حين وصل آزر إلى مبنى مكتبة الطائفة الضخم، بكتلته الحجرية السوداء التي توحي بالعراقة والغموض، وجد رجلاً عجوزاً، نحيلاً، بعينين حادتين كالصقر، يجلس وراء مكتب خشبي عتيق عند المدخل.
رفع العجوز بصره ببطء، وتفحص آزر بنظرة فاحصة وثاقبة، ثم قال بصوت أجش وبارد:
— أنت وجه جديد هنا.. لم أرك من قبل.
أومأ آزر بمقتضى التحية دون أن ينطق حرفاً.
أكمل الرجل ببرود مطبق، وهو يشير بيده نحو الممرات المظلمة في الداخل:
— اعلم قواعد المكان جيداً.. ففي هذه المكتبة خمسة طوابق، وكل طابق سجن بحد ذاته:
— الطابق الأول مخصص للتلاميذ الخارجيين أمثالك ولمن هم في مرحلة اليقظة.
— الطابق الثاني للذين بلغوا مرحلة التكوين وللتلاميذ الداخليين حصراً.
— الطابق الثالث للشيوخ وحدهم.
— أما الطابقان الرابع والخامس.. فهما محرمان تماماً، فهما ملك للورثة الخمسة.
كانت هذه المرة الأولى التي يسمع فيها آزر بمصطلح «الورثة الخمسة». ضيق عينيه بفضول صامت، فلاحظ العجوز ذلك، ابتسم بسخرية خفيفة وأوضح ببرود:
— «هؤلاء هم التلاميذ المباشرون لزعيم الطائفة نفسه.. أسياد الغد والذين يملكون القوة المطلقة هنا.»
ثم استطرد بصرامة:
— «والأن، بما أنك تلميذ خارجي مبتدئ، فأمامك نصف ساعة فقط لا غير في الطابق الأول. غير مسموح لك نهائياً بإخراج أي كتاب خارج جدران المكتبة او محاولة نسخه؛ ستتعلم هنا، وعندما ينتهي الوقت المحدد، ستغادر فوراً ودون تأخير.»
أومأ آزر بلا كلمة إضافية، ودخل بخطوات سريعة نحو الممرات المرصوفة بالكتب العتيقة.
لم يضيّع وقته الثمين؛ بدأ يتنقل بين الأرفف بعينين حادتين، يقلب العناوين بسرعة. ثم توقف عند ركن التشكيلات وبدأ يستوعب بعض مبادئها الأساسية في رسم الدوائر والتعرف على الرموز، ثم مر سريعاً على كتب صناعة السموم البديلة، وصولاً إلى ركن التقنيات القتالية.
كانت هناك تشكيلة متنوعة من التقنيات ذات الدرجة الأرضية؛ تقنيات حركة خفيفة، مهارات سيف قاطعة، وفنون رمح مدمرة. لكن أغلبها لم يجذب انتباهه على الإطلاق. وبكل برود، كان يعلم أن موهبته الضعيفة في استيعاب الطاقة ستجعله لقمة سائغة لمن يمتلكون مواهب أعلى في نفس المستوى إن حاول منافستهم بها. فتلك التقنيات ستكون مجرد أداة تنمر إضافية للأقوياء ضده.
توقف قليلاً عند تقنية سيف واحدة أثارت انتباهه، كانت تسمى «سيف الفجر»؛ تقنية تعتمد على الضرب المباغت والدموي دون استعراض، لكنه تجاوزها سريعاً لنفس السبب.
وبينما كان يقلب بين رفوف العلوم المختلفة، باحثاً عن أي ثغرة تقوي مساره، وقع بصره على كتاب عادي تماماً، مجرد مجلد مهترئ وغلافه جاف، حمل عنواناً عتيقاً ومبهماً: «مخطوطة الرموز المطفأة».
شعر بشيء غريب يجذبه نحو ذلك الكتاب. مدّ يده وأخرجه، ثم فتح صفحته الأولى ببطء شديد.. وما إن وقع بصره على الحروف الأولى حتى انصدم بكل ما تحمله الكلمة من معنى!
لقد وجد رموزاً ونقوشاً غريبة ومعقدة.. رموز كان يعرفها تماماً! لقد رأها منذ زمن طويل جداً، في تلك الأيام الغابرة قبل مجيئـه إلى هنا، منقوشة على قطعة خشبية قديمة في طائفة السحابة الشمالية!
خفق قلبه بشدة لأول مرة منذ أيام. ظل يقرأ السطور المتآكلة بسرعة جنونية، وعيناه تتوسعان مع كل سطر، حتى وصل إلى صفحة جعلته يتسمر في مكانه كأنه صعق بالكهرباء!
أخرج بسرعة فائقة الحجر الرمادي الصغير من طيات ردائه، وقربه من صفحة الكتاب المقابلة..
كان التشابه مثالياً، وكأن أحدهما نسخة طبق الأصل عن الآخر! حرف "ر" الغريب، ومقطع يو المزخرف.. نفس الخطوط، ونفس التموجات والزخارف العجيبة التي تحدت الزمن!
ظل آزر يقرأ بتشوق عميق وحارق، يلتهم الكلمات كأنه يبتلع ماء الحياة في صحراء قاحلة.. وفجأة، تردد صوت العجوز الأجش والقاسي من خلف الممر:
— «انتهى وقتك! اخرج فوراً!»