيهان) نفسه إن هو رغب في ذلك.»
«ولكنه بدلاً من هذا، التمس من 'الشيخة تشينغلان' شخصياً نقل مقر إقامته ليكون أقرب ما يمكن من مسكن (باي تشيهان).»
وخيم صمت ثقيل مشوب بالذهول على معشر التلاميذ الحاضرين.
«إذن كل تلك الأحاديث الدائرة حول ضربه، وإطعامه سموماً وحبوباً مؤذية لم تكن سوى… تخرصات وهراء؟ لقد كنت واثقاً من أن (باي تشيهان) قادر على ارتكاب تلك الأفعال النكراء.»
«الظاهر أن الأمر كذلك! وليست هذه المرة الأولى التي ينسج فيها الناس الأكاذيب للنيل من سمعة مرء وتشويه صورته.»
ولم يلبث تلاميذ ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳ أن مالوا إلى الاعتقاد بأن (باي تشيهان) لم يكن سوى ضحية لمكيدة دُبرت له بليل، وبدأت نظرهم إليه تتحسن وتتغير نحو الأفضل بشكل ملحوظ.
وبطبيعة الحال، لم تكن هذه المسألة بأهمية فوز الطائفة بموهبة فذة جديدة من المرتبة السماوية.
ولكن بالنسبة لشخص واحد بعينه، كان هذا التحول يمثل معضلة هائلة وأزمة حقيقية.
• • •
في فناء منعزل على إحدى القمم الداخلية، جلس 'شين دوليانغ' وحيداً تحت المظلة، ولم يمس شايَه، وقد قطب حاجبيه بشدة حتى كأنهما نُحتا من حجر.
«عليك اللعنة!»
طق!
تحطمت الكأس التي كانت في يده بصوت انكسار حاد، وتناثرت شظايا السيراميك على الطاولة.
كان كل شيء يسير على ما يرام -أو هكذا كان يظن-.
فقد كان من المفترض أن يكون 'لين شوان' -وهو خادم مغمور- مجرد قطعة شطرنج يحرّكها لتشويه سمعة (باي تشيهان).
ولم يكن يكترث بصحة الشائعات؛ فحتى لو ثبت زيفها، فلن يؤثر ذلك كثيراً، إذ ما زال هناك الكثير من الأكاذيب الأخرى التي يمكنه التمسك بها.
ولكن ما العمل الآن؟
فبسبب الصعود المفاجئ لـ 'لين شوان' وانتشار الأخبار حول صدى الداو السماوي الخاص به في كل مكان، لم يعد الناس يركزون إلا على الشائعات المتعلقة بإساءة (باي تشيهان) معاملته.
والآن، بدأت تلك الخطط تنهار.
أإلى هذا الحد اختار هذا الفتى الصغير الانضمام إلى القمة الغامضة -علناً، وأمام الجميع- بل ووصف (باي تشيهان) بأنه محسنه؟
لقد اعتقد الكثيرون الآن أن الشائعات الأخرى كاذبة أيضاً؛ إذ بدأ الناس يقيسون الأمور كلها على هذا النحو العكسي.
«تشه!»
عبس 'شين دوليانغ'، وضغط على أسنانه غيظاً.
والأسوأ من ذلك، أن الأحاديث الدائرة بدأت تتغير.
ففي الساعة الأخيرة وحدها، سمع 'شين دوليانغ' أشياء لم يكن يتوقع أن يسمعها أبداً.
«لم أكن أعتقد أن (باي تشيهان) كان على عكس ما سمعناه تماماً.»
«أجل، انظر كيف عامل 'لين شوان'، الذي كان مجرد عامل بسيط؛ لقد منحه الكثير من الموارد الثمينة وحتى تقنيات تدريب من الدرجة الأرضية!»
«بل إن الناس يتطوعون الآن لخدمة (باي تشيهان)؛ فقد سمعت بعض التلاميذ الداخليين يقولون إنهم سيفعلون كل ما يأمر به إذا جعلهم من خدامه.»
‹أكريم هو؟ ألطيف؟ أكسب الولاء؟›
«هراء!»
زمجر 'شين دوليانغ'.
فبعد المعاناة من مكيدة (باي تشيهان)، كان الأمر أشبه بتلقي صفعة في كل مرة يمدحه فيها أحدهم.
هل كان سيُظلم لو كان (باي تشيهان) كريماً إلى هذا الحد؟ هل هو لطيف لمجرد أنه يعرف كيف يُخيف الآخرين أو يجبرهم على طاعته؟
صحيح أنه اختلق بعض الشائعات، لكن هذا لا يعني أنها خاطئة تماماً.
لقد اختلق الحادثة الخطأ فحسب.
لقد كان يحمي الناس -الناس الذين قد يقعون في نفس الخديعة التي وقع فيها-.
بالطبع كانت هذه هي المبررات التي ساقها لنفسه أثناء ارتكابه كل تلك الأشياء المروعة.
لكن الآن، كل ذلك العمل الشاق يذهب سدى.
ولم يكن 'شين دوليانغ' ليسمح باستمرار ذلك.
مدّ يده إلى كُمّه وأخرج تعويذة للتواصل.
وقال ببرود: «'فانغ جينيان'».
وبعد لحظات، أجاب صوت مألوف عبر التميمة، وكان صوتاً هادئاً ومتزناً:
«الأخ الأكبر شين. أنتظر أوامرك.»
أظلمت عينا 'شين دوليانغ'.
«حان الوقت. لقد انتهى وقت التظاهر بالود.»
ساد صمتٌ للحظات، ثم جاء صوت 'فانغ جينيان'، وكان يحمل هذه المرة نبرة اهتمام:
«إذن، نحن نمضي قدماً في تنفيذ الخطة؟»
«نعم!»
انفجر 'شين دوليانغ' غضباً:
«سأدمر سمعة (باي تشيهان) تماماً هذه المرة!»
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN
أعمال أخرى لنفس المترجم
إمبراطور الخيمياء
ملك سمات الفنون القتالية