35
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 35: ثمن المبارزة
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
لم تكن الضحكة التي انطلقت من شفتي (باي تشيهان) مدوية ولا مبالغًا فيها، غير أنها كانت كفيلة بزيادة اختناق الأجواء المشحونة سلفًا بالتوتر.
كانت نبرته تفيض بالسخرية، ومحياه يعكس ازدراءً مطبقًا وهو يتكئ بكسل على مقعده.
وقد أوقع هذا التصرف الكثيرين، بمن فيهم 'تشاو تشن' و 'لي فنغ'، في حيرة بالغة.
فقد توقعوا أن يستشيط (باي تشيهان) غضبًا أو أن يبدي استياءه على أقل تقدير، بيد أنه عوضًا عن ذلك، ظل قابعًا في مكانه يقهقه كالمجنون.
«هاها…»
ضحك مجددًا وهو يهز رأسه، وكأنه قد تناهت إلى سمعه للتو أسخف نكتة وُجدت على ظهر البسيطة.
جالت نظراته الحادة في أرجاء القاعة قبل أن تستقر على 'تشاو تشن'.
«من تظن نفسك لكي تُملي عليّ ما يجب فعله؟»
أسكتت كلماته على الفور سيل الهمسات من حوله.
تجمدت ابتسامة 'تشاو تشن' لكسر من الثانية قبل أن يستعيد لباقته المعهودة بسرعة بديهة.
فقد كان 'تشاو تشن' العبقري الفذ لـ ❲عشيرة تشاو❳، ولم يكن ثمة من يجهل قدره أو يجرؤ على التقليل من احترامه على هذا النحو الذي أقدم عليه (باي تشيهان) للتو.
علاوة على ذلك، فقد كان يوجه دفة الحديث بعناية بالغة للضغط على (باي تشيهان) لدفعه نحو قبول التحدي، ولم يكن في حسبانه أن يقلب (باي تشيهان) الطاولة عليه بهذه الصورة.
حتى 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ' قد كابدت لمجاراة فصاحة 'تشاو تشن'، ومع ذلك لم يُلقِ (باي تشيهان) بالًا للمظاهر.
بل إنه قد واجه حديث 'تشاو تشن' بعداء سافر ووقاحة فجة.
«ههههه… وأولئك الذين يزعمون أنه يتحتم عليّ قبول التحدي، فليتقدموا. وأنا أعدكم بأنني لن أدمر عشائركم!»
قالها (باي تشيهان) بنبرة تحمل في طياتها تهديدًا لا يخطئه سمع.
كان جليًّا أنه ساخط على كل من تجرأ على تأييد 'تشاو تشن' ومناصرة أفكاره.
وفي اللحظة التي غادرت فيها تلك الكلمات فاه، خيم صمت مطبق على القاعة بأسرها.
فمن ذا الذي يجرؤ على التقدم الآن؟ ومن بوسعه أن يضمن عدم إقدام (باي تشيهان) على تنفيذ وعيده؟
وحين رأى 'تشاو تشن' (باي تشيهان) يُحكم قبضته على مجريات الأمور ويفرض هيمنته، تقدم خطوة إلى الأمام محاولًا توجيه دفة الحوار لصالحه مجددًا.
«أيها السيد الشاب باي، أليس من غير اللائق أن تتوعد الآخرين لمجرد أن رأيهم لا يروق لك؟ أليس هذا هو التجسيد الحي للاستبداد؟»
كان صوت 'تشاو تشن' رابط الجأش، وتعبير وجهه غامضًا يستعصي على الفهم.
نقر (باي تشيهان) بلسانه وأسند خده بتراخٍ على راحة يده.
«'تشاو تشن'، أتظن حقًّا أن حيلتك المكشوفة تنطلي عليّ؟ لا بد وأنك أشد غباءً مما تبدو عليه إن كنت تعتقد أنني سأنساق وراءك.»
تذبذب تعبير وجه 'تشاو تشن' قليلًا.
«سيدي الشاب (باي تشيهان)! ما الذي ترمي إليه بحديثك هذا؟»
حاول 'تشاو تشن' تصنع الجهل.
سخر (باي تشيهان).
«إنك تتوارى خلف الكلمات المنمقة وتتصنع الأدب، بيد أن غايتك الوحيدة هي الضغط عليّ لأقبل تحدي هذا الأحمق.»
ظل تعبير 'تشاو تشن' هادئًا، غير أن عينيه التمعتا ببريق ينذر بالخطر.
«سيدي الشاب باي، إنني لا أفقه ما تلمح إليه. فهذا لا يعدو كونه تحديًا عــ»
«تحدٍّ عادل؟»
قاطعه (باي تشيهان) ساخرًا.
«كفاك هراءً. منذ متى أصبحت مسؤوليتي الإصغاء إلى ترهات الحمقى؟»
تمدد بتكاسل، مبديًا وكأن الموقف برمته يبعث على الملل.
«'لي فنغ' يرغب في مقاتلتي؟ وما الداعي لذلك؟ ألمجرد أنه يثير جلبة حول خطوبة لا ناقة له فيها ولا جمل؟ لمَ يتحتم عليّ الرضوخ لنزواته؟»
سرت همهمة بين الحشود مجددًا.
ابتسم (باي تشيهان) بمكر.
«أوه، 'لي فنغ'، أتظن حقًّا أنك بطل لقصة حب مأساوية؟ 'أوه، يا مهجة القلب، لا أقوى على رؤيتكِ بصحبة رجل آخر! لا بد لي من تحديه لأبرهن على صدق مشاعري!'»
وضع (باي تشيهان) يده على صدره متصنعًا الأسى قبل أن يقلب عينيه ضجرًا.
«يا لها من مهزلة!»
انفجرت ضحكات بعض الحاضرين، لكنها سرعان ما خبت تحت وطأة التوتر المشحون.
تورد وجه 'لي فنغ' من شدة الغضب.
«أنت-»
لم يقوَ 'لي فنغ' على كبح جماح غضبه بعد أن جُعل أضحوكة على مرأى ومسمع من الجميع.
انتفض جسده بأسره وهو يرمق (باي تشيهان) شزرًا، مشيرًا إليه بإصبع يرتجف.
«'باي تشيهان'! إياك وتجاوز حدودك!»
بصق 'لي فنغ' كلماته.
«هاها… أتجاوزت حدودي؟ إذن فاقتحامك خطوبتي وتحديك لي لا يُعد تجاوزًا للحدود؟»
رد (باي تشيهان) بنبرة ساخرة ولاذعة.
«'باي تشيهان'، إنني أبتغي الإفصاح عن حبي للسيدة 'تشو تشيان' فحسب. أم أن الخوف من منازلتي قد أخذ مأخذه منك؟»
استفزه 'لي فنغ'، وقد بلغ إحباطه ذروته.
ففي بادئ الأمر، كانت غايته مقاتلة (باي تشيهان) امتثالًا لأوامر عشيرته، غير أنه الآن بات يتوق بشدة لتلقينه درسًا قاسيًا.
«هاها… ولمَ عساي ألوث يديّ بمنازلة خاسر يفتقر للروح الرياضية؟ إن كنت تستميت لإثبات شيء ما، فلمَ لا تذهب وتطالع وجهك في المرآة وتقاتل انعكاسك؟»
ساد القاعة صمت مطبق.
لم يدرِ أحد أي حبوب قد تعاطاها (باي تشيهان) لتمنحه هذه الجرأة على الاستخفاف بنوابغ ❲عشيرتي (لي) و (تشاو)❳ – لا سيما وأنه يُعد الفاشل الأكبر في تاريخ ❲عشيرة باي❳.
فلم يكتفِ (باي تشيهان) بتجاهلهم على نحو سافر، بل أمعن في إهانتهم مرارًا وتكرارًا.
حتى 'تشو تشيان' باغتتها جرأة (باي تشيهان).
فعلى أية حال، حتى هي كان لزامًا عليها توخي الحذر في انتقاء كلماتها عند التحدث إليهم، ومع ذلك فقد كان (باي تشيهان) يتفوه بما يحلو له دون أدنى رادع.
‹على أقل تقدير، أنت تمتلك بعض الشجاعة!›
حدثت 'تشو تشيان' نفسها. وارتفعت مكانة (باي تشيهان) في نظرها قليلًا، وإن ظل في عينيها ذاك السيد الشاب المتغطرس ذاته.
بيد أن غطرسته لم تهتز قيد أنملة حتى في حضرة عمالقة إمبراطورية السماء القاحلة.
كان هذا مدعاة للسخرية.
فحين كان (باي تشيهان) يعامل الخدم والضعفاء بهذا السلوك عينه، كان يُنعت بالمتنمر.
ولكن، حينما أظهر الغطرسة ذاتها تجاه أقوى عشيرتين وأكثر أحفادهما موهبة، لم يعد يُنظر إليه فجأة كطاغية – بل كشخص مقدام وشجاع.
فالسلوك هو ذاته، بيد أن الجمهور قد اختلف – ومع ذلك فقد تبدلت نظرة الناس إليه رأسًا على عقب، رغم أنه كان يعامل الجميع على قدم المساواة.
أسند (باي تشيهان) ظهره للخلف بتراخٍ، بنظرات يكسوها عدم الاكتراث.
«وما عسى أن تكون مكافأة هذا النزال؟ إن خسرت، سيتحتم عليّ فسخ الخطوبة… أما إن فزت، فستظل قائمة؟»
سخر.
«أتمزح معي؟ ألا يُعد هذا خسرانًا مبينًا بالنسبة لي؟ 'تشاو تشن'، إنك لست من الغباء بحيث تعتقد أن هذا تحدٍّ منصف، أليس كذلك؟»
بيد أن فسخ خطوبته لم يكن أمرًا مستاءً بالنسبة له على الإطلاق.
غير أنه إن حدث ذلك في ظل هذه الظروف، فسيجلب المتاعب لعشيرته – ورغم أن (باي تشيهان) لم يكن يأبه كثيرًا بمشاكل عشيرته، إلا أنه كان يهتم بشدة بكيفية انعكاس ذلك على حياته الشخصية.
فوالده سيحرص على إذاقته الأمرين جراء خسارته.
فضلًا عن ذلك، لم يكن في وارده أن يترك ❲عشيرتي (لي) و (تشاو)❳ تبلغان مآربهما بهذه السهولة.
كان (باي تشيهان) يوقن بأنه حتى لو لم يُكبح مستوى تدريب 'لي فنغ'، فلا سبيل لخسارته.
لكن أن يقبل التحدي بهذه السهولة؟
كلا!
كان لزامًا عليه أن يعتصر كل فائدة ممكنة من 'لي فنغ' و 'تشاو تشن' أولًا.
ولإدراكه التام لمدى استماتتهم لإذلاله وإرغامه على قبول التحدي – إلى جانب يقينهم بفوز 'لي فنغ' – كان (باي تشيهان) واثقًا من أنهم سيبذلون مكافأة مجزية لحمله على الموافقة.
‹سأخوض غمار ألاعيبكم، ولكن هذا لن يكون بلا ثمن!›
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN