144
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 144: وصول الأميرة القرمزية
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
أُدخلت الأسلحة النارية إلى أرض الزراعة.
وهكذا، تبدل كل شيء.
وفي المرة التالية التي أقبلت فيها الوحوش النَاغُورية، تظن أنها عائدة إلى ساحة صيد يسيرة، لم تجد ذعرًا ولا مدنيين يطلقون صرخات الفزع.
بل وجدوا في استقبالهم الرصاصات.
بدأ الأمر بدورية واحدة.
تقدم (باي تشيهان)، حاملًا بندقيته البدائية على كتفه كأنها أداة حرب سامية.
وتبعه 'هونغ تاو' و'لاو شين'، يحمل كل منهما نموذجًا أوليًا جديدًا.
كان القصد أن يختبروا المدى والدقة فحسب.
لكنهم بدلًا من ذلك، وقعوا في كمين.
اندفعت مجموعة من كلاب الجحيم ذات العيون الأربعة، تصر بأسنانها وتعوي متعطشة للدماء، من بين ظلال مبنى مهدم.
في الماضي، كان هذا الموقف سيشكل معضلة؛ فقد كانت كلاب الجحيم سريعة الحركة، وجلودها بالغة القسوة.
وعادةً، كان الأمر يتطلب فريقًا من نخبة الجنود للإيقاع بكلبٍ واحد منها — هذا إن حالفهم الحظ.
لكن هذه المرة؟
بومↈ بوم!
ↈ بوم ↈ
ثلاث طلقاتٍ. وثلاث جثثٍ هامدة.
لم تبلغ الكلاب مبتغاها حتى؛ فسرعتها لم تكن شيئًا يُذكر أمام سرعة الرصاصة.
أنزل (باي تشيهان) مسدسه، وقد بدا وجهه يعلوه الهدوء.
فطرف 'لاو شين' بعينيه وتساءل:
«أهذا كل شيء؟»
وحدق 'هونغ تاو' في الأشلاء المتفحمة للوحوش متمتمًا:
«لم يقتربوا حتى…»
كانوا يوقنون أن البندقية سلاح فتاك، لكن بدا أنهم، رغم ذلك، قد استهانوا بقدرتها.
فكلاب الجحيم ذات العيون الأربعة، التي كانت تبث الرعب سابقًا بسرعتها الجنونية — تتفادى الهجمات وتشن الكمائن — قُتلت دون أن تقوى على فعل أي شيء.
وكان 'لاو شين' و'هونغ تاو' في غمرة الحماس لتمكنهما من قتل أول وحوش نَاغُورية بأيديهما.
فعادةً، بالنسبة لأشخاصٍ بسطاء وضعفاء مثلهما، لم يكن قتل وحش نَاغُوري سوى حلم بعيد المنال.
لكنهما حققا ذلك الحلم بفضل هذا السلاح. وبسهولة تامة.
مضوا في جولةٍ لاختبار الأسلحة — أو بالأحرى، غدت الجولة نزهة ممتعة بعد حين — وقبل أن يؤوبوا إلى الملجأ، كانوا قد أردوا ما يقرب من عشرين وحشًا نَاغُوريًا.
وهو رقم مذهل لفريق مؤلف من ثلاثة أفراد، اثنان منهم لم يسبق لهما أن قتلا وحشًا نَاغُوريًا قط.
وفضلًا عن ذلك، لم يشارك (باي تشيهان) نفسه في معظم عمليات القتل التي أنجزوها.
وما إن عادوا، حتى طفق 'هونغ تاو' يتباهى بإنجازه أمام الجموع في الملجأ، رغم أن كل ما فعله لم يتعدَّ الضغط على الزناد.
أصغى الآخرون في دهشة غامرة، ولم ينفكوا يكيلون المدح لـ (باي تشيهان) لابتكاره هذا السلاح في وقت الشدة.
ثم وقع الاختيار على خمسة أشخاص آخرين لتجربة البندقية واختبارها. فغمرتهم جميعًا مشاعر الدهشة والحماس إثر تجربتهم الأولى.
وبفضل هذه الأسلحة، انعقدت آمالهم العظام على استعادة ما كان ملكًا لهم في سالف الأيام.
لقد بدأت عملية استعادة الضباب الحديدي!
كان الهجوم كاسحًا! وفعالًا! ومن طرفٍ واحد!
وغدت الوحوش التي طالما بثت الرعب في النفوس مجرد أهدافٍ للتدريب.
واجتاحت الدوريات المسلحة — بقيادة (باي تشيهان)، ومدعومة بالبارود الأسود وترسانة متنامية من الأسلحة — الأنقاض كأنها لهيبٌ مستعر من الجحيم.
في الماضي، كان تطهير منطقة واحدة يستغرق شطرًا من اليوم. أما الآن؟
فلم يعد يتجاوز عشر دقائق!
بانغ.
أعد التلقيم. بانغ. اضرب.
هجومٌ لا يعرف الرحمة!
حاول بعضهم الفرار، بينما اندفع آخرون في هجوم أعمى.
ولكن ذلك لم يجدِ نفعًا.
فبمجرد سماع صوت نقرة الزناد، كانوا يخرون صرعى.
قد تتصدى جلودهم لضربات السيوف. وقد تحطم مخالبهم متانة الدروع.
لكن لم يقوَ أي منها على إيقاف رصاصة تنطلق بسرعة تفوق سرعة الصوت.
وحتى الوحوش النَاغُورية — التي تمتاز بدفاع أصلب — لم تكن ندًا للقوة التدميرية الهائلة التي تخلفها رصاصة تخترق الجمجمة.
وماذا لو كانت جلودهم أشد سماكة؟
قد ينجون من رصاصة واحدة، ولكن هل يسعهم النجاة من عشر رصاصات متعاقبة؟
وأولئك الذين برعوا في الدفاع فحسب، لم يمتلكوا وسيلة لشن هجوم مضاد، فكانوا يماطلون لكسب الوقت حتى ينهار دفاعهم وتخترق رصاصة أدمغتهم.
كانوا أشبه بالفرائس السهلة — إذ لم يتطلب الإجهاز عليهم سوى رصاصة إضافية.
لكن (باي تشيهان) أدرك أنه رغم فعالية البندقية ضد الوحوش النَاغُورية منخفضة الدرجة، فإنها لن تكون بالفاعلية ذاتها أمام الوحوش رفيعة الدرجة.
فقد تطلب الأمر وابلًا من الرصاص وطاقمًا من المقاتلين المهرة للإطاحة بوحش نَاغُوري من الدرجة الثانية. وفي الماضي، كان هذا أمرًا محالًا حتى باجتماع الجنود والمدنيين معًا.
غير أن هذا جعله يدرك أيضًا أن السلاح لن يجدي نفعًا كبيرًا إن واجهوا وحوشًا نَاغُورية من الدرجة الثالثة فما فوق.
وحسنًا، لقد توقع ذلك بالفعل.
فحتى جسده الحقيقي لن يتأثر برصاصة. ولم تكن الأسلحة النارية فعالة إلا لكونها تُستخدم ضد وحوش نَاغُورية ضعيفة.
وعلى أي حال، فبالنظر إلى وضعهم الراهن، كانت البندقية هي أفضل سلاحٍ يمكنهم الظفر به.
وتوسع الملجأ نحو الخارج، متمددًا شارعًا تلو الآخر بعد تطهيرها.
واستُحيلت المباني المنهارة إلى أبراج مراقبة ومراكز عسكرية.
وجرى إنقاذ الناجين المحاصرين في جيوب متفرقة من المدينة بأعداد غفيرة — بالعشرات، بل وبالمئات في كل مرة.
وفي كل مرة، لم يكن في استقبالهم جنودٌ يرتعدون خوفًا، بل محاربون بوجوهٍ صارمة، يحملون فوهاتٍ مدخنة وفولاذًا باردًا.
وبالنسبة لمن تم إنقاذهم، أضحى (باي تشيهان) كيانًا آخر تمامًا.
لم يعد مجرد رجل.
ولا حتى بطلًا مغوارًا.
بل حاصد أرواحٍ في هيئة بشر، يرتدي السخام والدم كتاجٍ على رأسه.
لم يركن إلى الراحة قط. وقلما ابتسم. وبالكاد تفوه بكلمة.
لكنه حين وقف في وجه الوحوش المهاجمة، أبادهم جميعًا دون أن يمنحهم أدنى فرصة للمقاومة.
وعلى الرغم من تطوير الأسلحة النارية وتوزيعها، إلا أن (باي تشيهان) نادرًا ما لجأ إلى استخدامها؛ إذ ظل وفيًا لسيفه مفضلًا إياه.
•
• •
وداخل الملجأ، تبدلت الأحوال أيضًا.
فطفق الأطفال يلهون ببنادق خشبية، يقلدون أصوات إطلاق الرصاص ويتظاهرون بأنهم (باي تشيهان).
وتدرب الجنود ليل نهار، حتى تقرحت أيديهم من كثرة تدريبات إعادة التلقيم.
كانت الأسلحة لا تزال شحيحة، غير أن وتيرة الإنتاج كانت في تصاعد مستمر، حيث وضع 'لاو شين' نصب عينيه أولوية صنع أكبر عدد ممكن منها.
لإدراكه التام بأنها طوق نجاتهم الوحيد للخروج من هذا الجحيم.
وكان يُستقبل كل سلاح جديد كما يُستقبل المولود الجديد.
وتُحصى كل رصاصة بدقة. وتُحاط بالعناية. وتُعامل بتبجيل.
لأن كل رصاصة كانت تعادل حياة.
أو تجلب الموت.
ولم يذق النوم جفن لورشة الحدادة الخاصة بـ 'لاو شين' قط.
وكان البارود الأسود يُخزن بعناية في غرف محصنة.
أما (باي تشيهان) فقد كان غارقًا في بحر أفكاره.
إذ لم يكن يدري كم من الوقت سيستغرق اجتياز هذه المحاكمة.
فقد انقضى أسبوع بالفعل على بدايتها، وبدا أنها بلا نهاية تلوح في الأفق.
وبغض النظر عن عدد الوحوش النَاغُورية التي صرعها، وأعداد من أنقذهم من الناس، وحجم الأراضي التي استردها، فإنه ظل يجهل كنه هذه المحاكمة.
‹ما حقيقة هذه المحاكمة بالضبط؟›
هكذا تساءل (باي تشيهان) في نفسه.
في تلك اللحظة، ظن أنه قد يهتدي إلى طرف خيط، غير أن كل ما وقعت عليه عيناه لم يكن سوى دمار لا حد له يعم أرجاء هذه المدينة الشاسعة، ولا شيء سواه.
‹ما الذي تبتغيه 'الإمبراطورة الخالدة في ليان' من وراء هذه المحاكمة؟›
لم يمتلك أدنى فكرة.
فوجه بصره شطر المدينة الداخلية.
‹هل يقبع الهدف داخل المدينة الداخلية؟ وهل ينبغي لي التوجه إلى هناك؟›
جالت ببال (باي تشيهان) فكرة ولوج المدينة الداخلية.
ورغم أن المدينة الداخلية بدت متدثرة بحاجز يحميها، إلا أن (باي تشيهان) أدرك بفطنته أنها ليست سوى مصفوفة تشكيل منخفضة المستوى، لا يرضى باستخدامها حتى أضعف أفراد الطائفة.
لكن بالنسبة للبشر العاديين، ربما حسبوها حاجزًا منيعًا لا يُخترق.
وكان في ميسوره التسلل إليها بسهولة تامة ودون عناء يُذكر.
غير أنه بطبيعة الحال، من يدرك ما يقبع بداخلها؟
فلم يشأ أن يستهين بهذا المكان لمجرد أنه بدا هينًا عليه حتى الآن.
وفي تلك الأثناء، عاد فريق من مهمة مطاردة الوحوش النَاغُورية، والابتسامات تعتلي وجوههم.
بيد أن (باي تشيهان) أحس بأن ثمة من يقتفي أثرهم.
فخزر (باي تشيهان) بعينيه وتفرس في الأفق.
لاحت له بعض الأشباح على مسافة بعيدة.
وبدا أنهم بارعون في إبقاء مسافة آمنة بينهم وبين الآخرين ومحو أثرهم — وإن لم يفلحوا في ذلك مع (باي تشيهان).
ولم يحرك ساكنًا، مكتفيًا بالتظاهر بالجهل في الوقت الراهن.
وبعد برهة من الزمن، خلص (باي تشيهان) إلى استنتاج مفاده أنهم لم يكونوا من القتلة أو الأعداء.
ورجح أنهم إما قدموا من ملجأ آخر للناجين، أو — وهو الاحتمال الأرجح — من الأحياء الفقيرة في المدينة.
وبعد فترة وجيزة، تواروا عن الأنظار.
وغابوا لبضعة أيام قبل أن يقدموا إليه شخصيًا، وحينها علم أنهم أتوا بالفعل من المدينة الداخلية.
أوضحوا مهمتهم، وأفاضوا في الحديث عن مدى روعة الأسلحة وكيف يمكنها أن تغدو طوق النجاة للمدينة.
ثم التمسوا من (باي تشيهان) أن يرافقهم، متذرعين بأن ذلك أمرٌ صادر من أميرتهم.
لكن (باي تشيهان) قوبلهم بالرفض القاطع على الفور. إذ استحال عليه التكهن بما إن كان الشخص الذي سيقابله حليفًا يوثق به أم عدوًا يتربص.
وبالنظر إلى تخاذل المدينة الداخلية وتخليها عن المدينتين الوسطى والخارجية، فقد مال ظنه أكثر نحو الاحتمال الأخير.
«القائد باي، إن أميرة العرش القرمزي تبتغي التحدث إليك شخصيًا. ألا يسعك تخصيص نزرٍ يسير من وقتك؟»
هكذا حاول قائد الكشافة إقناع (باي تشيهان).
فقد خُيل إليه أن سبب رفضه قد يعزى إلى انشغاله بأمر الناجين وحرصه على رعايتهم.
«حتى وإن كانت الأميرة ذاتها — إن أرادت مني شيئًا — فمن الأجدر بها أن تأتي هي إليّ، وليس العكس.»
ألح قائد الكشافة متسائلًا مرة أخرى، ظنًا منه أن (باي تشيهان) يحمل ضغينة للأميرة.
«والوزراء أيضًا يرغبون في التحدث إليك.»
كذب قائد الكشافة في محاولة يائسة لإقناع (باي تشيهان) بمرافقته.
???
‹إذا كنت لا أعبأ حتى بتلبية نداء أميرتكم، فما الذي يدفعني للمجيء لمجرد رغبة الوزراء؟›
غير أن (باي تشيهان) فطن للأمر سريعًا. فقد كانت ألاعيب السياسة متجذرة في كل مكان، ولم تكن هذه المدينة استثناءً؛ فمقاليد السلطة فيها كانت موزعة.
فرد بردٍ مماثل، مشددًا على أنه بغض النظر عن هوية السائل، فإن أرادوا منه شيئًا، فليأتوا هم إليه — وليس العكس.
والتمس قائد الكشافة أيضًا اصطحاب إحدى البنادق معه، لكن (باي تشيهان) رفض ذلك رفضًا قاطعًا.
فقد راوده الشك في أن غايتهم الحقيقية لم تكن سوى الاستحواذ على السلاح. ولو وقع في أيديهم، فربما لن يتسنى له لقاء الأميرة أو الوزراء أبدًا.
كان يدرك يقينًا أنه سيضطر لمقابلتهم في نهاية المطاف، لربما لفهم غاية هذه المحاكمة، لكنه آثر أن يتم ذلك في معقله، حيث يمتلك زمام المبادرة والأفضلية.
أدرك (باي تشيهان) أن الأميرة قد لا تقدم بنفسها أبدًا؛ فالأمر محفوف بمخاطر جمة.
ولكن، من كان ليتوقع ذلك؟
فبعد سويعات قلائل من حديثه مع قائد الكشافة…
قدمت الأميرة بالفعل إلى ملجأهم.
«مرحبًا، أنا الأميرة 'في ليان'! هل لي أن أتحدث إليك؟»
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN
أعمال أخرى لنفس المترجم
إمبراطور الخيمياء
ملك سمات الفنون القتالية