174
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 174: المنزل الذي طردني
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
مدّ 'باي تيان هنغ' يده ببطءٍ في خشوع، بينما كانت اللفافة تحوم في الهواء بينهما.
«أسلوب تدريبٍ من الدرجة السماوية!»
كان صوته خفيضًا، لكنه كان مشبعًا بالرهبة والذهول.
حتى هو، بطريرك ❲عشيرة باي❳، لم يبلغ في إتقانه سوى تقنيةٍ من الدرجة الأرضية. كان هذا الكنز شيئًا تشتعل من أجله الحروب بين العشائر والطوائف.
جفّ حلق 'باي تيان هنغ'. شخَص ببصره نحو اللفافة، ثم حوّل ناظريه إلى (باي تشيهان)، ثم إلى السيف الذي لا يزال يطفو في سكونٍ بجانبه.
«يا لك من ولدٍ وقح…» تمتم وهو يهز رأسه بابتسامةٍ ملتوية. «أنت تسعى حقًا لإصابة هذا العجوز بنوبةٍ قلبية.»
تثاءب (باي تشيهان) في برود.
«إن قضيتَ نحبك من فرط الصدمة، فهذا برهانٌ على أن ❲عشيرة باي❳ بحاجةٍ إلى قائدٍ جديد!»
«أنت-!»
استشاط 'باي تيان هنغ' غضبًا من كلمات ابنه القاسية، لكنّ غضبه سرعان ما تلاشى عندما عاود التفكير في تلك الكنوز النفيسة.
«'تشيهان اير'… هل ستهب هذا حقًا للعشيرة؟»
رفع (باي تشيهان) حاجبه في استنكار.
«ماذا، أتريدني أن أستأثر به لنفسي؟ إن كنت في غنىً عنه، فسأحتفظ به إذن.»
«ومن قال إني في غنىً عنه؟ كنت أتساءل فحسب.»
رمقه 'باي رين' بنظرةٍ كمن يحدق في إوزةٍ تضع بيضًا من ذهب.
«إنه أسلوب تدريبٍ من الدرجة السماوية! بفضله، ستتضاعف قوة ❲عشيرة باي❳ مراتٍ ومرات. وحينها، لن تقوى ❲عشيرتي لي و تشاو❳ على الوقوف في وجهنا!»
تمتم 'باي تيان هنغ'.
«بمقدورنا توريث تقنيتنا السرية الحالية من الدرجة الأرضية لكل فردٍ من أبناء ❲عشيرة باي❳، واستبقاء هذه التقنية السماوية لنخبة العباقرة.»
أضاف 'باي رين'.
أومأ 'باي تيان هنغ' موافقًا.
«ما زلنا بحاجةٍ إلى التباحث مع بقية الشيوخ، بيد أنني أستبعد أن يعارض الفكرة أيٌّ منهم. أما بخصوص سيف الرتبة المقدسة، فيتحتم علينا إخفاؤه حتى تدعو الحاجة إليه حقًا.»
ففي نهاية المطاف، كانت 'باي شينيو' تستقطب بالفعل اهتمامًا عارمًا نحو ❲عشيرة باي❳.
وإذا شاع خبر امتلاكهم قطعةً أثريةً من الدرجة المقدسة، فقد تتعرض ممتلكات ❲عشيرة باي❳ للغزو في اليوم عينه.
ثم وجّه أنظاره مباشرةً إلى (باي تشيهان).
«ولكن، إن كنت مستعدًا للتفريط في كنزٍ كهذا بهذه السهولة… فأنا أفترض أن غنيمتك من تلك الأنقاض كانت أوفى مما تدّعي.»
لم ينبس (باي تشيهان) ببنت شفة، لكنّ انحناءة شفتيه الطفيفة كانت كفيلةً بالإفصاح عن كل شيء.
ضحك 'باي رين'.
«هه. احتفظ بأسرارك. يكفي أنك على استعدادٍ لرد الجميل لعشيرتك.»
وفجأة، اكتست نبرة 'باي تيان هنغ' بالجدية والصرامة.
«سنحتاج إلى الاستعداد.»
تغيرت الأجواء في التو.
كان كل من في الغرفة يدرك تمامًا ما يرمي إليه 'باي تيان هنغ'.
• • •
ومن ناحيةٍ أخرى، اجتاحت 'باي شينيو' موجةٌ عاتيةٌ من الحنين عند عودتها إلى ❲عشيرة باي❳.
مسقط رأسها ومرباها.
وقفت 'باي شينيو' في سكونٍ على حافة الفناء، وأثوابها ترفرف في رقةٍ مع نسائم الهواء.
البلاط الحجري المألوف تحت قدميها… أشجار الخوخ الباسقة في الحديقة الداخلية… حتى عبق بخور زهر البرقوق المنبعث من قاعة الأجداد في الأفق—
كل شيءٍ كان كما عهدته.
ومع ذلك، كان شعورها مختلفًا تمامًا.
كان هذا المكان هو ما تدعوه وطنها ذات يوم، لكنها لم تعد قادرةً على قول الشيء نفسه الآن.
تحسست بأصابعها أحد الأعمدة القديمة قرب بوابة الفناء، وقد صقله تعاقب السنين. لم يتبدل تعبير وجهها الخارجي.
لكنّ قلبها كان يضطرب بين ضلوعها.
«ما زالت شامخةً بعد كل هذه السنين…» همست في خفوت.
تسمرت خادمةٌ قريبةٌ في مكانها عند سماع صوتها، وسارعت بالانحناء وهي تتلعثم: «آنسة 'باي شينيو'… هذه الخادمة تُحيّيكِ».
رمقتها شينيو بنظرةٍ عابرة، بوجهٍ غامضٍ لا يشي بما يختلج في صدرها.
«أنتِ… 'لُوه تشـِـينغ'، أليس كذلك؟»
«نعم!»
أجابت 'لُوه تشـِـينغ' يعلوها العجب من أن 'باي شينيو' ما زالت تذكرها بعد طيّ هذه السنين.
قالت بابتسامةٍ باهتةٍ يشوبها الإرهاق: «كنتِ تُخبّئين لي زهور اللوتس المسكرة عندما كان يُحظر عليّ الخروج».
«يُسعدني أن أراكِ ما زلتِ هنا.»
أومأت 'لُوه تشـِـينغ' برأسها في توتر.
فرغم معرفتهما السابقة في أيام الطفولة، إلا أن المقام والمكانة قد تبدلا جذريًا الآن.
وفضلًا عن ذلك، فقد تناهى إلى سمعها حصول 'باي شينيو' على ميراث الإمبراطور الخالد.
ورغم جهلها بطبيعة ذلك الميراث بالتحديد، إلا أنه من خلال مراقبة ردود أفعال الجميع – كان بوسع أي إنسانٍ عاديٍّ أن يدرك عظم شأن هذا الأمر.
ولم يكن اختيارها لخدمة 'باي شينيو' نابعًا من تعرضها للتنمر مجددًا – فليس بعد ما أقدم عليه (باي تشيهان) في الماضي.
بل كان بمحض إرادتها وتطوعها.
كان الآخرون يهابون 'باي شينيو'. حتى أن بعض كبار الشيوخ كانوا يعاملونها باحترامٍ يشوبه الحذر والترقب.
كانوا يخشون أن يُودّعوا حيواتهم إن هم اقترفوا خطأً ما.
أما 'لُوه تشـِـينغ' فكانت تعرف 'باي شينيو' حق المعرفة. كانت تُدرك أنها ليست كما يتوهمها الآخرون.
ولأن الخوف قد أطبق على قلوب الآخرين، تقدمت هي لتولي هذه المهمة.
علاوةً على ذلك، ومع توافد السيد 'بـَـاي يـُـوتشيِنغ'، و'الشيخة تشينغلان'، وجمعٌ من شيوخ ❲طائفة سيف مغاوير السماء❳، أضحى خدم ❲عشيرة باي❳ يرزحون تحت وطأة إرهاقٍ شديد.
أما بالنسبة لـ 'لُوه تشـِـينغ'، فقد كان الأمر أيسر حالًا. فرغم التزامها بخدمة (باي تشيهان) بعد عودته، إلا أنه نادرًا ما كان يثقل كاهلها بالمهام.
لذا، ارتأت أنه من الأفضل أن تمدّ يد العون وتساهم بما تستطيع.
وقد حاول البعض ثنيها عن عزمها خشية ما قد يُقدم عليه (باي تشيهان)، لكنها أصرّت على موقفها. بل وأكدت أنها ستتولى توضيح الأمر للسيد الشاب بنفسها.
وهكذا، انتهى بها المطاف هنا!
«ذلك الوغد لم يُسئ معاملتك، أليس كذلك؟»
لم تكن بحاجةٍ لتبيان من تقصده 'باي شينيو'.
«السيد الشاب يعاملني بغاية الإحسان. حتى أنني غدوت خادمته الشخصية.»
«ماذا؟ أصبحتِ خادمة ذلك الرجل الشخصية؟ هل تجرّأ واعتدى عليكِ؟»
اتسعت عينا 'لُوه تشـِـينغ' واكتسى وجهها بحمرةٍ قانية. وأخذت تلوّح بيديها في انفعالٍ شديد.
«لا! يا آنسة! لم يقدم السيد الشاب على أي فعلٍ مشين! إنه… لقد كان في غاية اللطف معي. صدقيني!»
ضيقت 'باي شينيو' عينيها، وبدا عليها عدم الاقتناع.
«لطيف؟ (باي تشيهان)؟ هل نتحدث عن نفس الشخص؟»
خفضت 'لُوه تشـِـينغ' بصرها وتحدثت بصوتٍ خافت: «لقد تبدل حاله… كثيرًا».
أوقفت هذه الكلمات 'باي شينيو' للحظة.
تباطأت خطاها وهي تواصل مسيرها نحو الفناء، بينما كانت 'لُوه تشـِـينغ' تتبعها في هدوء.
هل تبدل حاله حقًا؟
تردد صدى هذه الكلمة في ذهنها، مُخلّفًا وراءه مرارةً لا تُنكر.
لقد بلغت مسامعها بعض الشائعات بالطبع، لكنها تمحورت في مجملها حول تحوله من شخصٍ لا نفع فيه إلى عبقريٍّ فذ. أما طباعه؟ فلا تزال على حالها من السوء.
ومع ذلك…
«هل ذكرني بشيء؟»
سألت 'باي شينيو'، وكأن الكلمات قد أفلتت منها قسرًا.
رمشت 'لُوه تشـِـينغ'.
«آه… ليس كثيرًا.»
«همف!»
تظاهرت 'باي شينيو' بعدم الاكتراث، لكنّ شعورًا خفيًا بالخذلان كان يعتمل في أعماقها.
‹ذلك الرجل… لم يُكلف خاطره بالتفكير بي ولو لبرهةٍ بعد كل ما اقترفه. وماذا كنتُ أرتجي منه غير ذلك؟›
«إذن، يا 'لُوه تشـِـينغ'، ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟»
«آنسة 'باي شينيو'، لقد جُهّزت غرفتك. لكِ أن تخلدي للراحة إن شئتِ، أو… هل ترغبين في تفقد بقية المكان؟»
«هلمّ بنا إلى الغرفة. أودّ أن أرتاح!»
فبعد كل شيء، لقد كان يومًا طويلًا ومضنيًا – حافلًا بالتوتر وخطر الموت المحدق في كل لحظة.
وحتى هذه اللحظة، لا يسعها أن تتخلى عن حذرها.
لربما استمالها (باي تشيهان) للذهاب برفقته، لكنها لن تمنحه ثقتها أبدًا.
واصلتا المسير دون انقطاع حتى توقفتا عند تخوم ساحة التدريب.
هناك، كان بضعة تلاميذٍ صغار يتبارزون – وهم بالكاد قد بلغوا عالم [تكوين النواة]. أوقفوا تدريبهم فور رؤيتها، وأخذوا يتهامسون فيما بينهم.
«هل هذه هي…؟»
«تلك التي ورثت إرث الإمبراطور الخالد؟»
«سمعتُ أنها كانت وصمة عارٍ على العشيرة…»
«والآن؟ لربما غدت أشد بأسًا من كبار الشيوخ!»
«شش! اكتم صوتك! أترغب في نيل العقاب؟»
• • •
لم تميز 'باي شينيو' وجه أيٍّ منهم.
وعوضًا عن ذلك، تسمرت عيناها على عمودٍ خشبيٍّ متهالكٍ ومتشقق يقبع في زاوية ساحة التدريب.
لا تزال ندوبٌ باهتةٌ لضربات السيف تُغلفه.
ندوب سيفها هي.
طالما اعتادت التدرب هنا صبيحة كل يوم – إيمانًا منها آنذاك بأن كدّها واجتهادها سيجعلانها يومًا ما فردًا أصيلًا من العائلة.
أفلتت ضحكةٌ مريرةٌ من شفتيها.
«كم كنتُ ساذجةً…»
«وألستِ كذلك الآن؟»
انبعث الصوت من خلفها.
استدارت 'باي شينيو' لتبصر (باي تشيهان) مقتربًا، وقد عقد يديه خلف ظهره، تعلو محياه ابتسامته المعهودة.
«باي تشيهان!»
كادت تصرخ باسمه، واشتعلت عيناها بنيران الغضب في التو.
«'لُوه تشـِـينغ'، ما الذي تفعلينه برفقتها؟»
سأل (باي تشيهان) في لامبالاة، بعد أن فطن لوجود 'لُوه تشـِـينغ'.
«أنا… أنا أقوم على خدمة الآنسة 'باي شينيو'!»
أجابت 'لُوه تشـِـينغ'.
قطب (باي تشيهان) حاجبيه قليلًا، ظنًا منه أنها قد تكون عُرضةً للتنمر من جديد – ولكن بالنظر إلى سطوته وهيبته، استبعد أن يبلغ الغباء بأحدهم مبلغ تكرار فعلةٍ كهذه.
«أحقًا؟ إذن تابعي عملك.»
تحدث بهدوءٍ وسكينة.
ثم وجّه أنظاره شطر 'باي شينيو'، التي بدت وكأنها على شفا الانفجار من فرط الغضب.
‹لا تقوى حتى على كبح جماح انفعالاتها وتتوهم أنها قد نضجت.›
لم يملك (باي تشيهان) سوى أن يهز رأسه في إشفاق، وهو يرمق 'باي شينيو' تترك العنان لمشاعرها كي تستعر أمام عين عدوٍّ محتمل.
فلا ينبغي للمرء أن يُعرّي مشاعره الحقيقية أمام الخصم، لئلا يتخذها مطيةً لاستغلاله.
كانت 'باي شينيو' تملك القدرة على السيطرة على انفعالاتها. وقد تجلى ذلك في مواقف لا حصر لها.
لكن في حضرة (باي تشيهان)؟
كلا وألف كلا!
فمجرد رؤية ابتسامته المتعجرفة… وملامحه التي تصرخ باستعلائه على العالمين… وافتقاره التام لأي ذرةٍ من الندم…
كل تفصيلةٍ فيه كانت كفيلةً بإشعال نيران غضبها حتى أقصاها.
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN
أعمال أخرى لنفس المترجم
إمبراطور الخيمياء
ملك سمات الفنون القتالية