140
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 140: اللهب وراء الجدران
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
وقفت المدينة الداخلية لمدينة الضباب الحديدي في تناقضٍ صارخٍ مع الفوضى التي تعمّ خارج حدودها.
ففي حين استحالت المدينة الخارجية والوسطى إلى رمادٍ ودماءٍ وأطلالٍ متداعية، ظلت المدينة الداخلية تتألق – بجدرانها المعززة بتشكيلات مصفوفةٍ قوية.
تألقت تشكيلات المصفوفة بضياءٍ خافتٍ عبر السماء، مشكّلةً حاجزاً يشبه القبة، صمد أمام هجمات الوحوش النَاغُورية لما يقرب من أسبوعٍ حتى الآن.
لم تتبدل الحياة داخل المدينة الداخلية على الإطلاق – فما زالوا هم أنفسهم أولئك النبلاء المتغطرسين، يشربون ويحتفلون، بينما يهلك الناس في الخارج دون أن يطرف لهم جفن.
ولم يكن مَن يُسمون بالمدافعين عن المدينة الداخلية بأفضل حالاً – فقد كان معظمهم من الجبناء الذين ولّوا الأدبار هاربين من المدينة الخارجية والوسطى في اللحظة التي ساءت فيها الأمور.
ولكن، وبفضل مكانتهم الرفيعة أو علاقاتهم الأفضل، سُمح لهم بالعبور من البوابات، بينما تُرِك عامة الناس ليواجهوا الموت.
أما الآن، فقد ارتدوا الدروع وأخذوا يتبخترون على طول الأسوار، متظاهرين بالبطولة.
وفي قلب كل ذلك، وفي أعلى برجٍ من قصر الڤيرميليون، وقفت الأميرة.
وقفت حافية القدمين على شرفةٍ من اليشم، مرتديةً رداءً حريرياً أحمر فضفاضاً.
بالكاد بلغت السادسة عشرة من عمرها، وبملامحها الرقيقة وعينيها الحادتين اللتين تشبهان عيني طائر العنقاء، بدت أقرب إلى ابنةٍ نبيلةٍ مدللة منها إلى حاكمة دولة.
تلاعبت نسمة هواءٍ بثيابها، فقطّبت حاجبيها وهي تشخص ببصرها نحو الشرق – حيث لا تزال الأدخنة تتصاعد من المدينة الخارجية خلف الأسوار.
ومن خلفها، تردد صدى وقع الأقدام في القاعة الكبرى معلنةً وصول أحد وزرائها.
«جلالتك!»
قال 'الوزير دوان' وهو ينحني انحناءةً عميقة.
وعلى الرغم من أنه بدا وكأنه يُظهر الاحترام للأميرة، إلا أن ابتسامةً ساخرة كانت تختبئ وراء أسلوبه المهذب.
لم تستدر الأميرة.
كانت يداها تقبضان على الدرابزين المصنوع من اليشم بإحكام، حتى شحبت مفاصل أصابعها، وعيناها لا تزالان معلقتين في الأفق حيث كان الدخان الأسود يتصاعد في كبد السماء مثل رايات الحداد.
كان ذلك هو المكان الذي انتصبت فيه المدينة الخارجية ذات يوم – بمنازلها وأسواقها وأضرحتها – والتي استحالت الآن إلى حطامٍ متفحم.
فقالت بصوتٍ خافت، بالكاد تحمله الرياح: «…وزير دوان، هل نحن متأكدون؟ أنه لم يتبقَّ شيءٌ هناك؟»
توقفت خطوات 'الوزير دوان' خلفها.
وقال دوان بنبرةٍ دبلوماسيةٍ متمرسة: «لا يمكننا الجزم بذلك».
«لكن الاحتمال ضئيل جلالتك. فقد أفاد كشافونا أن كل شيء تقريباً وراء الجدار قد دُمِّر على أيدي الوحوش النَاغُورية. لقد سقط الجدار الخارجي، والمدينة الوسطى في خطرٍ داهم. ويجب علينا أن نفترض السيناريو الأسوأ.»
استدارت أخيراً، وعيناها متسعتان بشيءٍ أشد وطأةً من الخوف – إنه الشعور بالذنب.
وقالت: «كان هناك أناسٌ ما زالوا في الخارج. عائلات لم تتمكن من بلوغ البوابات في الوقت المناسب. جنود. وأطفال.»
ازداد انحناء 'الوزير دوان' عمقاً، لكن الابتسامة الساخرة التي ارتسمت على شفتيه لم تنقشع تماماً.
‹بالتأكيد! هل تعتقدين أننا نستطيع تحمل كلفة إدخال الجميع إلى المدينة الداخلية؟ دعي هؤلاء الحمقى عديمي الفائدة يموتون من أجل قضيتنا الأكبر.›
«ومع ذلك… هل سترسلين المزيد من الأرواح إلى حتفها؟ بالكاد صمدنا خلف الجدار الداخلي خلال الموجة الأخيرة. لقد غدت تشكيلات مصفوفة الحواجز ضعيفة. وإذا اخترقت الوحوش المدينة الداخلية—»
«يكفي!»
همست بها، وأصابعها ترتجف على جانبيها.
«أعلم ذلك. أعلم!»
‹إذن توقفي عن الحديث حول الذهاب لإنقاذهم. لقد مر أسبوعٌ بالفعل منذ أن شنت تلك الوحوش النَاغُورية هجومها.›
سارت متجاوزةً إياه نحو القاعة، وكانت خطوات قدميها الحافيتين تكاد لا تُسمع على الأرضية المصقولة.
وقف الوزراء في وضع الانتباه مشكّلين نصف دائرةٍ حول منصة العرش، وتوجهت أنظارهم جميعاً نحو قوامها النحيل.
لقد بدت صغيرةً جداً.
كانت معظم القرارات تُتخذ من قِبل الوزراء، فكانت الأميرة أقرب إلى كونها واجهةً رمزية منها إلى حاكمةٍ حقيقية.
قالت بهدوء، وعيناها لا تنظران إلى الوزراء بل تتجهان نحو الأرض: «لا أريد أن أتخلى عنهم».
«لكن إذا أرسلتُ قوات وسقط الحاجز… فسوف يهلك كل مَن في المدينة الداخلية أيضاً.»
ساد صمتٌ مطبق، ولم ينبس أحدٌ ببنت شفةٍ لتقديم أي نصيحة.
لأنهم كانوا جميعاً ينتظرون. يراقبون. ويحسبون العواقب.
كانت تشعر بذلك الشعور الخانق من العجز.
ذلك الحكم الصامت الصادر من أناسٍ يكبرونها بضعف عمرها. كانت أسوار المدينة الداخلية قوية، لكن في الداخل، كانت السياسة لا تزال تتفشى وتزدهر كالعفن تحت ألواح الأرضية.
وحتى في أتون أزمةٍ كهذه، كان الجميع يسعى لجني الأرباح وملء جيوبهم. ولم يلقِ أحدٌ بالاً للمدينة التي سُوِّيت بالأرض.
حسناً، يمكن لأولئك الذين يملكون ثراءً كافياً أن يتحملوا نفقات الهروب إلى مدينةٍ أخرى والعيش في سلام.
لكن كان هناك الكثيرون ممن لا يقوون على ذلك. فهل سيهتم هؤلاء النبلاء بأمر الآخرين؟ من المستحيل!
«هل ما زالت طائفة اللهب القرمزي تلتزم الصمت ولا تستجيب لطلبنا؟»
سألت الأميرة يحدوها بصيصٌ من الأمل. فإذا تدخلت تلك الطائفة القوية، فبإمكانها بالتأكيد انتشالهم من هذا الكابوس، أو هكذا ظنت على الأقل.
لكن جميع الرسائل التي أرسلتها قوبلت بصمتٍ مطبق.
«لا يوجد أي ردٍّ حتى الآن.»
أجاب 'الوزير دوان'، غير أنه كان يدرك حقيقة الأمر.
‹وماذا عساه يكون الرد، ونحن لم نرسل أي طلبٍ من الأساس؟›
فلم يرسل 'الوزير دوان' والمسؤولون الآخرون أي طلب، ولذلك، فمن الطبيعي ألا تصل أية مساعدة.
والسبب في ذلك؟
‹سيتعين علينا التخلي عن كل كنوزنا للحصول على مساعدةٍ بهذا الحجم. فلماذا نفرغ خزائننا لمجرد إنقاذ ثلةٍ من الأشخاص عديمي الفائدة؟›
تشوشت رؤية الأميرة قليلاً.
ففي خضم هذا المكان الجهنمي، لم يلوح لها في الأفق أي حل.
‹هل يُعقل أن أقف مكتوفة الأيدي لأشاهد المدينة التي تركها والداي تتدمر؟›
ألف صوتٍ دوّى في ذهنها: صرخات شعبها، وأنين الجنود المحتضرين، وصمت الشوارع التي كانت تعجّ بالحياة قديماً، والتي باتت اليوم مدفونةً تحت الأنقاض والعظام.
فرفعت رأسها.
وقالت: «أرسلوا فريق بحث».
تصلب وجه 'الوزير دوان'.
«جلالتك—»
«بأسرع ما لدينا من رجال. أخبروهم أن يتحققوا من الوضع في المدينة الوسطى، وأن يتراجعوا عند أول بادرةٍ للخطر.»
زمّ دوان شفتيه، لكنه انحنى مطيعاً.
«كما تأمرين!»
وبينما كانت القاعة تفرغ ببطء، عادت الأميرة أدراجها إلى شرفتها، حيث باتت تشعر ببرودة الرياح تلسعها الآن.
ونظرت نحو الشرق مرةً أخرى.
وتساءلت في قرارة نفسها: متى أمسى الحكم يعني اختيار مَن ينجو ومَن يهلك؟
لكن لم يأتِها أي رد.
• • •
في وقتٍ لاحق، وفي الممر
«إنها لا تزال مصرةً على استعادة تلك المدينة الخارجية المدمرة»، هكذا تذمر 'الوزير دوان' شاكياً.
«يا للعجب! إنها لا تزال مجرد طفلة. يكفيك أن تُطعمها بعض الكلمات المعسولة لتنطلي عليها الحيلة.»
استهزأ 'الوزير رين' قائلاً.
«بل إنها تريد إرسال كشافةٍ لتفقد أحوال المدينة الوسطى وضواحيها. فهل يستحق الأمر عناء ذلك؟»
تساءل 'الوزير دوان' بنبرةٍ عابرة.
«أرسلوا ثلةً من عديمي الكفاءة لتلبية رغبتها. فربما تعود إلى رشدها حين يعودون حاملين أنباء الدمار الشامل.»
ردّ 'الوزير رين' ساخراً.
«لكن هل دُمِّرت المدينة الوسطى حقاً؟ لربما لا يزال هناك ناجون.»
قال 'الوزير دوان' بنبرةٍ يملؤها الشك.
«إنهم مجرد بشرٍ فانون، وليسوا مزارعين. ولو لم يتذوقوا طعاماً أو ماءً لمدة أسبوعٍ كامل، لكانوا جميعاً في عِداد الموتى الآن. ينبغي علينا أن نصبّ تركيزنا على التأهب والاستعداد – فإذا ما صوّبت تلك الوحوش النَاغُورية أنظارها نحو المدينة الداخلية لاحقاً، فسنقع في ورطةٍ عظيمة.»
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN
أعمال أخرى لنفس المترجم
إمبراطور الخيمياء
ملك سمات الفنون القتالية