سار دانيال في الشارع منكس الرأس، ولا يكاد يلتفت إلى المارة حوله. كان يضع على أذنيه سماعتين كبيرتين يتدلى منها سلك سميك دسه داخل سترته. لم تكونا موصولتَين بشيء في الواقع، لكنهما كانتا تخففان حدة صخب المدينة. استخدم واقيات أذن من قبل، كتلك التي تُستعمل في نوادي الرماية، غير أن السماعات لفتت إليه انتباهًا أقل بكثير. ولم يكن عدم الالتفتات مشكلة حقّاً. فلم يكن أحد غيره يلتفت أيضاً.
وطالما التزم دانيال الجانب الأيمن من الرصيف، كان مجرد السير مع التيار أمراً يسيراً للغاية. وحتى في الربيع أو الصيف حين تكتظ الحشود حقّاً، كان بوسعه المضي قدماً بخطى ثقيلة دون أن يعبأ بشيء. وكان هذا أفضل وقت في السنة. فقد ألقت الثلوج الأولى بوحلها القذر فوق كل شيء قبل بضعة أيام، ورغم جفاف الشوارع مجدداً، لزم الجميع ممن استطاعوا بيوتهم. أما من خرجوا فقد تحركوا بسرعة.
طبق دانيال على فكيه للحظة حين اهتز قطار الأنفاق جرسياً من تحت الشارع الذي كان يسير فيه. ذلك الضجيج لا يزول أبداً. وكان الشتاء ممتعاً أيضاً، لأنه حتى حين تشرق الشمس، تبدو شاحبة مائية، وحين تتسلل خيوطها عبر المباني العالية كان دانيال يستطيع تقريباً تظاهر أنها ليست مشكلة. بل إن الضباب الرهيب بات أقل إزعاجاً في البرد. أحب دانيال أن يظن أن كميته أقل، لكنه لم يملك حقّاً أي سيلة لقياس أي شيء.
وأياً يكن السبب، لم يشعر أبداً بأنه يخترق عينيه بالطريقة التي يفعله بها في الصيف. عبر دانيال الشارع، ولم يعد يفصله عن عمل سوى بكتين. لكنه توقّف، ناظراً أمامه، وتسمّر عند ناصية الشارع. تطلب الأمر دقيقة بانتظار الإشارة، لكنه عبر مرة أخرى، مواصلاً طريقه في الجانب المقابل من الشارع. قبض على كفيه بشدة، بينما كان أحدهم مرتدياً زياً باباي نويل يقرع جرساً نحاسياً رخيصاً.
جعلته كل رنة صغيرة يحرك أصابعه لا إرادياً، وحتى مع السماعات اضطر دانيال إلى إجبار نفسه على المضي متجاوزاً ذلك الرجل على الجانب الآخر من الطريق. في بعض الأيام، تمنى دانيال لو أتيح له الحصول على رخصة قيادة. ليس لأنه بحاجة للقيادة هنا، لكن ربما كان العيش في إحدى الضواحي أفضل. أهدأ على الأقل. وبسبب النوبات التي أصابته في مراهقته، فُرض عليه حظر طبي منعه من القيادة. بغض النظر عن كون الدواء فعالاً بما يكفي ليكون بخير طوال الأعوام الخمسة عشر الماضية.
غير أنه ستكون هناك مشاكل على الأرجح أياً يكن مكان سكناه. لم يكن واثقاً إن كان الضباب أفضل حقّاً في الشتاء، لكنه عرف يقيناً أنه أسوأ خارج المدينة. بدت زيارة والديه كتعذيب، حتى لو كانت لونغ آيلاند أهدأ. أما هنا، فكان يكاد يتجاهل السيارات العابرة. بينما بدت كل سيارة هناك وكأنها تعبر جمجمته من طبلة أذن إلى أخرى. كلا، لقد كان متجهمًا فحسب لأنه اضطر للذهاب إلى العمل مبكراً بعض الشيء اليوم.
ثمة معروضات جديدة ستُعرض، وكان أمين المعروضات يعقد اجتماعاً للحديث عن كيفية الاعتناء بها. ولا باس في ذلك، فقد كان السيد أفولابي مباشراً للغاية. لم يكن من الصعب تذكر ما يُنفض عنه الغبار، ومنظفات أي الأسطح مسموحة وما إلى ذلك، لكن التذكيرات تبقى أمراً جيداً. سيما إذا كان شيء جديد في طريقه للوصول. كان دانيال راضياً تماماً عن عمله، ولا يريد حقّاً البحث عن وظيفة أخرى تناسبه بهذا القدر.
ولم يرغب قط في أن يُعرف بالرجل الذي نظّف الدلو الخاطئ. عادةً، كان يذهب إلى العمل في وقت متأخر بما يكفي من المساء لتكون الشوارع خالية نسبياً، لكنه اليوم كان يشق طريقه وسط حشود ساعة الذروة. كان جميع المصرفيين ورجال المال وغيرهم من مختلف المرتدين للبدلات في هجرتهم اليومية من مكاتبهم العالية المضيئة بإفراط إلى باراتهم ونواديهم المظلمة الكئيبة. وكان الاستحالة بمكان المشي دون احتكاك الأكتاف وسماع الثرثرة الفارغة عبر الهواتف.
تمكن أخيراً من بلوغ المأوى الصغير خارج المتحف. توقف دانيال لحظة، وأخذ بضعة أنفاس عميقة لتهدئة نفسه. لم يرغب في أن يدو منزعجاً ومبعثر الأفكار حين يدخل إلى الداخل. كان الهواء البارد لطيفاً، وبدا وكأنه يسحب التوتر منه قبل أن يتجمع على شكل عرق، كما أن حارق الهواء المثلج في رئتيه قطع الطريق على معظم الأحاسيس الأخرى الجارية. ولن يلوم المرء أحداً إن لم يلاحظ وجود متحف هنا.
فبخلاف غياب النوافذ، بدا شبيهاً بمعظم مباني المكاتب والشقق الأخرى في جميع أنحاء مانهاتن. وحتى هذا كان مغتفراً، فالعديد من المباني تضم نوافذ مُموّهة لتشبه الجدران المصمتة. أخذ نفساً عميقاً أخيراً ثم تأكد دانيال من أن بطاقة تعريفه واضحة على الجزء الخارجي من سترته، واقتحم المتحف أخيراً. أومأ برأسه لتحت الأمن وشق طريقه عبر إحدى صالات العرض الأكثر شهرة. وتقع غرفة الخزانات الصغيرة التي يحتفظ فيها بعدته خلفها مباشرة.
وفي الغالب، لم يعد ينظر حتى إلى الأعمال الفنية على الجدران. ومثلما فعل في الشوارع، أبقى عينيه مطوَّطتين نحو الأرض، مركزاً على خطاه أكثر من محيطه. ومع ذلك، لفت انتباهه شيء من طرافة عينه. كانت هذه معرضاً دائماً، ولا شيء يتغير هنا أبداً. جعله أمر ما يتوقف ويلتفت حوله. هناك، تماماً هناك. على واحدة من أهم اللوحات التي يمتلكها المتحف، شوه أحدهم الفن. فقد رُسم على الكنيسة الدافئة ونجومها الملتفة وسماء ليلها بطلاء ساطع مضيء.
كيف فعلوا ذلك قط؟ لم تكن اللوحة باهتة تماماً، لكن الكتابة على الجدران توهجت كأن احداً رسم بمصابيح ليد. وجعلت الألوان تحتها تبدو طينية وباهتة. وبطريقة ما فعل المخربون ذلك دون أن يلاحظهم أحد حتى. التفت دانيال ناظراً حوله، فرأى زوجين يتوقفان للتأمل في اللوحة. كانا في طريقهما بوضوح نحو الباب الأمامي وتوقفا للإعجاب باللوحة. وأسهبت المرأة في الحديث عن مدى حبها لهذه اللوحة، وكيف اعتادت امتلاك نسخة مطبوعة منها في غرفة سكنها الجامعي، لكن أياً منهما لم يأتِ على ذكر التخريب.
هز دانيال رأسه واقترب أكثر. بخط أزرق نقي وساطع، خرب أحدهم التحفة الفنية. كلمات استطاع دانيال قراءتها بسهولة.
لسْتَ مجنوناً. والضباب حقيقيّ. اتصل بنا، أو اكتب إلينا، لنستطيع مساعدتك.
وُجد رقم وعنوان بريد إلكترونيّ هناك أيضاً، لكنّ دانيال بالكاد لاحظهما. دعاه الضوء الأزرق، وشعر بشيء ينمو في أعماق عقله. رمق ساعته بطرف عينه. كان الوقت مبكراً بعد. وحتّى الكلمات لم تبدو جديرة باهتمامه. كلا، لقد عرف الضوء الأزرق. استأنف دانيال السير، عابراً المتحف دون أن يرى شيئاً حقّاً. في لحظة وجد قطعته المفضّلة، إحدى الأشياء القليلة التي نظر إليها حقّاً على الإطلاق.
لم يحمل تمثال النحاس صفاراً ولا طبقة قدَم، وتمعّن يلمع كالذهب. لم يكن ضخماً للغاية، لكنّه طالما استهوى دانيال. وقف ساكناً كأيّ منحوتة، لكنّ التطلع إليه جعل دانيال يميل إلى الرقص. أوقعت الطريقة التي التوى بها وتدفّق، النّحات الإيطاليّ في أسر روح في منتصف تحليقها. نظر دانيال دون أن يرى المنحوتة حقّاً، مستشعراً فحسب الضغط يتصاعد، ويتصاعد. أخيراً، عجز عن كبح نفسه فمدّ ذراعيه.
تحرّك الضباب في الغرفة، وتدفق الضوء الأزرق وتجمع حول يديه. لم يكن الأمر خيالاً. لقد كان حقيقيّاً، فالضوء الأزرق حقيقيّ. ومع مدّة إضافيّة بسيطة، صار التمثال حقيقيّاً بدوره.