الفصل 88: إلى مدينة الميناء، أورونا! – الجزء الأول
مرت عدة أيام في لمح البصر. وأخيرًا فتحت الجامعة أبوابها مجددًا أمام الطلاب، وتسلّم توماس منصب المدير، وانشغل بإقناع موظفي الحكومة بالموافقة على استمرار دعم الجامعة.
أما جيرِيث، فرغم أن العالم بأسره بات يعتقد أنه أصبح ساحرًا من الرتبة الأولى ، فإنه لم يكن يرغب في تحمل المزيد من الأعمال الإدارية. لذلك رفض منصب المدير، واكتفى بمنصب نائب المدير، ليحصل على راتب أعلى دون أن يُرهق نفسه بالمسؤوليات.
ولم يجد بقية الأساتذة خيارًا سوى الموافقة، إذ كانوا هم أيضًا يعتقدون أنه ارتقى فعلًا إلى الرتبة الأولى.
وبالطبع… لم يحاول جيريث تصحيح هذا سوء الفهم، لأنه يصب في مصلحته.
…
قاعة الاجتماعات
“هاااه… أخيرًا انتهيت من كل الأعمال التي تراكمت خلال الشهر الماضي. اضطررت للسهر طوال الليالي… يا للهول…”
قالها توماس وهو ينهار فوق الطاولة ليستريح.
حاول بقية الأساتذة رفع معنوياته، بينما اكتفى جيريث بتدوير عينيه، فقد كان يعلم أن هذا هو السبب الحقيقي الذي جعله يرفض منصب المدير منذ البداية.
نظر شين إلى جيريث بتعبير معقد وقال:
“لم أتخيل أبدًا أنك ستصل إلى الرتبة الأولى قبلي…”
أجابه جيريث بنبرته الباردة المعتادة:
“إذا واصلت الكسل، فمن الطبيعي أن يسبقك الآخرون.”
كان شين قد استمتع بالحياة الزوجية خلال السنوات الأخيرة، ولذلك تباطأ تقدمه السحري قليلًا. فقد كان بالفعل ساحرًا من الرتبة الثالثة عند تخرجه، لكنه حتى الآن لم يصل إلى ذروة الرتبة الثانية.
وبالمقارنة مع بقية الأساتذة، كان تطوره سريعًا أصلًا، لكنه لا يُقارن بذلك المحتال المسمى جيريث.
ولهذا شعر بحافز جديد للعودة إلى التدريب بجدية.
لكن بينما كان يخطط في ذهنه لبرنامج تدريبي جديد، فجّر توماس خبرًا أطاح بكل أفكاره.
“بالمناسبة… لقد أقنعت موظفي الحكومة بالموافقة على تمويل الرحلة الترفيهية. كما عقد الملك رينالد مؤتمرًا صحفيًا بالأمس تحدث فيه عن معركتنا العظيمة في أرتافيا.”
“ولهذا وافقوا على تمويل الرحلة، إذ لم يكن أمامهم خيار سوى الاعتراف بأنها مكافأة مستحقة.”
أشرق وجه الجميع عند سماع الخبر.
لقد خاطروا بحياتهم في مواجهة تجسد شيطان، وكل ذلك من أجل هذه الرحلة المجانية، لذلك كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر.
وقبل أن يتحدث شين، رفعت آريا يدها وقالت بخجل:
“لدي فكرة!”
ما إن نطقت حتى تبادل جميع الأساتذة النظرات.
ولم يتمالك شين نفسه من تدليك جبهته وهو يتمتم:
“انتهى الأمر… لقد بدأت من جديد.”
تجاهل توماس تنهده وقال بهدوء:
“حسنًا، ما هي فكرتك؟”
ابتسمت آريا بحماس وبدأت تشرح:
“أنت قلت إن الحكومة ستمول الرحلة… لكننا لم نخبرهم بعد بعدد المشاركين.”
“ما رأيكم أن نصطحب جميع الطلاب إلى البحر ونجعل الرحلة معسكرًا تدريبيًا؟ كما يمكن أن يشارك جميع الأساتذة في التدريب.”
“ستستخدم الأستاذة يوسيه سحر الماء لتكوين فقاعة مائية حول كل طالب، ثم ننزلهم تحت سطح البحر.”
“بعدها سيضطر كل طالب إلى دعم الفقاعة بماناه الخاص.”
“وأول من ينجح في الحفاظ على الفقاعة حتى يعود إلى السطح يكون الفائز.”
“أليست فكرة رائعة؟”
أومأ كل من يوسيه وتوماس برأسيهما.
فرغم أن أفكار آريا غالبًا ما تكون غريبة، فإنها تكون فعالة في النهاية.
ففي المرة السابقة، أقامت مسابقة لصناعة الجرعات، ورغم أن أبيلا أفسدتها، فإنها نجحت في تحفيز الطلاب على الاجتهاد.
(طبعًا… باستثناء مجموعة مارك، فقد كان مارك هو من حمل الفريق بأكمله.)
لكن شين لم يقتنع إطلاقًا.
“ما هذا الهراء الذي تقولينه؟! نحن الخمسة خاطرنا بحياتنا للحصول على هذه الرحلة، والآن تريدين اصطحاب الجميع مجانًا؟! أنتم لم تفعلوا شيئًا!”
“ثم إن هؤلاء الطلاب ليسوا أقوياء بما يكفي. لن يستطيعوا الحفاظ على الفقاعة، وستكونين عمليًا قد أجبرتهم على الغرق!”
“أحيانًا أتساءل حقًا… ماذا يدور داخل رأسك حتى تخرج منك مثل هذه الأفكار؟”
لم تستسلم آريا وقالت بسرعة:
“إذًا لدي فكرة أخرى!”
“بدلًا من فقاعة الماء… نجعلهم يغطون أجسادهم بالكامل بقوة التحريك الذهني ثم يقفزون إلى البحر.”
“والطالب الذي ينجح في منع الماء من لمس جسده لأطول مدة باستخدام التحريك الذهني يكون الفائز!”
وبما أن التحريك الذهني من أساسيات السحر التي يستطيع جميع الطلاب استخدامها، فقد بدت الفكرة قابلة للتنفيذ فعلًا.
هنا تكلم جيريث لأول مرة:
“نعم… هذه الفكرة قابلة للتطبيق.”
“يمكن استخدامها بالفعل لتطوير قدرة الطلاب على التحكم بالمانا.”
ولأن جيريث نفسه وافق، لم يجد شين سبيلًا للاعتراض، لكنه أضاف شرطًا:
“بما أنكم لم تقاتلوا من أجل هذه الرحلة، فعليكم التعويض.”
“سنأخذ رواتبكم لأربعة أشهر.”
ورغم أن الأساتذة تألموا من خسارة أربعة أشهر كاملة من الرواتب، فإنهم وافقوا في النهاية.
فجيريث ورفاقه قاتلوا بالفعل تجسد شيطان، ولم يكن ذلك الثمن مبالغًا فيه.
(لكن… هل يمكن حقًا اعتبارها رحلة مجانية إذا اضطررت لدفع راتب أربعة أشهر مقابلها؟ يا لها من مفارقة.)
…
انتهى الاجتماع وغادر الجميع تباعًا.
لكن قبل المغادرة، لم ينسَ أي واحد منهم تهنئة جيريث على ارتقائه إلى الرتبة الأولى.
فهذا أول اجتماع يعقدونه بعد “ارتقائه”، وكانت الفرصة المثالية لتقديم التهاني.
ولو كان ما يزال ساحرًا من الرتبة الثانية، لما كلف أحد نفسه عناء مجاملته.
أما الآن…
فهو يمتلك قوة تفوقهم جميعًا.
ومن الطبيعي أن يظهروا له الاحترام.
هكذا يعمل هذا العالم.
الضعيف يحترم القوي.
والقوي يستغل الضعيف ما استطاع.
هذا هو النظام الطبيعي.
وإذا أردت كسره…
فكن أنت الأقوى.
حينها تستطيع أنت أيضًا استغلال من هم دونك.
القوة تُفسد النفوس.
وتجعل صاحبها يعتقد أنه فوق الجميع، وأنه يستطيع فعل أي شيء دون أن يدفع الثمن.
وهذا بالضبط ما حدث مع ناثان.
فقد كان ساحرًا من الرتبة الأولى، ولم يعد في العالم ما يستطيع تهديده.
وفوق ذلك امتلك سحر الفضاء، القادر على صد أي هجوم تقريبًا.
ولهذا لم يُصب بأي جرح طوال مئة عام.
حتى أثناء قتاله مع أبيلا…
لم يكن يخشى الإصابة.
وعندما يوقن الإنسان أنه لا يُقهر…
تفقد قوانين المجتمع معناها بالنسبة إليه.
ولهذا توقف ناثان عن الاكتراث بالقوانين، وبدأ يتلاعب بالناس كما يشاء.
وأبيلا وراهنان لم يكونا سوى اثنين من ضحاياه الكثيرين.
هز جارِث رأسه وهو يفكر في ذلك كله، ثم بدأ يعود إلى غرفته في السكن الجامعي.
“ربما… لو كنت ابن هذا العالم منذ البداية… لكنت أفكر بالطريقة نفسها.”
في أحداث اللعبة الأصلية…
كان جيريث مجرد أضحوكة.
كان الجميع يلعنه كلما ذُكر اسمه.
حتى اللاعبون أنفسهم كانوا ينزعجون عند سماعه.
وكان زملاؤه الأساتذة يسخرون منه بلا رحمة بعدما انكشف ضعفه الحقيقي.
أما الآن…
فكل شيء مختلف.
الجميع يحرص على اختيار كلماته بعناية أمامه.
ولا أحد يريد إغضابه ولو قليلًا.
“ربما لهذا يسعى الناس في هذا العالم خلف القوة…”
“ليس حبًا بالقوة نفسها… بل بحثًا عن المكانة والاحترام.”
حين كان يلعب اللعبة، لم يدرك كم كان هذا العالم قاسيًا.
أما الآن، وهو يعيش فيه بنفسه…
فقد فهم أخيرًا لماذا كان اللاعبون المتعمقون في القصة يكرهون هذه اللعبة بشدة.
لقد عرفوا الكثير من أسرار هذا العالم.
وفي عالمه السابق…
كان امتلاك المعرفة نعمة.
أما في هذا العالم الملعون…
فبعض أنواع المعرفة وحدها كافية لجلب الكارثة.
{حتى أنقى الذهب، إذا أُلقي في الوحل، سيتلطخ بالقذارة… والطبيعة البشرية كذلك؛ فمن عاش طويلًا وسط الشر، سيتلوث به هو أيضًا.} (المصدر: ثق بي يا اخي …)
…
وبينما كان يسير، رفع جارِث نظره نحو المبنى الرئيسي للجامعة.
“لا أدري إن كان عليّ دخول تلك المكتبة السرية أم لا…”
“بغياب المدير، أصبح الوصول إليها سهلًا…”
“لكنني لا أريد أن أكتشف حقيقة مرعبة تقليًا عقلي…”
“يا لها من معضلة…”
فبعد اختفاء المدير، أصبح بإمكان جيريث دخول المكتبة المخفية بسهولة.
وقد دخلها سابقًا أثناء أحداث اللعبة، لكن اللعبة لم تُظهر سوى القليل.
كنت تدخل…
تأخذ غرض المهمة…
ثم تغادر.
لكن هذا عالم حقيقي الآن.
ولا أحد يعلم…
أي نوع من الأسرار قد يكون مختبئًا هناك.
ولهذا…
ظل مترددًا.