28
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 28: ظلال الماضي
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
وما إن تناهى إلى مسامعهم صوت (باي تشيهان)، حتى التفت الجميع شطر مصدر الصوت.
وقف (باي تشيهان) عند مدخل الحديقة، وقد ارتسمت على ملامحه أمارات الانزعاج.
وفي حين قد يظن البعض أن غضبه مرده إلى اقتراب أفراد ❲عشيرة باي❳ من خطيبته، إلا أن الحقيقة كانت تكمن في استيائه من اضطراره هو، (باي تشيهان)، للمجيء إلى هنا بغية مساعدة 'تشو تشيان'.
كان حضوره، وإن لم يتسم بتسلط لافت، يحمل بين طياته قدرًا من الغطرسة – رغم أن العارفين به أدركوا أن تلك ليست سوى طبيعته المعتادة.
رمقته 'تشو تشيان' بنظرة خاطفة، وقد كسا وجهها تعبير غامض يستعصي على الفهم.
‹إذن قرر أخيرًا أن يسجل حضوره، أليس كذلك؟›
كانت 'تشو تشيان' على يقين تام بأن (باي تشيهان) لن يظهر مطلقًا، غير أنه حضر بالفعل، مما حسن من صورتها عنه قليلًا – على الرغم من أن هذا الانطباع سيظل رهنًا بجهلها أن أخته هي من أجبرت (باي تشيهان) على الحضور.
وما إن حضر، حتى شرع أفراد ❲عشيرة باي❳ في التملق إليه، في حين لاذ بعضهم بالفرار من المكان، رافضين الاحتكاك بفتى ❲عشيرة باي❳ المشاغب.
بينما كان آخرون يعتزمون الحذو حذوهم.
‹يبدو وكأنه ضرب من ضروب الطاعون.›
هكذا حدثت 'تشو تشيان' نفسها حين رأت العديد من أولئك الذين كانوا يضايقونها يفرون بسرعة البرق.
فالأشخاص الذين كابدت الأمرين لطردهم، أخذوا يغادرون على الفور بمجرد وقوف (باي تشيهان) بينهم.
وعلى الرغم من أن هذا المشهد قد ينم عن مدى سوء سمعة (باي تشيهان) وطباعه، إلا أنها شعرت في تلك اللحظة بالرضا حيال هذه الخصلة فيه.
أما 'باي جيان'، من ناحية أخرى، فقد ضيق عينيه قليلًا.
وقال 'باي جيان' بابتسامة ساخرة: «'تشيهان'، كنت أتجاذب أطراف الحديث للتو مع خطيبتك».
ورغم أنه لم يكن يحبذ التعامل مع (باي تشيهان) في أغلب الأحيان، إلا أن موقف اليوم لم يكن ليسمح له بالتراجع بسهولة.
«هاه؟»
بدا (باي تشيهان) منزعجًا وهو يجيل بصره في الأرجاء.
«وأظن أنكم جميعًا هنا للغاية ذاتها أيضًا؟»
قالها (باي تشيهان) وهو يحدق فيهم شزرًا.
أُسقط في أيديهم ولم يدروا ما يقولون، فاكتفوا بالإيماء موافقةً.
تنهد!
لم يكن تنهده بسبب ردة فعلهم. بل على العكس من ذلك، فرغم وجود هذا الحشد الغفير من الناس هنا، كان (باي تشيهان) موقنًا بإخفاقهم.
فبمجرد أن رمق (باي تشيهان) وجه 'تشو تشيان'، أدرك أنهم لن يفلحوا أبدًا في إغوائها، حتى لو مُنحوا ثلاث سنوات.
فقد بدت وكأنها متأهبة لضربهم – تمامًا كما ضربته قبل سنوات – لا كفتاة مشرعة أبواب قلبها للحب.
‹عديمو النفع!›
فكر في نفسه.
«إن كان الأمر كذلك، فليغادر الجميع على الفور!»
أصدر (باي تشيهان) أوامره إليهم بصرامة، وكأنه المالك الأوحد لحديقة ❲عشيرة باي❳.
التفت 'باي جيان' نحو (باي تشيهان) راسمًا ابتسامة هادئة.
«آه، 'تشيهان'. لا داعي لأن تكون شديد العدوانية هكذا،» قالها 'باي جيان' بهدوء.
«كنا نتبادل حديثًا وديًّا فحسب. ففي نهاية المطاف، ستغدو الآنسة تشو جزءًا من ❲عشيرة باي❳. أليس من الطبيعي أن نتعرف عليها عن كثب؟»
أومأ بعض العباقرة الآخرين من ❲عشيرة باي❳ موافقةً، متصنعين البراءة.
فقال (باي تشيهان) ببرود: «كفاك هراءً يا جيان».
«أنا أعي تمامًا ما يدور في رؤوسكم جميعًا.»
ساد صمت وجيز بين أفراد المجموعة.
أطلق (باي تشيهان) ضحكة خافتة.
«لا أكترث بخيالاتكم، لكن دعوني أسدِ إليكم نصيحة – دعوا الأمر وشأنه ما دمت لا أزال أتحلى باللطف.»
لم يعد (باي تشيهان) راغبًا في التعامل معهم، وكان يدرك أنه إن لم يمد يد العون لـ 'تشو تشيان' بينما يواصلون مضايقتها، فسيتم استدعاؤه مجددًا من قِبل 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ'.
ولما كان الأمر كذلك، ولأن هؤلاء الحمقى عديمي النفع لن يفلحوا في مسعاهم مهما حدث، فقد أراد منهم الاستسلام في التو واللحظة لتجنب إهدار وقته.
«ماذا؟ ألم ترحلوا بعد؟»
سأل (باي تشيهان)، وقد بدا عليه الانزعاج الشديد من عصيان هؤلاء القوم.
فحريٌّ بالمرء أن يعلم أن (باي تشيهان) لطالما كان متسلطًا في ❲عشيرة باي❳، ومهما بلغ شأن المرء من القوة، كان لزامًا عليه أن يذعن لأوامره.
‹ألمجرد ظنكم أن مكانتي مزعزعة، تتجرؤون على عصياني؟›
فكر (باي تشيهان).
«هاه! ألمجرد أنني كنت أتصرف بتهذيب بالغ هذه الأيام، تظنون الآن أن بوسعكم معارضتي؟»
‹إنه يكذب!›
جال هذا الخاطر في أذهان الجميع بينما كان (باي تشيهان) يكذب بوقاحة بشأن التزامه بحسن السلوك.
فلو كان حقًّا يتحلى بالسلوك القويم، لما اختلق المشكلات لتلاميذ طائفة سيف مغاوير السماء.
«وأخصك بالذكر يا 'باي جيان'. لا أظنك قد نسيت، أليس كذلك؟»
انقبضت أصابع 'باي جيان' قليلًا، غير أنه حافظ على رباطة جأشه واستقرار ملامحه.
فأجاب 'باي جيان' بنبرة يشوبها التوتر: «ليس لدي أدنى فكرة عما تتحدث عنه».
«أوه؟ ربما ينبغي لي أن أنعش ذاكرتك»، قالها (باي تشيهان) وهو يميل برأسه.
«ألا تذكر توسلك إليّ كي أصفح عنك؟ وقد فعلتُ ذلك – شريطة أن تنصاع لكل ما آمرك به. ماذا؟ هل مُحي ذلك من ذاكرتك بالفعل؟»
تسمر أعضاء ❲عشيرة باي❳ المحيطون بهم في أماكنهم؛ لعلمهم جميعًا بحقيقة ما كان يتحدث عنه (باي تشيهان).
حتى 'تشو تشيان' رفعت حاجبها تعجبًا؛ إذ لم تكن على دراية بمثل هذا الأمر المثير للاهتمام.
اكفهرت عينا 'باي جيان'، بيد أنه أبقى على هدوئه.
«لقد ولى ذلك العهد منذ زمن بعيد!»
صرخ 'باي جيان' ويده ترتجف.
«أحقًّا كان كذلك؟ مجرد صبي صغير اشتد عوده قليلًا، وتظن الآن أن بمقدورك مجابهتي؟»
قالها (باي تشيهان) وهو ينقر بإصبعه على جبين 'باي جيان'.
أطبق 'باي جيان' على فكيه بشدة.
ففي واقع الأمر، لم يكن يومًا سوى صبي تجرع كؤوس التنمر والإذلال المرير على يد (باي تشيهان).
وبالطبع، لم يكن هو الوحيد في ذلك. فربما كابد كل فرد تقريبًا من أفراد ❲عشيرة باي❳ في جيله الويلات، ولو لمرة واحدة على الأقل، على يد (باي تشيهان).
فقبل الشروع في التدريب، كان (باي تشيهان) يفوق الآخرين قوة بأشواط، ولم تكن للموهبة كبير أهمية حينها؛ لعجزهم جميعًا عن ممارسة التدريب.
غير أن (باي تشيهان) كان الوريث الدائم، وبموجب ذلك، حظي بسلطة تفوق أقرانه بكثير.
ومما زاد الطين بلة، أنه نال رعاية فائقة بصفته الوريث، فضلًا عن دلال والدته المحبة، التي لم تدخر جهدًا ولا موردًا لدعمه منذ نعومة أظفاره.
لقد أدرك الجيل الشاب من ❲عشيرة باي❳ أن (باي تشيهان) هو الوريث الشرعي، والشخص الذي يتحتم عليهم الإذعان له.
لذلك، كان بوسع (باي تشيهان) أن يسومهم سوء العذاب كما يحلو له، وخلال تلك الحقبة، كانوا يقفون أمامه مكتوفي الأيدي وعاجزين تمامًا – إلى حد أن الخشية منه ظلت متأصلة في نفوسهم حتى يومنا هذا.
قد يكونون أقوياء، بل ويفوقون (باي تشيهان) قوة بأشواط، بيد أن ندوبهم النفسية جعلتهم يتهابونه، على الرغم من ازدرائهم له واغتيابهم إياه في غيابه.
وقد انطبق هذا الوصف بصورة خاصة على 'باي جيان'، الذي يُرجح أنه كابد من المعاناة على يد (باي تشيهان) أكثر من غيره.
وعلى الرغم من أن (باي تشيهان) لم يلجأ دائمًا إلى العنف الجسدي، إلا أنه كان يعامل أبناء ❲عشيرة باي❳ معاملة الخدم، وكثيرًا ما كان يزدريهم ويضيق الخناق عليهم. وقد وجد 'باي جيان' نفسه على وجه الخصوص عُرضة للملامة على أفعال لم يقترفها – أفعال كانت في حقيقة الأمر من صنيع (باي تشيهان).
وكانت هذه المعاملة القاسية هي الدافع الذي حدا بـ 'باي جيان' للعمل بكد وبلا هوادة؛ فرارًا من تنمر (باي تشيهان) والمعاناة التي رافقته.
وكان هذا أيضًا هو السر الكامن وراء هوسه المحموم بمنصب الوريث – طمعًا في أن يذيق (باي تشيهان) يومًا ما مرارة فقدان كل شيء، ويجعله يقاسي كما قاسى هو.
«'تشيهان'، لا يخيلن إليك أن بمقدورك تهديدي كما كنت تفعل سالفًا. لم أعد ذلك الشخص الضعيف. لقد تغيرت!»
أعلن 'باي جيان' كلماته تلك بصوت حازم ينم عن عزيمة متجددة.
‹هذه المرة، سأتغلب على مخاوفي!›
ففي الماضي، كان الرعب سيتملكه، وكانت غريزته لتقوده صاغرًا للانحناء أمام (باي تشيهان) بفعل ندوب الإذلال الغائرة التي تجرعها سابقًا.
وحتى اللحظة، كان يوقن في قرارة نفسه أنه بات أقوى مما كان عليه في سالف العهد، لكن ذكريات عذابه لطالما كانت تدفعه نحو التردد.
غير أن اليوم… اليوم، قد تبدل شيء ما.
غمرت 'باي جيان' موجة من الشجاعة لم يعهدها منذ سنوات طوال.
لقد حانت اللحظة أخيرًا ليجابه ظلال ماضيه، ويتحرر من القيود التي كبله بها (باي تشيهان) ذات يوم.
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN