143
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 143: دعوة مرفوضة
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
«يا صاحبة السمو!»
قال 'الوزير رين' بنبرة حادة، متجردًا من أي تظاهر بالاحترام.
«بالتأكيد لا تصدقين حقاً خيالات هذا الكشاف…؟ أسلحة قادرة على صرع الوحوش النَاغُورية بضربة واحدة؟ مدنيون يقاتلون؟ لا بد أنه يهذي!»
وأومأ نفرٌ من الوزراء الآخرين موافقين.
لم يرق لهم أن تأخذ الأميرة كلام الكشاف على محمل الجد، أو أن تُقْدِم على خطوة أخرى كسابقتها – بالحديث عن إنقاذ المدينة الوسطى.
فلمَ نهدر موارد ثمينة في إنقاذ عامة الناس الذين باتوا في حكم الموتى؟
من الأجدر ادخار الموارد حتى تسأم الوحوش النَاغُورية وترتحل إلى مكان آخر.
قالت بصدق: «لم أقل إنني أصدق ذلك، لكنني أعتزم التثبت من صحته».
«فلننتظر فحسب عودة الكشاف ومعه قائد الملجأ والسلاح. وحينها سنجلو جميعًا وجه الحقيقة.»
•
• •
وبعد انقضاء خمس ساعات…
مالت الشمس للمغيب خلف أبراج قصر ڤيرميليون الشاهقة، حين انفرج البابان التوأمان للقاعة الرئيسية مجددًا.
وتعلقت به كل الأنظار حين ولج الكشاف – لا يزال متدثرًا بدرعه الملطخ بالدماء والأوساخ.
وحيدًا.
مرة أخرى.
بلا قائد.
ولا سلاح.
هو بمفرده فحسب.
فساد الصمت بغتة. صمتٌ ثقيل ومريب.
نهضت الأميرة ببطء من مجلسها في صدر القاعة، وقد أصدرت أرديتها القرمزية والذهبية حفيفًا خافتًا.
وازدادت نظراتها حدة.
«أين هو؟ قائد الملجأ؟»
توقف الكشاف في وسط القاعة، وأطرق برأسه.
«يا صاحبة السمو، إنه… إنه لم يأتِ معي.»
فانتشرت الهمهمات على الفور – غاضبة، ساخرة، ومكذبة.
«لقد كذب! لم يكن هناك سلاح قط! بل إنني أشك في وجود ناجين من الأساس.»
«بكل تأكيد! كان حريًا بنا أن ندرك ذلك. لا بد أنه يضمر خطة ما. يا أميرة، يجب أن نلقي القبض عليه ونستجوبه.»
«لمَ سمحنا لهذه المهزلة بالتمادي؟ ولمَ أهدرنا وقتنا الثمين مع هذا الرجل؟»
•
• •
ضرب 'الوزير رين' بكفه على الحاجز الرخامي الماثل أمام مقعده.
«إنك تهيننا جميعًا بعودتك خالي الوفاض! أتحسب بلاط ڤيرميليون أضحوكة؟!»
وأردف 'الوزير دوان' ببرود: «تخير إجابتك بحذر، فبغير دليل لا وزن لشهادتك، وبث الآمال الكاذبة في أزمنة الحرب جريمةٌ عقابها الإعدام».
أحكم الكشاف قبضتيه وارتجف قليلًا، لكن حينما نطق، خرج صوته جليًا.
«لقد نطقت بالحقيقة!»
أجاب الكشاف مسرعًا.
«أين إذن هذا الزعيم المزعوم؟ وأين السلاح الذي يُفترض به أن يصرع الوحوش النَاغُورية بضربة واحدة؟»
انفجر 'الوزير رين' غاضبًا.
رفع الكشاف رأسه وقد اشتد فكاه توترًا:
«لقد أبى المجيء.»
ضيقت الأميرة عينيها في دهشة:
«وهل أخبرته أن هذا كان بطلبٍ مني؟»
«نعم، يا صاحبة السمو!»
أومأ الكشاف برأسه، وقد بدا عليه جليًا عدم الارتياح.
«لقد أخبرته أن أميرة العرش القرمزي تبتغي التحدث إليه شخصيًا.»
فخيم صمتٌ مطبق على القاعة.
وتابع الكشاف قائلًا: «فقال إنه حتى وإن كانت الأميرة ذاتها… فإن أرادت منه شيئًا، فمن الأجدر بها أن تأتي هي إليه».
شهقات.
غضب. وصمتٌ مذهول سرعان ما استحال إلى فوضى عارمة.
«يا لها من وقاحة!»
«كيف يجرؤ؟!»
«ما هذا الزعيم المزعوم سوى همجي وقح!»
«أيتجرأ مدني على استدعاء حضور ❲العائلة المالكة❳؟!»
•
• •
وفي غمرة صراخهم بتلك العبارات، كان الكثيرون منهم يضحكون في قرارة أنفسهم؛ إذ تجلى لهم إلى أي مدى انحدرت مكانة الأميرة.
«إذن ربما يتحتم علينا توجيه الدعوة من طرفنا.»
هكذا قال 'الوزير رين'، ظنًا منه أن زعيم الملجأ قد يكون من الموالين له وسيقبل استدعاءه بدلًا منها.
«معذرةً، بيد أن القائد – قائد الملجأ – قد شدد على أنه بغض النظر عن هوية الشخص، فإن أرادوا التحدث إليه، فعليهم الذهاب إليه بأنفسهم.»
هكذا تحدث الكشاف ببالغ الصراحة.
لربما خطر ببال الكشاف أيضًا أن ذلك القائد يمقُت ❲العائلة المالكة❳ شأنه شأن كثيرين، فطلب منه ذلك نيابة عن الوزير، بيد أن طلبه ذاك قوبل بالرفض بالشرط ذاته.
فإن راموا الحديث إليه، فعليهم أن يسعوا إليه – وليس العكس.
نهض 'الوزير دوان' من مقعده، وهو يرتعد من فرط الغضب.
«يا صاحبة السمو، يجب أن نجرد إليهم فرقة في الحال! ونلقي القبض على هذا الرجل بتهمة الخيانة العظمى!»
ووافقه آخرون الرأي؛ فمنذ متى يُغتفر مثل هذا السلوك المتعجرف لعامة الناس؟
غير أن الأميرة رفعت يدها، ومجددًا، خيم الصمت على القاعة.
«ألم يمنحك أحد الأسلحة أيضًا؟»
هز الكشاف رأسه قائلًا:
«لا يا صاحبة السمو. لقد طلبتُ إحضار واحدٍ منها، لكنه أبى. وعلل ذلك بأن ما لديهم منها نزرٌ يسير – ولا يسعهم التفريط في أي منها.»
فسخر بعض الوزراء مرددين:
«أوهامٌ وجنون عظمة!»
بقيت تعابير الأميرة عصية على الفهم. وكانت يداها مقبوضتين بشدة داخل أكمامها، لكن نبرتها ظلت هادئة.
«وماذا قال أيضًا؟ أكانت له أية مطالب؟ هل أبدى اكتراثًا بالقدوم إلى المدينة الداخلية؟»
أخذت تفكر؛ لعل هذا الرجل يبتغي صفقة. رشوة، أو حماية. صفقة أنانية بحتة لينجو بنفسه ويجمع ثروته.
نعم، سيكون ذلك جشعًا، ولكن هل تملك حقًا أن تلقي باللائمة عليه؟
لقد ظلت قابعة في كنف أسوار القصر المنيعة، عاجزةً عن إنقاذ المدينة الوسطى أو الخارجية.
ولم تكن في موضعٍ يسوغ لها أن تلوم أحدًا سوى نفسها.
هز الكشاف رأسه.
«لم يبدُ مكترثًا بأي من هذا. بل في واقع الأمر… لا أخاله يهاب حتى الوحوش النَاغُورية. لقد سخر منا قائلًا إننا حفنة من العاجزين الذين لا يقوون حتى على حماية مدينة من مثل هذه المخلوقات الضعيفة.»
فهاجت موجة أخرى من الغضب.
وتعالى صياح الوزراء، منادين بالقصاص، وواصفين الكشاف بالكاذب، والقائد بالخائن.
وترددت في أرجاء القاعة أصداء الدعوات لشن عمل عسكري.
لكن الأميرة أغمضت عينيها للحظة.
ثم فتحتهما.
«يكفي!»
قالتها بهدوء، فشق صوتها غمار تلك الضجة كشفرة حادة.
فسكت الوزراء.
‹أيعقل أن يبلغ الغرور بقائد الملجأ هذا المبلغ وهو يواجه كارثة محدقة؟ هل أسلحتهم من القوة بحيث بات لا يكترث حتى للوحوش النَاغُورية التي تجوب المكان؟›
هكذا حدثت الأميرة نفسها.
لقد أدركت ذلك يقينًا: إن الشخص الذي يقود الناجين في المدينة الوسطى مفرط الغرور، وجريءٌ لدرجة تفوق الوصف.
لكن… إذا كان قد أنجز حقًا ما ادعاه الكشاف… فلربما كان من حقه أن يغتر هكذا؟
«إذن،»
قالت بهدوء، «هو مستعد لمقابلتي… شريطة أن أذهب أنا إليه؟»
«هذا ما يبدو جليًا يا صاحبة السمو!»
«همم… وهل تظن أن بوسعنا الوثوق بهذا الرجل؟»
«أجل، يا جلالة الأميرة!»
أجاب الكشاف بحزم.
«إنه يحظى بثقة الناجين قاطبة. فقد بسط يد العون لهم جميعًا؛ سواء كانوا جرحى، أو ذوي نفعٍ، أم لا.»
لم يكن الكشاف قد استوعب بعد كيف استهان الرجل بسلطة الأميرة بتلك البساطة – وأمرها بأن تأتي هي إليه.
فقد حاول إقناعه بكل ما جاد به فكره من وعودٍ، وترقياتٍ، وثروات، غير أن الرجل لم يحد عن موقفه قيد أنملة.
ومع ذلك، فإنه قد عاين السلاح.
لقد رأى بنفسه مدى قوته وبأسه.
كان يوقن أن على الأميرة وكبار القادة أن يشهدوا بأنفسهم قوة هذا الشيء الذي أطلقوا عليه اسم «بندقية».
فلو فعلوا، ربما… وربما فقط… سيغدون قادرين على حماية مدينتهم دون الحاجة إلى التعويل على أحد.
«…حسنًا إذن!»
قالت الأميرة أخيرًا بصوت ثابت رابط.
«لقد اتخذت قراري. سأذهب للقاء زعيم الناجين. فمن شاء مرافقتي فليأتِ.»
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN
أعمال أخرى لنفس المترجم
إمبراطور الخيمياء
ملك سمات الفنون القتالية