وحين بلغ آزر الباب الخشبي العتيق لمسكن الشيوخ ودفعـه بهدوء، استقبله الشيخ لاو بنظرة فاحصة وسريعة، لكن عينيه اتسعتا فجأة.. حين رأى حالة الفتى المروعة ودماءه الطازجة التي لم تجف بعد على ملابسه وجلده. ثم قال لاو بقلق خفي وصوت غليظ:
— آزر.. أين كنت؟ هل دخلت في قتال عنيف للتو؟
أومأ آزر بهدوء مقتضب وثابت لا تشوبه شائبة:
— نعم.. لقد تقاتلت مع تشو فينغ، وتلميذ داخلي آخر يدعى منغ في ساحة الجبل الخارجي.
صمت لاو طويلاً.. وبدت على ملامحه المسنة علامات الانزعاج العميق والغضب الصامت الذي يهز جدران الغرفة. وقبل أن ينطق بحرف واحد، سأله آزر ببرود غريب:
— هل تتذكر ما قلته لك قبل أن أغادر يا شيخ؟ أود تعلم الخيمياء، وصناعة السموم، وكل أسرار العلوم المتاحة هنا. أتمنى ألا تتأخر في بدء تعليمي.
حدق فيه لاو بتمعن شديد، وكأنه يحاول قراءة ما بين خطوط التعابير على وجهه. فالفتى الواقف أمامه يقطر دماً، وجسده يصرخ من شدة الإصابات والكسور، ومع ذلك لم يصدر عنه شكوى واحدة.
ثم قال لاو بجدية صارمة ونافذة:
— قبل أن أعلمك أي حرف أو أسمح لك بلمس موقد، يجب أن تجيبني على سؤال واحد بصدق مطلق:
— كيف نجوت من تلميذ داخلي بحجم منغ بعد أن أهالك ضرباً؟
أجاب آزر بصوت هادئ ومستقر:
— لقد فقأت عين تشو فينغ بالخنجر واستغللت لحظة ارتباكه.
صدمت الإجابة لاو لدرجة جعلته يترك مقعده ويقف مذهولاً غير مصدق لما يسمع:
— «ماذا فعلت بحق الجحيم؟! أفقأت عينه وأنت في مواجهة وحضور منغ؟! هل فقدت عقلك تماماً؟!»
أكمل آزر بلا مبالاة تذكر:
— لم يكن لدي خيار آخر للنجاة، وان كنت سأموت على يديه بلا ثمن فهذا ليس من شيمي.
تنهد لاو حائراً بين الغضب العارم والإعجاب المكتوم، ثم قال محذراً بنبرة جادة:
— يا أزر، استمع إلي جيداً؛ ابقَ بجانبي طوال الوقت، ولا تمشِ في الساحة الخارجية أبداً، فهم لن يتوقفوا عن محاولة تدميرك وترك إعاقات دائمة في مسارات طاقتك لقتلك ببطء.
رد آزر بلا تردد:
— لا مانع لدي من البقاء هنا طالما أنني أتدرب.
صمت لاو قليلاً، وضيّق عينيه مطولاً، ثم سأله بصوت جاد ومخترق يلامس عمق الروح:
— أزر.. أجبني بصراحة: لماذا لا تريد الانتقام؟ أنت تعلم جيداً أنني أستطيع التدخل بقوة وسحق من تجرأ عليك، فلماذا تكتفي بالصمت وتحمل كل هذه الكدمات والآلام وحدك في الظل؟
حل صمت ثقيل وبارد داخل الغرفة المظلمة… لم يرد آزر فوراً، بل ترك الكلمات تتردد في ذهنه، كصدى لواقع قاسٍ لا رحمة فيه. ثم رفع عينيه بهدوء، ورسم بكلماته المقتضبة عمقاً فلسفياً يقطر مرارة ووعياً مظلماً:
— الانتقام يا شيخ.. ركيزةٌ هزيلة يستند إليها من عجزوا عن مواجهة هشاشتهم؛ إنه صنمٌ رخيص يعبدونه ليبرروا به عجزهم وتهافتهم.
— فما تجرعته اليوم من بطشهم لم يكن ظلماً وافداً، بل كان الصدى الحقيقي لعلتي الوحيدة:
— أنني ضعيف .
— فما كانت الخطيئة يوماً في طغيانهم، بل في عظامي التي لم تشتد بعد بما يكفي لتسحق جماجمهم في مهدِها!
— وإن أرادوا إفنائي غداً، فليفعلوا؛ فلن أستجدي السماء، ولن أبحث عن عدالة وهمية تداوي غروري. سأبتلع ضعفي بصفاءٍ تام، وأمضي بهدوء بلا ندم.. فإما أن أصعد لأدوس على هذا العالم، أو أنطفئ كرمادٍ غابر في صمت..
ظل لاو مذهولاً، معلق البصر بالفتى الواقف أمامه، وكأنما يرى شيئا غريباً لا يعرف حتى كيف يفسره.
اهتز قلبه إجلالاً وتوجساً لهذا الفهم المرعب والمرير لطبيعة الوجود والكون. ثم أطلق تنهيدة طويلة، محملة بثقل السنين، وأومأ برأسه بصمت مطبق، معلناً بداية رحلة أخرى في طريق الهاوية والدم…