160
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 160: الألم الذي يصنع الوحش
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
«آآآآآآآه!»
في اللحظة التي ولجت فيها إلى الغرفة، تناهت إلى مسامعها صرخات ألمٍ لا تنقطع، تتردد أصداؤها من حنجرة (باي تشيهان).
‹ما الذي يفعله؟›
لم يكن هذا قطًّا يمت بصلة لأي ضربٍ من ضروب الزراعة الطبيعية التي توقعت أن يمارسها.
ولم يبدُ عليه أنه يعاني من انحرافٍ في طاقة التشي، نتيجة اتباع نهجٍ خاطئ في الزراعة.
وبالنظر إلى المواد المتناثرة من حوله، تمكنت، على نحوٍ ما، من استنتاج أن (باي تشيهان) يمر بعملية صقلٍ لجسده.
ولكن…
بالنظر إلى طبيعة تلك المكونات، ومستوى زراعة (باي تشيهان) الحالي، خالجها شعورٌ بأنه يخوض غمار تجربةٍ تفوق طاقته وقدرته على الاحتمال.
دم وحشٍ من الدرجة السابعة – لم يكن مكونٌ كهذا مما يطيق مزارعٌ في عالم [أصل الروح] أن يتحمله.
فحتى دم وحشٍ من الدرجة الخامسة يُعد استعصاءً على مزارعٍ في عالم [أصل الروح] أن يقوم بصقله، ومع ذلك، كان (باي تشيهان) يتجرع دم وحشٍ من الدرجة السابعة.
بل إن بعض المواد المحيطة به فاقت ذلك في ندرتها وقوتها.
«أيّ تقنيةٍ لصقل الجسد هذه؟»
تساءلت بقايا الروح في حيرة.
بفضل سعة اطلاعها وغزارة علمها، لم تكد توجد تقنيةٌ غابت عن مداركها.
وعلى الرغم من تعاقب آلاف السنين، واحتمالية ابتكار تقنيات جديدة، إلا أنها في جوهرها كانت لا تخلو من تشابهٍ مع تقنياتٍ سابقة.
غير أن أسلوب الصقل الذي كان ينتهجه (باي تشيهان) الآن – لم تكن لديها أدنى فكرة عن ماهيته، حتى مع حصيلة معارفها المتراكمة على مر آلاف السنين.
طفت بقايا الروح في سكونٍ تام، وعيناها تسمّران على الفتى وهو يتلوى ألمًا في الأسفل.
إن العذاب الذي كان يكابده (باي تشيهان)… لم يكن مجرد ألمٍ جسدي عابر. فمسار طاقته ذاته بدا وكأنه يتمزق إربًا ثم يلتئم من جديد.
إنه ضربٌ من العذاب الذي يقوى على سحق عزائم مزارعين بلغوا عالم [الخلود]، ويجعل أشد الرجال بأسًا يتوسلون الموت رحمةً.
ومع ذلك… لم يتوقف.
لم يساوره التردد حتى بعد تجرعه الزجاجة الأولى.
ولما خفتت صرخاته لبرهة، رمقت يده المرتعشة تمتد – لتقبض على بلورةٍ سوداء خشنة تنضح بطاقةٍ مهلكة أكّالة.
مادةٌ استُخلصت من لُبّ وحش الفراغ.
لم تكن مجرد سُمٍّ زعاف، بل كانت مادةً تلتهم قوة الحياة بنهمٍ وشراهة.
عقدت بقايا الروح حاجبيها في دهشة.
لم تصدق ما تراه عيناها.
لم يعد الأمر مقتصرًا على صقلٍ للجسد.
هذا… هذا كان أمرًا آخر يفوق الوصف.
«…هذه التقنية…»
تمتمت بصوتٍ خافت، يكسوه مزيجٌ من الشك والفضول.
‹إنها لا تشبه أي شيءٍ شهدتُه من قبل… بل إنها تتفرد عن غيرها حتى بين تقنيات الدرجة الخالدة.›
لقد سبرت أغوار آلاف التقنيات خلال حياتها، بل وابتكرت العديد منها بنفسها.
بدءًا من الفنون القديمة المحرمة التي توارثتها الأجيال منذ عصر الفوضى، وصولًا إلى أحدث الابتكارات التي صيغت في السماوات.
ورغم ذلك، لم يكن أيٌّ منها يداني هذا الجنون الذي يتكشف أمام ناظريها.
فتلك الرجفة التي اجتاحت جسد (باي تشيهان)، وتمزقه ثم التئامه…
وتلك الطريقة التي تذبذبت بها طاقته الحيوية ‹تشي› بعنفٍ وجنون، رافضةً الاستقرار، وكأنها تُصاغ بالقوة والقهر…
لم يكن هذا صقلًا للجسد.
بل كان إعادة بناءٍ وهيكلةٍ له.
«هذا… قد يتجاوز حتى مستوى الخلود»، همست بصوتٍ تسلل إليه وجلٌ ورهبة.
«أيعقل أن تكون تقنيةً أقدم حتى من عصر الفوضى؟»
راقبته وهو يتناول قارورةً أخرى – هذه المرة كانت تعجّ بضبابٍ قرمزي يتصاعد وينبض كقلبٍ حيّ.
قطرة دمٍ من طائر العنقاء؟
رغم أنه كان يصرخ من وطأة الألم، إلا أنه كان عازمًا على تجرع قطرة دم طائر العنقاء، تلك التي ستزيد من عذابه أضعافًا.
‹مجنون…›
سكبها في حلقه دون أن يرف له جفن.
لتنطلق صرخةٌ مدوية من أعماقه بعد لحظات، وتوهج جلده بحمرةٍ قانية وكأنه أُلقي في أتونٍ مستعر.
ولكن مع ذلك، لم يتوقف.
حتى مع تشنج أوصاله وانتفاضة جسده.
حتى مع تدفق الدماء من مقلتيه وأنفه وأذنيه.
حتى مع تكسر عظامه كزجاجٍ هشّ تحت وطأة الضغط المهول.
كانت غالبية المزارعين ستفقد وعيها منذ زمنٍ بعيد، وربما كان آخرون سيجنّ جنونهم. ورغم كل هذا، ظل (باي تشيهان) واعيًا – متيقظًا – لا يلين له عزم.
لانت ملامح بقايا الروح، وخفتت حدتها.
‹لم تكن هذه التقنية صالحةً لكل من هب ودب. بل إني لا أحسب أنني كنت سأقوى على تحمل مثل هذا العذاب المرير.›
فعلى الرغم من أن عملية صقل الجسد كانت جبارةً وفعالةً بصورة جلية، إلا أنها لم ترَ أنها تناسب الجميع.
فالكثيرون سيلقون حتفهم بمجرد تعاطي مادةٍ واحدةٍ لصقل الجسد، فما بالك بتناول مزيجٍ من هذه المواد الفتاكة.
ثم جال بخاطرها الشخص المقدر له أن يرث ميراثها، والذي ترجح أيضًا أن يكون 'باي شينيو'.
فبعد أن تابعت مسار تقدمها في المحاكمة الثالثة، ألمّت بجوانب شخصيتها وطبيعة معدنها.
بطيبتها، وعزيمتها، وموهبتها التي ظنت أنها تضاهي موهبتها هي.
وعلى الرغم من يقينها التام بأن وريثها سيكون شخصًا يماثلها، إلا أن الشكوك بدأت تساورها منذ أن لاح (باي تشيهان) في الأفق.
فلولا حساباتها – وكون الميراث قد صُمم خصيصًا ليناسب فتاة – لما ترددت لحظةً في منحه لـ (باي تشيهان).
أيقنت أنه حتى 'باي شينيو'، على الرغم من موهبتها الفذة، كانت ستهلك في الخطوة الأولى لو حاولت صقل جسدها باستخدام تقنية (باي تشيهان) هذه.
على أية حال، كانت على يقين من أن تقنية صقل الجسد التي كان (باي تشيهان) ينتهجها، تفوق حتمًا أي شيءٍ يمكنها أن تقدمه له.
علاوة على ذلك، فإن هذه التقنية لم تكن تكافئ مجرد الطموح، بل كانت تفرض تضحيةً جسيمةً وألمًا لا قِبل لأحدٍ بوصفه.
ومع ذلك…
فإن أكثر ما أثار دهشتها لم يكن الأسلوب المتّبع أو المكونات المستخدمة.
بل كانت عيناه.
إذ لم يلح فيهما أي طيفٍ للخوف، ولا أثرٌ للتردد، ولا ومضةٌ لليأس.
لم يكن هناك سوى تصميمٍ وعزمٍ باردٍ كالحديد الصلب.
لم تعترِ عزيمته أي شائبةٍ من الوهن، مما أظهره كشخصٍ مختلفٍ تمامًا عن ذلك الذي عرفته سابقًا.
كان انطباعها الأولي عنه أنه شابٌ متعجرف، لا ريب في موهبته – محظوظٌ بنِعَم القدر، ولكنه غرٌّ ساذج.
شخصٌ لم يعتد على الكدّ والعمل الدؤوب، ولم يذق طعم المعاناة الحقيقية.
لكن يبدو أنها قد أخطأت التقدير بشأن (باي تشيهان).
لقد أنقذ الأرواح، واعتنى بالآخرين، وفي نهاية المطاف، بذل روحه في مقاتلة النَاغُور ليتيح للآخرين فرصة الفرار من ساحة المعركة.
‹ما الذي يحمل هذا الفتى على المضيّ إلى هذا الحد؟›
وقفت صامتة، يغمرها شعورٌ مبهمٌ يعتصر صدرها.
أهو إعجاب؟ أم شفقة؟ أم حيرةٌ وتساؤل؟
لم تفلح في تبيّن كنه ذلك الشعور.
لكن أمرًا واحدًا كان جليًا كالشمس –
لقد تاقت روحها لمعرفة إلى أين سيفضي مسار هذا الفتى.
وما الذي سيغدو عليه بمجرد أن يبلغ نهاية دربه.
«أيعقل أن يكون هو الآخر الشخص الذي قُدّر له إنقاذ هذا العالم؟»
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN
أعمال أخرى لنفس المترجم
إمبراطور الخيمياء
ملك سمات الفنون القتالية