الفصل 87: قلوبٌ فارغة…
عندما قتل جيريث أفراد عائلته المزيفة في قصر بليز، أخذ خواتمهم المكانية، وهناك وجد بطاقة العائلة.
كانت بطاقة العائلة بمثابة بطاقة مصرفية فريدة تُستخدم لإجراء المشتريات باسم العائلة.
ولم يتردد جيريث لحظة، إذ حوّل مبلغًا هائلًا من المال إلى حسابه البنكي باستخدام تلك البطاقة، واستمر حتى وصل إلى الحد الأقصى المسموح به.
والآن، ستُجبر عائلة بليز على سداد ذلك المبلغ بالكامل للبنك، لأن جميع تلك الأموال كانت عبارة عن ائتمان مسجل باسم العائلة.
أما العائلات التابعة، فسوف تتحمل عواقب هذا الأمر.
فهم منشغلون حاليًا بنهب ممتلكات العائلة، دون أن يعلموا أنهم غارقون أصلًا في ديون تُقدر بالملايين.
وسرعان ما ستفلس شركاتهم ومؤسساتهم لسداد ذلك المبلغ الضخم الذي أودعه جيريث في حسابه الشخصي.
هذا النوع من بطاقات العائلة لا يحتاج إلى كلمة مرور أو أي وسيلة تحقق؛ يمكن لأي شخص استخدامه مباشرة، وسحب أي مبلغ ضمن الحد الائتماني المسموح.
ونظرًا للثروة الطائلة التي امتلكتها عائلة بليز، فمن الطبيعي أن البطاقة التي كانت بحوزة سيّد العائلة تحمل سقفًا ائتمانيًا هائلًا.
ولهذا تمكن جيريث من الاستيلاء على كل ذلك المال وجعله ملكًا له.
في الظروف العادية، يحتفظ سيّد العائلة بالبطاقة بنفسه لضمان سلامتها.
لكن بعد أن قتل أخاه المزيف، استولى جيريث على البطاقة، وترك خلفه دينًا هائلًا يطوق رقبة عائلة بليز بأكملها.
وسيتوجه البنك قريبًا إلى العائلات التابعة مطالبًا إياها بإعادة الأموال، ليجدوا أنفسهم في حالة من الذهول والعجز.
أما لوم جيريث؟
فحتى لو منحهم أحد شجاعةً من الفولاذ، فلن يجرؤوا على ذلك.
فقد شاع بالفعل أنه أصبح ساحرًا من الرتبة الأولى.
ولطالما سببت العائلات التابعة الكثير من المتاعب للعائلة التابعة التي تبنت جيريث في الماضي.
ولذلك…
رد لهم الجميل بالطريقة نفسها.
بل صنع لهم مشكلةً ضخمة يستحيل عليهم الهروب منها أو التعافي منها.
فالعائلات التابعة تمتلك عددًا هائلًا من الشركات والمصانع، لكنها في النهاية تُعد جزءًا من ممتلكات عائلة بليز.
ولهذا يمتلك البنك الحق القانوني في مصادرتها.
ولن تجد تلك العائلات أي وسيلة لإيقاف الإجراءات القانونية.
لقد نصب جيريث فخاخًا انتقامية متقنة إلى درجة أن أي شخص يعرف بما فعله ستسري القشعريرة في جسده.
…
مر أسبوع منذ عودتهم من أرتافيا.
وخلال هذا الأسبوع، استخدم جيريث المال ليشتري قصرًا صغيرًا وأنيقًا لنفسه.
كما اشترى سيارة فاخرة، واستأجر عددًا كبيرًا من الحراس والخادمات للعناية بالقصر.
ثم عيّن كبير خدم مسنًا ليتولى تنظيم شؤون العاملين.
ووضع على بوابة القصر لوحة كتب عليها:
«عياد»
كان عياد لقب والدته الراحلة.
ولهذا قرر اتخاذه اسمًا لعائلته، واختار لنفسه اسمًا كاملًا جديدًا:
جيريث أدهيرا فون عياد.
كما عقد مؤتمرًا صحفيًا صغيرًا ليهدئ الرأي العام، وأعلن رسميًا أنه أصبح ساحرًا من الرتبة الأولى.
وبذلك سيتوقف الناس عن نشر القصص الغريبة عنه على الإنترنت، ولن يعودوا يقولون أشياء مثل:
“لقد لعب الكرة الطائرة مع الديناصورات!”
وفي نهاية المؤتمر أعلن أيضًا تغيير اسم عائلته.
وبعد لحظات من الدهشة، أومأ الصحفيون برؤوسهم.
فشبكاتهم الإخبارية كانت قوية للغاية، وقد علموا بالفعل أن عائلة بليز تعيش حالة من الفوضى، ومن الطبيعي أن جيريث لا يرغب بأي علاقة معها.
انتهى المؤتمر مع حلول المساء، وغادر الصحفيون الواحد تلو الآخر.
وقف جيريث على سطح قصره، يحتسي الشاي بينما يراقب غروب الشمس، وعلى وجهه نظرة رضا.
“لقد مر أكثر من ثلاثة أشهر منذ جئت إلى هذا العالم… الوقت يمضي بسرعة مذهلة.”
عندما وصل إلى هذا العالم لأول مرة، كان على وشك الطرد من الأكاديمية، ولم يكن واثقًا حتى من قدرته على النجاة.
لكنه واصل العمل بجد من أجل مستقبله.
وخلال بضعة أشهر فقط، حقق إنجازات يصعب تصديقها.
فقد تحول من شخص مجهول لا يعرفه أحد…
إلى رجل يعرفه جميع أفراد البلاد.
ورغم أن الناس أساؤوا الفهم وظنوا أنه ساحر من الرتبة الأولى، فإن قوته الفعلية أصبحت بالفعل تضاهي قوة سحرة الرتبة الأولى.
فالتحسن الذي منحته له نقاوة المانا كان هائلًا، وعزز جميع قدراته بدرجة لم يكن يتوقعها.
“وأنا أقف فوق هذا القصر… أشعر وكأنني استعدت كل ما فقدته…”
قبل أن يصبح عدوًا لرئيسه في حياته السابقة، كان يمتلك قصرًا، وعددًا كبيرًا من التابعين.
وكان يعيش حياة مريحة ومستقرة.
لكن كل شيء انهار بعدما اكتشف رئيسه أنه كان يواعد شينا سرًا.
فقد كل شيء.
وأصبح ككلبٍ ضال يستطيع أي عابر سبيل أن يركله كما يشاء.
وانتهت حياته بموتٍ وحشي تحت الضرب.
ولا يزال يتذكر الألم الرهيب الذي شعر به أثناء ذلك التعذيب.
“لقد استعدت كل ما فقدته… لكن… هل لذلك أي معنى الآن؟”
فالهدف يبدو رائعًا فقط عندما يكون بعيد المنال.
أما بعد تحقيقه…
فيبدأ الإنسان بفقدان اهتمامه به، ويصبح قلبه فارغًا.
يشبه الأمر شخصًا يحلم طوال حياته بتجميع حاسوب أحلامه.
لكن عندما ينجح أخيرًا في تجميعه…
يكتشف أنه لم يعد يملك الوقت أو الطاقة للعب.
{الهدف بعد تحقيقه يصبح كعصيرٍ فقد نكهته؛ جميلٌ للنظر… لكنك لا ترغب في شربه.} (المصدر: ثق بي يا اخي )
استعاد جيريث كل أمجاد الماضي خلال بضعة أشهر فقط.
لكن تلك الأموال، وتلك الممتلكات…
لم تعد تعني له شيئًا.
لقد جمعها فقط ليضمن مكانًا يقيم فيه عندما لا يكون داخل الجامعة.
ورغم أنه يستطيع استخدام السحر ليبني منزلًا داخل أي غابة أو جبل…
فهو لا يريد أن يعيش منعزلًا كأسياد الروايات والقصص المصورة.
وبينما كان يحدق في الشمس الغاربة…
خطرت له فكرة.
“يبدو أنكِ أخذتِ كل سعادتي معك يا شينا…”
“لم أعد قادرًا حتى على الشعور بالسعادة… مهما حاولت…”
“لقد كنتِ قاسيةً جدًا معي…”
…
القصر الملكي.
غرفة مارك.
“لـ-لا… لِماذا يجب أن أخلع ملابسي أمامك؟! هذا تحرش! سأصرخ إذا اقتربتِ مني أيتها المنحرفة!”
كان مارك يتصبب عرقًا بينما تحدق فيه ريسا.
“هيهيهي… لن تهرب مني!”
“قرأت في أحد الكتب أن المرأة إذا أرادت أن تجعل الرجل يقع في حبها بجنون، فعليها أن تعرف كيف تُسعد جسده!”
“وأنا أفعل الشيء نفسه! هذا قانوني تمامًا! نحن مخطوبان!”
بدت ريسا كعجوز منحرف وجد فريسته أخيرًا، بينما كانت تطارد مارك الذي يهرب منها بكل ما أوتي من قوة.
(إنهما يمزحان فقط، ولا يحدث أي شيء غير لائق.)
ثم استخدمت ريسا سحر الظلال للتحكم بظلها، فأمسكت بساق مارك وأسقطته أرضًا.
وقفزت مباشرة فوق بطنه حتى تمنعه من الهرب.
“م-ماذا تحاولين أن تفعلي؟!… هم؟ انتظري…”
“أنتِ خفيفة جدًا… هل خسرتِ وزنًا؟”
ارتسمت الحيرة على وجه مارك.
فسرعان ما وضع يده على جبينها.
وكما توقع…
كانت حرارتها مرتفعة جدًا.
وذلك يفسر تصرفاتها الغريبة اليوم.
فهي لم تكن تفكر بعقلها إطلاقًا.
وقبل أن تتمكن ريسا من فعل أي شيء، قيّد مارك يديها وقدميها بالسحر فورًا.
ثم حملها ووضعها على سريره، ونظر إليها بصرامة.
“أنتِ مريضة، فلماذا جئتِ لتثيري الفوضى وأنتِ تعلمين أن صحتك ليست بخير؟”
ثم قرع الجرس الصغير الموضوع على الطاولة القريبة.
دخلت إحدى الخادمات.
“أحضري ساحرًا مختصًا بالعلاج… لديها حمى.”
وبينما كان مارك يجلس بجانبها…
أمسكت ريسا بيده.
كان وجهها محمرًا، وكأنه يحترق من شدة الحمى.
“آه… أمسك يدي…”
لم يجد مارك سوى أن يهز رأسه ويجلس بجانبها لبعض الوقت.
فهو لطالما نصحها بأن تأكل جيدًا وتهتم بنفسها.
لكنها لم تكن تستمع إليه أبدًا.
كانت منشغلة دائمًا بالعبث والمزاح، حتى إنها كانت أحيانًا لا تأكل لعدة أيام وتفقد وزنها.
(إنها قاتلة محترفة؛ الصيام لعدة أيام ليس مشكلة بالنسبة لها… لكن مارك يميل إلى المبالغة في القلق عليها.)
نظر مارك إليها وسأل بهدوء:
“بالمناسبة… هل أخبرتِ والديك أنك ذاهبة إلى القصر الملكي؟”
نفخت ريسا خديها وقالت:
“كلما طلبت منهما الإذن يرفضان، ويقولان إنني سأزعج الأمير.”
“لذلك… أتسلل من القصر وحدي.”
عند سماع ذلك، لم يستطع مارك سوى التنهد.
“آه… هذه الفتاة مهووسة جدًا بإغاظتي…”
“أليس لديها شيء آخر تفعله غير مطاردتي طوال اليوم؟”
“ما الممتع في مضايقتي باستمرار؟”
“أنا لست بذلك الشخص الرائع أصلًا…”
كان مارك يقضي معظم يومه في التدريب.
ولذلك كان ينسى مدى وسامته، ولم يكن يعلم حتى بوجود نادٍ جماهيري ضخم من المعجبات يلاحقه.
أما من وجهة نظره…
فقد كرس حياته للسحر.
وكل ما عدا ذلك لا يمثل أهمية كبيرة بالنسبة له.
ولهذا كان يعتقد أن استمرار ريسا في ملاحقته ليس أمرًا جيدًا.
فقد لا يستطيع أن يمنحها الحب الذي تتمناه.
لأنه…
أعطى قلبه بالفعل للسحر.
“آه…”
“كان سيكون أفضل لو لاحقتِ شخصًا آخر…”
“على الأقل… كان سيحبك بكل قلبه.”
“أما أنا…”
“فقد وهبت قلبي للسحر منذ زمن…”
“فمن أين سأجد وقتًا لكِ؟”